قال الناقد والكاتب محمود عبدالشكور إنه شعر منذ قراءته الأولى لرواية "انخدعنا" بأنها نص يحمل طموحا كبيرا، مشيرا إلى أن هذه كانت المرة الأولى التي يقرأ فيها عملا لدينا شحاتة، وأنه خرج من التجربة بانطباع أنها كاتبة تمتلك أدوات سردية واضحة.
وأوضح عبدالشكور أثناء مناقشة الرواية في مقر دار الشروق بوسط البلد أن الشخصية الرئيسية، "طارق العيسوي" أو "طارق العايق"، تمثل نموذجا للإنسان المصري العادي، بل إنها تنتمي إلى ما يسمى في الأدب والسينما بـ"البطل الضد" أو الـ"Anti-hero"، أي الشخصية التي لا تمتلك مقومات البطولة التقليدية، وإنما هي شخصية عادية، وربما أقل من العادية، لكنها تحمل داخلها إمكانيات درامية وسردية كبيرة.
وأضاف أن هذا النوع من الشخصيات كان حاضرا في أفلام المخرج محمد خان، لأن تركيبته تقوم على إنسان عادي مليء بالتفاصيل والتناقضات، ويمكن من خلاله التعبير عن حياة كاملة.
وأشار عبدالشكور إلى أن ما أعجبه في الرواية هو طموح دينا شحاتة في أن تقدم تاريخ مدينة بورسعيد من خلال شخصية "طارق" وأسرته، وأنها لم تلجأ إلى سرد تاريخي تقليدي يقوم على تتبع الأجيال، وإنما اختارت أجزاء محددة من تاريخ المدينة، وربطتها بحياة بطلها.
وأوضح أن الرواية تعتمد على ثلاثة مستويات من السرد؛ الأول هو صوت "طارق" نفسه، الذي يحكي تفاصيل حياته وخيباته من الداخل، والثاني هو الراوي العليم الذي يعرف الشخصيات ويستطيع أن يكتفي بسرد ما يحدث، وإنما يحاكم "طارق" ويعيد النظر في اختياراته.
وأوضح أن الإنسان عندما يحكي عن نفسه لا يميل عادة إلى الاعتراف بمسئوليته عن أخطائه، ولذلك كان وجود الراوي العليم ضروريا لتحقيق قدر من التوازن.
وأضاف أن المستوى الثالث، وهو صوت المدينة، الذي يمثل الطموح الأكبر في الرواية، لأن بورسعيد تتحول إلى كائن يحكي عن تاريخها منذ نشأتها، منذ حفر قناة السويس، مرورا بالعدوان الثلاثي، والتهجير بعد عام 1967، ثم الانفتاح الاقتصادي، وصولا إلى حادث استاد بورسعيد.
وأشار إلى أن تاريخ المدينة يرتبط بشكل وثيق بتاريخ مصر، لأن بورسعيد كانت في مقدمة المواجهات خلال الحروب، ولذلك لا يمكن فصل تجربتها عن التجربة المصرية العامة.
وأكد أن حادث استاد بورسعيد لا يظهر في الرواية باعتباره مجرد واقعة رياضية، لأن النادي المصري بالنسبة إلى أبناء بورسعيد جزء من الهوية الوطنية للمدينة، خاصة أنها كانت مدينة تضم جاليات وأندية أجنبية، ولذلك كان النادي المصري بمثابة التعبير عن الهوية المحلية والوطنية.
وقال إن الرواية تقوم على لعبة الدوائر؛ الدائرة الأولى هي "طارق"، والدائرة الثانية هي الراوي العليم، والدائرة الثالثة هي بورسعيد، و"من خلال هذه الدوائر تنتقل الرواية من الخاص جدا إلى العام، ومن خيبة فرد إلى خيبة مدينة، ثم إلى خيبة وطن".
وأوضح أن هذه الطريقة جعلته يرى الرواية بوصفها رواية تاريخية بالمعنى العميق، وليس بالمعنى التقليدي المباشر، لأنها لا تسرد التاريخ باعتباره مجموعة من الوقائع، وإنما تربط التاريخ بحياة الإنسان اليومية وبالذاكرة الفردية.
وأضاف أن اللغة نفسها تتغير داخل الرواية وفقا لتغير الأصوات، فصوت "طارق" يأتي بلغة الشارع والحياة اليومية، وهي لغة تناسب شخصيته وتعليمه وبيئته في حي العرب، بينما يتحول الأسلوب إلى لغة أكثر شاعرية عندما تتحدث المدينة، خصوصا في الفصل الأخير.
وأكد أن هذا المزج بين اللغة الواقعية واللغة الشاعرية يكشف عن قدرة دينا شحاتة على استخدام أدواتها بما يخدم النص، بدلا من الالتزام بمستوى لغوي واحد.
وتوقف عبدالشكور عند لعبة الدومينو، مؤكدا أنها ليست مجرد لعبة شعبية اختارتها الكاتبة لأنها مناسبة لـ"طارق"، وإنما تحمل معنى أعمق؛ فهي تجمع بين الحظ والحساب، اللاعب يحصل على قطع لا يختارها، لكنه يستطيع أن يتعامل معها بمهارة ويحسب ما لدى خصمه.
ورأى أن هذا المعنى يوازي حالة "طارق"؛ فهو لم يختر ظروفه، لكن هذا لا يعني أنه غير مسئول تماما عن مصيره، فهناك ظروف صعبة أحاطت به، لكن هناك أيضا ضعف وهشاشة واستسلام واعتمادية داخل شخصيته.
وأوضح أن وفاة والد طارق المبكرة، مثلا، لا يمكن اعتبارها سببا كافيا لهزيمته، لأن الإنسان قد يتعامل مع فقدان الأب بطرق مختلفة، وقد يحول هذه التجربة إلى دافع للبناء بدلا من الاستسلام.
وأكد أن "طارق" شخصية تراجيدية، لأن الشخصية التراجيدية تكون في الأساس شخصية طيبة أو نبيلة، لكن لديها نقطة ضعف تؤدي بها إلى الفشل، ولذلك يشعر القارئ تجاه "طارق" بالرثاء، مع إدراكه في الوقت نفسه أن الشخصية مسئولة عن جانب من مصيرها.
وقال إن الرواية لا تقدم "طارق" باعتباره ضحية للظروف فقط، ولا تكتفي بفكرة المظلومية، وإنما تسأل عن مسئوليته عن اختياراته، وهذا هو الجانب الذي اعتبره جديدا ومهما في معالجة الرواية.