السفير عمرو حلمي يكتب: أوكرانيا وتغير توازنات القوى الأوروبية - بوابة الشروق
الخميس 29 سبتمبر 2022 4:06 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

إلى أي مدى راض عن تعاقد الأهلي مع السويسري مارسيل كولر؟

السفير عمرو حلمي يكتب: أوكرانيا وتغير توازنات القوى الأوروبية


نشر في: الأربعاء 10 أغسطس 2022 - 12:24 م | آخر تحديث: الأربعاء 10 أغسطس 2022 - 12:24 م
عندما أصدر ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي عام ٢٠١٧ كتابه الأشهر "العالم في حاله فوضى" لم يكن يتصور أن الحالة التي تطرق إليها تفصيلا آنذاك يمكن أن تصل الي ما وصلت اليها في المرحلة الراهنة الي الدرجة التي دفعت صندوق النقد الدولي إلى أن يصف الأوضاع الاقتصادية العالمية "بالكآبة والضبابية" في ظل توقعاته بتراجع معدلات النمو وبارتفاع معدلات التضخم وبإمكانية دخول القوى الاقتصادية الرئيسية عالميا في مرحلة من الركود، فالحالة الراهنة التي تمر بها الدول الأوروبية وربما الدول الغربية بأسرها تعد، دون مبالغة، الأخطر التي تشهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تواجه تلك الدول أزمة طاقة تتخطى تداعياتها أزمات الطاقة التي شهدتها من قبل وهي التي تتزامن مع تزايد التوقعات بقرب دخولها في مرحلة من الركود الاقتصادي يقدر أنه سيكون أشد وطأة من الذي شهدته في ثمانينات القرن المنصرم.

وبعد أن انصب التركيز الرئيسي للعديد من التقارير الدولية على تناول انعكاسات الحرب التي تشهدها أوكرانيا على اقتصاديات الدول النامية والتكهن بدخول عدد منها في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي تأثرا بأزمتي الغذاء والطاقة وبارتفاع الأسعار وبانخفاض مستويات المعيشة، بدأ التركيز يتجه إلى التطرق لتداعيات تلك الحرب على اقتصاديات الدول المتقدمة التي فرضت العقوبات على روسيا مع محاولة تقييم مدى النجاح الذي أحرزته تلك العقوبات في تحقيق مجمل الأهداف المرجوة منها، بعد أن اتضح أن تأثيراتها، وأن كانت قد أحدثت دون شك أضرارا بالغة بالأوضاع الاقتصادية الروسية، إلا أن تداعياتها قد نفذت بالفعل إلى الدول التي فرضتها لتحدث واقعا سياسيا واقتصاديا جديدا لم يتم التحسب من إمكانية حدوثه عنذ اتخاذ القرارات بفرضها.

فمع خسارة الرئيس الفرنسي ماكرون للأغلبيه المطلقة في مجلس النواب، ثم استقالة رئيس الوزراء بوريس جونسون في بريطانيا، والتي أعقبها استقاله رئيس الوزراء ماريو دراجي في إيطاليا والتصريحات التي أدلى بها وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابك والتي ذكر فيها أن تواصل ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعرض "السلام الاجتماعي" في ألمانيا للانهيار، وبأن المانيا تتجه إلى التوسع في الاعتماد على الفحم وإلى إعادة النظر في إمكانية إغلاق مفاعلاتها النووية المتبقية، بدأت الشواهد تؤكد أن الاستقرار السياسي في الدول الأوروبية ليس في أفضل حالاته وأن "خريطة التوازنات السياسية الداخلية الأوروبية" تبدو مرشحة لأن تشهد المزيد من التحولات الجوهرية التي يأتي في إطارها تزايد ثقل التيارات اليمينية الأوروبية، إذ أعقب الإنجاز الذي حققته مارين لوبن زعيمة الحزب اليميني الفرنسي بحصولها على ما يقرب من 41%؜ من أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل الماضي، فقد نجحت في تحقيق إنجاز اضافي آخر في الانتخابات التشريعية الفرنسية يتمثل في ارتفاع عدد مقاعد حزبها في مجلس النواب الفرنسي من 8 مقاعد إلى 89 مقعدا، وهو ما يتزامن مع تزايد التكهنات حول إمكانية نجاح الحزب اليميني الإيطالي بزعامة جورجيا ميلوني في الانتخابات العامة الإيطالية المقبلة التي ستجري يوم 25 سبتمبر المقبل، في تطور يمكن أن يعزز من تصاعد ثقل التيارات اليمينية في أوروبا بأسرها، وهو الأمر الذي لا تفضل حدوثه مختلف دوائر الاتحاد الأوروبي في ظل تبني اليمين لمواقف متشددة حيال بعض السياسات التي تطالب بتطبيقها المفوضية الأوروبية وأيضا فيما يتعلق بقضايا الهجرة واللاجئين، وبما قد يدخل إيطاليا في مرحلة من التوتر في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وربما مع الـNATO أيضا حيث يطالب اليمين في إيطاليا بضرورة التخلي عن مواصلة تشديد العقوبات على روسيا والحد من الدعم العسكري الإيطالي لأوكرانيا.

