مثل الطبيب الفرنسي رافائيل بيتي، أمام هيئة تأديبية تابعة لنقابة الأطباء الفرنسية، على خلفية تصريحات تلفزيونية وصف فيها الوضع في قطاع غزة بأنه «إبادة جماعية».
واستمعت الغرفة التأديبية الابتدائية للمجلس الإقليمي الأكبر شرقًا، الجمعة 6 نوفمبر، إلى بيتي في مدينة نانسي، بعد شكوى تقدمت بها جمعية الأطباء الإسرائيليين في فرنسا، اتهمته فيها بنشر معلومات تشهيرية والإدلاء بتصريحات «لا تتوافق مع ممارسة مهنة الطب».
وتعود القضية إلى مايو 2025، حين شارك الطبيب في برنامجين تلفزيونيين على القناتين الفرنسيتين الثانية والخامسة، وتحدث عن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، مستندًا إلى تجربته الميدانية خلال عمله الإنساني في القطاع.
وقال بيتي، خلال حضوره على قناة France 5 في 6 مايو 2025، إن «لدينا جميع العناصر القانونية اللازمة لتوصيف ما يحدث بأنه إبادة جماعية»، مشيرًا إلى منع دخول الغذاء والماء والكهرباء والوقود، وعرقلة حصول السكان على العلاج، فضلًا عن عمليات تهجيرهم.
كما كرر الموقف ذاته على القناة الفرنسية الثانية، بعد أيام من ذلك.
واعترضت جمعية الأطباء الإسرائيليين في فرنسا على توصيف الطبيب لما يجري في غزة، معتبرة أن استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» غير مبرر، لأنه لم يصدر، وفق موقفها، عن أي جهة دولية.
وقال فريديريك هوتمن، محامي الجمعية، إن موكليه يشعرون بظلم عميق بسبب تصريحات بيتي، معتبرًا أنه يستخدم لغة تستهدف، بحسب تعبيره، نزع الشرعية عن إسرائيل واليهود، ولا يلجأ إلى المصطلحات نفسها عند الحديث عن نزاعات أخرى.
وأضاف أن هناك مآسي تقع في مناطق مختلفة من العالم، لكن وصف «الإبادة الجماعية» يُستخدم، وفق قوله، عند الحديث عن غزة وحدها، مشيرًا إلى أن الجمعية ترى أن تصريحات الطبيب انعكست سلبًا على اليهود في فرنسا.
الطبيب يستند إلى تجربته في مستشفيات غزة
وبحسب ما نشرته شبكة «يورونيوز عربية»، دافع بيتي عن تصريحاته خلال الجلسة، مستعيدًا الظروف التي عاينها في المستشفيات الفلسطينية أثناء مهمته.
ووصف الوضع داخل أحد المستشفيات بالفوضوي، قائلًا إن الطواقم الطبية لم تكن قادرة على الحفاظ على شروط النظافة، في ظل غياب المضادات الحيوية والأكسجين والمعدات الجراحية.
وأضاف أن الأوضاع كانت تشبه ما شهدته مستشفيات الحرب العالمية الأولى، مع اللجوء إلى عمليات البتر بصورة متكررة، موضحًا أن الأطباء اضطروا إلى ترك بعض المصابين بإصابات خطيرة في الرأس والأطفال الذين تعرضوا لحروق واسعة دون إمكانية إنقاذهم.
وتحدث أيضًا عن منع الطواقم الطبية من استخدام سفن كانت متاحة، وفق روايته، لنقل المصابين، منتقدًا غياب التغطية الصحفية لما عاينه في القطاع.
وتساءل الطبيب خلال دفاعه عن موقفه: «هل عليّ أن ألتزم الصمت؟».
هيئة تنظيم الإعلام تطالب بالحذر في تناول ملف غزة
وسبق أن تدخلت الهيئة العليا لتنظيم الإعلام المرئي والمسموع والرقمي في فرنسا.
وجاء تدخل الهيئة بعد شكوى بشأن فقرة قارن فيها بيتي والإعلامي الفرنسي تييري أرديسون، صور الأطفال الذين يعانون الجوع في غزة بصور المعتقلين في معسكرات الاعتقال والإبادة النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
وطلبت الهيئة من القناة إبداء مزيد من الحذر عند إدارة النقاشات المتعلقة بموضوعات شديدة الحساسية، كما انتقدت عدم تقديم معلومات كافية عن الخلفية السياسية للطبيب، الذي لم يُعرّف خلال البرنامج إلا بصفته «طبيبًا إنسانيًا».
ومن المقرر أن تصدر الغرفة التأديبية التابعة لنقابة الأطباء قرارها في القضية خلال نحو شهر، بعدما وضعت الملف قيد المداولة.
وتمتلك الهيئة صلاحية فرض عقوبات تأديبية، لكن لم يُعلن عن أي قرار حتى الآن.
وفي 16 سبتمبر 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، للمرة الأولى، إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وأن كبار المسئولين الإسرائيليين حرّضوا على ارتكابها، في ما وصفته اللجنة بأنه من أكثر الاستنتاجات الأممية موثوقية في هذا الشأن.
وحدد التقرير أربعة أفعال تندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، تشمل قتل فلسطينيين في غزة، وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية متعمدة تستهدف تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، إلى جانب فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل المجموعة السكانية.