- الأناضول ترافق الطفل غسان أبو نصر في يوم رمضاني فوق ركام منزله الذي دمرته غارة إسرائيلية قتلت أمه وإخوته الخمسة
- يزيد من ألم غسان أن معظم أفراد عائلته لا زالوا مدفونين تحت الركام لشح إمكانات طواقم الدفاع المدني
- لم تسلب الحرب غسان عائلته فحسب بل أخذت معها الكثير من أحلامه أيضا وغيرت ملامح حياته مبكرا
مع اقتراب موعد أذان المغرب في شهر رمضان، يجلس الطفل غسان أبو نصر فوق أنقاض منزله المدمر في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، محدقا في الركام الذي كان قبل عام ونصف بيتا مفعما بالحياة والضحكات، محاولا استعادة ذكريات والدته وإخوته، التي غيبتها حرب إبادة إسرائيلية استمرت عامين.
هنا كانت أمه، وهناك كان يلعب مع إخوته الخمسة، أما اليوم، فلم يبقَ سوى الذكريات المثقلة بالهموم والأحزان.
يمر شهر رمضان هذا العام على غسان للعام الثاني، وهو يفتقد والدته وإخوته الذين استشهدوا في غارة إسرائيلية استهدفت منزل العائلة نهاية أكتوبر 2024.
وبدأت إسرائيل حرب إبادة جماعية في قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، بدعم أمريكي، وخلفت أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا هائلا طال 90% من البنى التحتية المدنية بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
كان المنزل متعدد الطبقات، يؤوي أكثر من 200 نازح من الأقارب والجيران لجأوا إليه بحثا عن الأمان، لكنهم استشهدوا جميعاً، فيما خرج غسان ووالده وعدد قليل منهم مصابين من تحت الركام.
ويستعيد غسان تفاصيل حياته قبل الحرب وهو يجلس على حجارة المنزل المنهار، محاولا أن يتذكر شكل المنزل كما كان، يشير إلى زاوية ويقول إن تلك كانت غرفته مع إخوته، وإلى أخرى حيث كان المطبخ الذي كانت أمه تقضي فيه ساعات طويلة قبل موعد الإفطار.
ورافق مراسل الأناضول الطفل غسان في يوم رمضاني على أنقاض المنزل المدمر، وبين أزقة حارته التي غيرت ملامحها الحرب وبات الركام طاغيا على المشهد.
-كل شيء تغير
ويقول غسان وهو ينظر نحو ركام المنزل: "كل يوم أتذكرهم"، مضيفا أن رمضان كان بالنسبة له شهرا مليئا بالفرح، أما الآن فيشعر فيه بـ"فراغ كبير".
قبل الحرب، كان رمضان بالنسبة لغسان شهرا ينتظره بشوق، فله أجواؤه وألعابه الخاصة، كان يلعب مع إخوته، ويتسابقون أحيانا لمعرفة من سيسمع الأذان أولا، لكن رمضان اليوم مختلف تماما.
ويؤكد غسان أنه يقضى لحظات الإفطار والسحور منذ بدء رمضان وهو يبكي ألما وحسرة على فقدان أحبائه "حرموني من أمي وإخوتي ولم يبقَ لي شيء".
ويضيف: "لا معنى لهذه الحياة، حيث أقضي الأوقات دون أمي وإخوتي، الذين كانوا يملؤون عليّ حياتي حباً ولعباً، والآن أجلس وحيداً بدونهم".
وبرفقة أطفال من أقربائه، يجلس غسان فوق أكوام الحجارة، يقلّبون معرض الصور في هاتفه المحمول، والذي يضم ذكرياته مع أسرته ما قبل الحرب: "هذا ضياء، وذاك أركان.. قضوا جميعاً وتركونا هنا".
كما يستذكر الأطفال اللحظات الصعبة التي عايشوها عند انهيار المنزل فوق رؤوسهم، وانتشالهم من تحت الأنقاض.
ويقولون إنهم لم يصدقوا أنهم خرجوا أحياء بسبب قوة الغارة الإسرائيلية وحجم الدمار الذي أحدثته.
وما يزيد من حسرة غسان وألمه، أن معظم أفراد عائلته لا زالوا مدفونين تحت الركام، حيث لم تتمكن طواقم الدفاع المدني من انتشال سوى عدد قليل منهم، نظراً لشح الإمكانات والمعدات.
-حضور وغياب
واتجه مراسل الأناضول رفقة غسان الذي يعيش حاليا مع أبيه في بيت عمه، عند حلول أذان المغرب إلى بيت العم حيث تنتظره مائدة الإفطار، لكنه يعرف أن هناك مقاعد ستبقى فارغة دائما، مقاعد والدته وإخوته الذين غابوا، وبقيت ذكراهم حاضرة في أيام رمضان.
يحاول الجميع أن يخففوا عنه، لكنه يقول إن أكثر ما يؤلمه هو اللحظة التي يجلس فيها إلى الطعام، حيث تباغته ذكريات أمه وإخوته الذين اعتادوا مشاركته تلك اللحظات.
"وتابع غسان، "أتذكرهم كل يوم، ولا يغيبون عن بالي"، وحول موقد النار، الذي أشعلته بديلا عن غاز الطهي المفقود بسبب الحصار، تجلس زوجة عم غسان تحضّر طعام الإفطار للجميع.
وتقول زوجة العم مخاطبة غسان في محاولة لإضفاء أجواء الألفة: "حضرتُ لك الطعام الذي تحبه، قطع الدجاج مع الأرز".
وتوصي السيدة الثلاثينية الطفل الصغير بأن يهتم بنفسه، وتقول مواسيةً له: "ابقَ قويا.. أمامك مستقبل مشرق برغم كل الألم الذي حل بنا".
- العائلة والأحلام
رفض والد غسان الحديث، لكن محمد أبو نصر "عم غسان"، يقول إنهم يقومون بكل ما يستطيعون من أجل التخفيف عن غسان وتعويضه بالشيء القليل عما فقده.
ويضيف في حديثه للأناضول: "أعامل غسان كطفل من أطفالي، وأحرص على تقديم الدعم المعنوي والنفسي له، ومن حسن الحظ أن أطفالي في سنه، فيتشاركون الدراسة واللعب معا".
ولم تسلب الحرب من غسان أمه وإخوته فقط، بل أخذت معها الكثير من أحلامه أيضًا، فقد كان يحلم بأن يكبر ليحقق طموحاته مثل بقية الأطفال، لكن الواقع الذي فرضته الحرب غير ملامح حياته مبكرًا.
ورغم كل الألم، لا يزال غسان يتمسك بأمل بسيط يشبه أحلام الأطفال في كل مكان: أن يعيش في أمان وسلام، وأن يعود الأطفال في غزة إلى حياة طبيعية بعيدا عن الخوف والحروب.