وتعزز تلك التطورات من مشاعر القلق من امكانية الاستمرار في الحفاظ علي صلابة وتجانس مواقف دول الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمواصلة تقديم الدعم لأوكرانيا والاستمرار في فرض العقوبات على روسيا، فارتفاع معدلات التضخم وكذلك نفقات المعيشة مع تفاقم أزمة الطاقة في ضوء القرار الذي اتخذته روسيا بخفض توريد الغاز إلى عدد من الدول الأوروبية بمعدلات تصل إلى 80%، ووقف تصديره بالكامل إلى عدد آخر منها، من شأنه أن يفرض ضغوطاً هائلة على دول الاتحاد الأوروبي ومنها تحديدا كل من ألمانيا وإيطاليا، ويعزز من فرص دخول اقتصاديات دول منطقة اليورو في مرحلة خطيرة من الركود وذلك في الوقت الذي تفتقد فيه تلك الدول لمخزونات كافية من الغاز يمكن أن تسد احتياجاتها الصناعية وحتى بالنسبة للتدفئة خلال فترة الشتاء القادم.

وقد دفع هذا الواقع برئيس وزراء المجر إلى التصريح إعلاميا بأن سياسة فرض العقوبات على روسيا قد فشلت، وأنه من الأهمية الشروع في التفاوض مع موسكو، خاصة وأن الدول الأوروبية لا تستطيع في المرحلة الحالية الاعتماد على مصادر بديلة يمكن أن تحل محل الغاز الروسي بدرجة كافية بما يضع مجمل دول الاتحاد الأوروبي أمام تحديات هائلة يصعب تصور إمكانيه تحمل المجتمعات الأوربية لتداعياتها، وهو الرأي الذي لم يلق قبولا من الدوائر الرسمية على المستوى الأوروبي في ظل أن عددا من قيادات متخذي القرار في بروكسل وفي بعض العواصم الغربية تبدو وكأنها قد إصابها "متلازمة إنكار الحقيقة" والذي يدفعها إلى تصور أن روسيا ستنهار تحت ضغط العقوبات، وأن هزيمة عسكرية مؤكدة ستلحق بها في أوكرانيا، وأن موسكو لا تمتلك من جانبها كروت للضغط التي يمكن أن تقلب الأوضاع في أوروبا وربما في غيرها رأساً على عقب.

فإذا كانت توازنات القوى السياسية الداخلية في أوروبا مرشحة لأن تشهد العديد من التحولات الجوهرية، فإن أزمة الطاقة وتزايد احتمالات الدخول في مرحلة من الركود هي عوامل أصبحت تلقي بظلال الشك حول إمكانية استمرار صلابة مواقف دول الاتحاد الأوروبي على نفس النحو الذي ساد منذ بداية الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا، وهو الأمر الذي يمكن أن يمتد ليؤثر سلبا أيضا في إمكانية استمرار تجانس المواقف بين شطري الأطلنطي، فحتى بافتراض قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على استيعاب بعض تداعيات الحرب التي تشهدها أوكرانيا، فإن أوروبا بواقعها الحقيقي قد لا يمكنها الاستمرار في تحمل الأعباء الناجمة عن تلك الحرب من الناحية السياسية أو الاقتصادية خاصة إذا ما تحولت إلى حرب استنزاف ممتدة طويلة الأجل، وهو ما يرجح أن العالم بعد نهاية الحرب التي تشهدها أوكرانيا سيكون مختلفا تماما عما كان عليه قبل تفجر الأزمة الراهنة، والأمر لن ينطبق على أوكرانيا وحدها، والتي قد لا تعود إلى ما كانت عليه قبل فبراير الماضي، إذ يمكن أن يمتد إلى مجمل الأوضاع في الديمقراطيات الغربية وإلى توازنات القوى العالمية وإلى ثقل كل من روسيا والصين وإلى الأمن والاستقرار في عدد من الدول النامية وإلى الأمم المتحدة وإلى اقتصاديات الطاقة وإلى مقتضيات حفظ السلم والأمن الدوليين، الأمر الذي لا يجب في إطاره التغافل عن إدراك أن أوروبا لا تبدو محصنة من آثار تلك الحرب التي قد تحولها إلى واحدة من أكبر الأطراف الخارجية الخاسرة من تداعياتها.


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك