- «أرشيف الظل» كان سلاحي لكتابة تاريخ مصر الذي أغفلته الوثائق الرسمية
- الثقافة الشعبية تمثل الفلسفة الجوهرية لكتابي
- غياب الوثائق وندرة المصادر كانا الأصعب في رحلة الكتاب
- حلم الترجمة العربية راودني منذ البداية.. والعمل موجه للناس الذين عاشوا التجربة
- «أعمل على كتاب يتناول تاريخ وسائل الإعلام في الشرق الأوسط منذ عصر التلغراف وصولا إلى تويتر»
- بدر الرفاعي لم يكن مجرد مترجم بل كان شريكا منح الكتاب روحه الأصيلة
- أهدف إلى تدشين أرشيف رقمي يضم محتوى شرائط كاسيت عربي وأجنبي نادرا ومتنوعا بين الخطب والأغاني الشعبية
- الكاسيت مثل ثورة حقيقية حولت الأفراد من مجرد مستهلك إلى منتج للثقافة
وسط زمن تتنازع فيه الروايات الرسمية والذاكرة الشعبية على كتابة التاريخ، يطل الباحث الأمريكي آندرو سايمون برؤية مختلفة، تقلب المعادلة رأسا على عقب؛ فلا يبدأ من الوثائق المؤرشفة في أدراج المراكز البحثية، بل من أصوات الشارع، ومن أشرطة الكاسيت التي حملت رؤية الناس وعبرت عن أحلامهم عبر عقود.
هنا، لا يصبح التاريخ سردا للأحداث الكبرى فحسب، بل إنصاتا دقيقا لتفاصيل الحياة اليومية التي غالبا ما تُهمّش أو تُستبعد من السرد الرسمي.
ينطلق سايمون من لحظة مفصلية عاشها بنفسه خلال ثورة 25 يناير، حيث أدرك أن «الصوت» ليس مجرد أداة تعبير، بل قوة قادرة على تشكيل الوعي الجمعي وإعادة إحياء ذاكرة كاملة، كما حدث مع أغاني الشيخ إمام التي عادت لتتصدر المشهد إبان ثورة يناير، ومن هذه اللحظة، بدأ السؤال يتسع: هل يمكن أن تكون الوسائط البسيطة، كأشرطة الكاسيت، مفتاحا لفهم تاريخ مصر الاجتماعي والسياسي؟
على مدى عشر سنوات من البحث، تتبع سايمون خيوط هذا العالم الخفي، جامعا ما أسماه «أرشيف الظل»، حيث تتجاور التسجيلات النادرة مع المجلات القديمة وحكايات الناس، لتشكل جميعها مادة خاما لكتابة تاريخ مواز، أكثر حيوية وصدقا. فالكاسيت، في نظره، لم يكن مجرد وسيط موسيقي، بل منصة شعبية كسرت احتكار الدولة للإعلام، وفتحت المجال أمام الأفراد ليكونوا منتجين للثقافة لا مستهلكين لها فقط.
في حواره لـ«الشروق»، يكشف سايمون عن الرحلة الكاملة وراء كتابه «إعلام الجماهير.. ثقافة الكاسيت في مصر»، الصادر عن دار الشروق، من الشرارة الأولى التي انطلقت من قلب الميدان، إلى التحديات التي واجهته في غياب الوثائق الرسمية، وصولا إلى رؤيته لمستقبل كتابة التاريخ عبر وسائط غير تقليدية، تضع الإنسان العادي في قلب الحكاية.
● حدثنا عن الشرارة الأولى التي قادتك لتأليف كتاب عن «أشرطة الكاسيت» في مصر.. وكيف تضافرت تجربتك الشخصية مع مسارك الأكاديمي لتوليد هذه الفكرة؟
ـ الشرارة الأولى وُلدت في قلب ثورة 25 يناير، حيث كنت أسكن وقتها في حي المنيرة وأدرس بالجامعة الأمريكية بوسط البلد، ووجدتني أشارك المصريين في مظاهرات ميدان التحرير، وهناك لمست قوة «الصوت» وتأثيره، خاصة مع استعادة أغاني الشيخ إمام لروحها في الميادين.
وبينما كان الجميع يتحدث عن قوة السوشيال ميديا على اعتبارها ظاهرة جديدة، كنت أشعر أن الجذور أعمق، ولاحقا، وأثناء دراستي للدكتوراه في جامعة «كورنيل»، أعددت أبحاثا متنوعة عن الموسيقى الشعبية، وحول الشيخ إمام، وشيوخ السلفية، وتبينت وقتها وجود «خيط مشترك» يربط كل هذه العوالم المتناقضة ببعضها، وهو شريط الكاسيت، ومن هنا قررت أن أؤرخ للكاسيت، لا كوسيلة موسيقى فحسب، بل كمرآة لتحولات مجتمع وتاريخ مصر.
● الكتاب لا يتناول ثقافة الكاسيت فقط بل يؤرخ للحياة الاجتماعية في مصر في الستينيات والسبعينيات.. هل جاء ذلك بوعي منذ البداية؟
ـ اهتمامي ينصب دائما على تفاصيل الحياة اليومية، بعيدا عن صراعات النخبة أو التحولات الكبرى، وقد لاحظت إغفال أغلب المؤرخين للثقافة الشعبية أو ربما تهميشها، بينما أؤمن أنا أنها جزء أصيل من نسيج الحياة، ووضعها في المركز هو الفلسفة الجوهرية لكتابي؛ فالثقافة الشعبية ليست جزيرة منعزلة، بل هي في علاقة متشابكة دائما مع الاقتصاد والمجتمع والدين والسياسة لتشكل وجه المجتمع الحقيقي.
● مصطلح «أرشيف الظل».. فسره لنا؟
ـ استخدمت في الكتاب مصطلحا لافتا، وتسمية «أرشيف الظل» جاءت من سؤال جوهري طرحته على نفسي في بداية البحث، وهو كيف يمكننا كتابة تاريخ بلد ما في ظل غياب وثائقها الرسمية؟
فبينما تتوافر مراجع لعصور قديمة، نجد فجوة هائلة في التاريخ المعاصر كعهود الرؤساء عبد الناصر، والسادات، ومبارك، وذلك لصعوبة، والأدق استحالة الوصول للمصادر الرسمية، وهو ما وصفه المؤرخ إبراهيم عبده بـ«تاريخ بلا وثائق». ومن هنا كان التحدي والحل في «أرشيف الظل»، ويعني كل المصادر السمعية والبصرية الموجودة خارج دار الوثائق؛ حيث بحثت في سور الأزبكية، ومحلات الكاسيت، وبيوت الناس، وصفحات المجلات، لجمع وصناعة وثائق من قلب الحياة اليومية أصيغ بها تاريخا جديدا.
● ما المدة التي استغرقها هذا المشوار البحثي؟
ـ لقد كان مشوارا طويلا امتد لعشر سنوات كاملة، إذ بدأت الفكرة تتبلور في ذهني مع أحداث الثورة عام 2011، ومنذ تلك اللحظة انطلقت رحلة البحث والتدوين، قبل أن تصدر النسخة الإنجليزية من الكتاب في عام 2022، ثم استغرقت الترجمة إلى العربية عامين إضافيين لتخرج بهذه الدقة، فهي رحلة تمتد لعقد من الزمن بدأت بملاحظة عابرة في الشارع وانتهت بتوثيق حقبة كاملة من تاريخ مصر الاجتماعي.
● على ذكر الترجمة.. حدثنا عن كيف جاء التعاون مع القدير بدر الرفاعي ليخرج الكتاب بهذه الروح؟
ـ رافقني حلم الترجمة العربية منذ البداية، فكان ضروريا أن يصل الكتاب للجمهور المصري والعربي وألا يظل حبيسا للأروقة الأكاديمية بالخارج، فعندما كنت أسأل نفسي دائما: «لمن أكتب؟» كانت الإجابة: للناس الذين عاشوا التجربة وتفاعلوا معها.
أما عن «الرفاعي» فقد كان اختيار دار الشروق موفقا جدا، لكني لم أره كمترجم فحسب بل كصديق وشريك في الرؤية، فهو لم ينقل الكلمات بل نقل «الحالة»، لأنه عاش تلك الحقبة، بينما وُلدت أنا عام 1987 واستخدمت الكاسيت طفلا في سياق مختلف، كان هو يعيش التفاصيل في قلب مصر، ولذلك كنت أبحث عن مترجم «عاش الموضوع» بوجدانه، بالإضافة إلى أنه كان ذا صلة بالشيخ إمام نفسه، ولذلك كله فإن بدر الرفاعي كان الشخص المثالي الذي منح الكتاب روحه العربية الأصيلة.
● قلت إنك تحلم برؤية كتابك في مكتبات «سور الأزبكية».. ماذا يمثل وجود عملك هناك؟
ـ الحقيقة أن هذا الحلم لا يزال يراودني، فسور الأزبكية يمثل لي الكثير في رحلة البحث وجمع الأرشيف، ولذلك أتطلع لرؤية الكتاب هناك يوما ما، فربما نجد النسخة العربية معروضة بين جنباته بعد عام أو عامين من الآن، فالمهم في النهاية هو أن يصل الكتاب للناس في الأماكن التي استلهمت منها حكاياتي، لكنني أتمنى بالطبع أن تكون نسخة «أصلية» تليق بقيمة الأرشيف الذي جمعته، تماما مثل تلك الكتب القيمة والمصادر النادرة التي أفادتني في رحلتي البحثية.
● لماذا اخترت مصطلح «ثقافة الكاسيت».. وهل له مدلول خاص يتجاوز كونه ترجمة للعنوان الأصلي؟
ـ اختياري لمصطلح «ثقافة الكاسيت» نابع من كون شريط الكاسيت عاش حياة طويلة وممتدة في مصر منذ السبعينيات وحتى بدايات الألفية، فهي ظاهرة متجذرة وليست مجرد وسيلة عابرة، ولذلك أردت أن أعبر عن هذا العمق.
فالفكرة الرئيسية هنا تكمن في «الجمهور» نفسه، إذ حاولت صياغة مفهوم أكثر دقة من مصطلح «وسائل الإعلام الجماهيرية» المعتاد، فاستخدمت ما أسميته «إعلام الجماهير»؛ لأن الكاسيت مثل ثورة حقيقية مكنت أي فرد من أن يتحول من مجرد مستهلك إلى منتج للثقافة وموزع للمعلومة، وهذا تحديدا ما جعل الكاسيت يختلف تماما عن الراديو أو الجرامافون وغيرهما.
● لماذا اعتبرت أن شريط الكاسيت فكك احتكار الدولة للثقافة وكسر هيمنتها الرسمية؟
ـ منذ نشأة الإذاعة عام 1934، خضعت الثقافة لسيطرة الدولة، حتى مشروع «الثقافة الجماهيرية» كان تحت رقابة صارمة، فجاء الكاسيت ليفكك هذه الهيمنة؛ حيث تحول المواطن من متلق لما تمليه الإذاعة إلى منتج يمتلك أدوات نشر ثقافته بعيدا عن مقص الرقيب.
ولذا فإن الكاسيت بمثابة «إنترنت ما قبل الإنترنت»؛ فالتشابه بينه وبين تطبيق «تيك توك» والوسائط الحديثة جوهري في كسر احتكار النخبة، وحتى في اتهامات «تلوث الذوق العام»، ولقد مكنت هذه التقنية الأفراد من تفكيك روايات السلطة، ومن المحزن تكرار ذات الاتهامات اليوم مع مطربي «المهرجانات»، مما يعكس رغبة السلطة الدائمة في السيطرة.
● لغلاف الكتاب قصة مميزة.. حدثنا عنها؟
ـ تجربة الغلاف كانت ملهمة وغير متوقعة؛ فالمصممة فنانة أمريكية تُدعى «إيريكا إيريس»، تشتهر برسم بورتريهات مجسمة باستخدام بكر وأشرطة الكاسيت، وحين رأيت إبداعها في رسم مشاهير مثل «مادونا» و«مايكل جاكسون» وغيرهما، عرضت عليها فكرة الكتاب، وسألتها إن كان بإمكانها تصميم الغلاف، فطلبت قراءة المقدمة أولا، وبعد ساعات عادت بحماس شديد للمشروع.
والمفاجأة أنها قدمت التصميم «مجانا» كهدية، لشغفها الشخصي بالكاسيت وتقديرها لفكرة الكتاب، واستقررنا على الغلاف الحالي من بين عدة لوحات قدمتها لأنه الأقرب لروح العمل، وتزين اللوحة الأصلية جدران مكتبي في أمريكا الآن كذكرى لتلك التجربة الجميلة.
● ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال رحلة البحث والتأليف؟
ـ تكمن الصعوبة الكبرى في غياب الوثائق الرسمية وندرة المصادر التي توثق الثقافة الشعبية؛ فبينما يفيض الأرشيف القومي بكتب تتناول النخبة والسياسة العليا، وجدت فجوة هائلة فيما يخص حياة الناس اليومية، أو ظواهر مثل «أحمد عدوية» و«الشيخ إمام»، وأثر هجرة المصريين لدول الخليج على الذوق العام.
هذا الشح في المراجع، وصعوبة الوصول لمصادر تاريخية عن الفئات المهمشة، كان هو الدافع الحقيقي وراء ابتكار مفهوم «أرشيف الظل» وصناعته من قلب المجلات وإعلانات الشوارع والذاكرة الشفهية.
● ما الموضوع الذي استوقف شغفك أثناء عملية البحث وتمنيت الكتابة عنه مستقبلا؟
ـ أثناء العمل على هذا الكتاب، تبلورت لدي فكرة مشروع جديد يتناول «تاريخ وسائل الإعلام في الشرق الأوسط»، منذ بزوغ عصر «التلغراف» وصولا إلى عصر «تويتر»، وأطمح من خلاله لتوثيق التحولات التقنية والاجتماعية على مدار قرن كامل، بحيث يركز كل فصل من فصوله على دراسة حالة دولة عربية بعينها.
● ما المشروع الذي تعكف عليه في الوقت الراهن؟
ـ أعمل حاليا على مشروعين متوازيين؛ الأول هو تدشين «أرشيف رقمي» يضم مجموعتي الخاصة التي تقارب الـ500 شريط كاسيت، وتشمل محتوى نادرا ومتنوعا بين الخطب والأغاني الشعبية والموسيقى الأوبرالية والنكات، وصولا إلى أغنيات «البيتلز» والشيخ إمام وعدوية، فإن هدفي هو صون هذا الإرث من الاندثار وإتاحته مجانا، خاصة أن 70% من هذا المحتوى غير موجود على الإنترنت نهائيا.
أما المشروع الثاني، فهو كتاب يتناول سيرة «الشيخ إمام» بصورة غير تقليدية؛ حيث أرصد تأثيره الممتد بين ثورتي 1919 (قبل ميلاده بعام) و2011، وكيف استعادت الميادين صوته، فأنا لا أكتب مجرد سيرة ذاتية، بل أتخذ من الشيخ إمام بابا لإعادة فهم تاريخ مصر واليسار العربي، وتسليط الضوء على شعبيته الجارفة التي تجاوزت الحدود لتصل إلى فلسطين وتونس وغيرهما من الدول العربية.