تقترب الحرب الجارية بين إيران من جهة، وجيش الاحتلال الإسرائيلي وحليفه الوثيق الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، من دخول أسبوعها الثاني، في ظل ضربات عسكرية متبادلة لا تهدأ، وساحات مواجهة تتسع يوما بعد يوم.
وبمتابعة البيانات العسكرية الصادرة عن طهران بشأن العمليات والخسائر، يُلاحظ أنها تصدر عن جهتين مختلفتين: الجيش الإيراني والحرس الثوري، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المؤسستين، وهل هما قوتان منفصلتان بالفعل؟ وهل تمتلك إيران رسميا جهازين عسكريين يعملان بالتوازي؟.
ما تاريخ الحرس الثوري؟
بحسب دراسة بعنوان "المؤسسات العسكرية بين الثقة والتهميش: مقارنة بين وضع الحرس الثوري والجيش في بنية النظام الإيراني" المنشورة في مجلة الدراسات الإيرانية؛ فإن نشأة الحرس الثوري الإيراني ارتبطت مباشرةً بمرحلة إعادة تشكيل بنية الدولة بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، فمع عودة قائد الثورة روح الله الموسوي الخميني إلى طهران من منفاه في فرنسا، أصدر مرسوما بتأسيس الحرس الثوري، بهدف إنشاء قوة عسكرية موالية للنظام الجديد تتولى حماية الثورة ومكتسباتها.
وتوضح الدراسة أن هذا القرار جاء في ظل حالة من عدم الثقة لدى قادة الجمهورية الإسلامية تجاه الجيش الإيراني التقليدي؛ فعلى الرغم من أن الجيش لم يخض مواجهة حاسمة دفاعا عن نظام الشاه في الأيام الأخيرة للثورة، فإن حياده آنذاك، إضافة إلى ارتباط عدد من قياداته بالنظام الملكي السابق، دفع القيادة الثورية إلى البحث عن قوة بديلة أكثر التزاما بمبادئ الثورة وقيمها.
وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، جرى وضع إطار قانوني ينظم العلاقة بين المؤسستين العسكريتين، فقد أوكلت مهمة الدفاع عن حدود البلاد والحفاظ على الأمن الداخلي إلى الجيش النظامي، بينما تولى الحرس الثوري مهمة حماية النظام السياسي والدفاع عن الثورة، ومع مرور الوقت، تطورت هذه المؤسسة لتصبح أحد أبرز مراكز القوة داخل الدولة الإيرانية، إذ لا يقتصر دورها على المجال العسكري فحسب، بل يمتد إلى التأثير في موازين القوة السياسية والأمنية داخل إيران وخارجها.
وتنقل الدراسة عن كينيث كاتزمان، الخبير في خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي، أن الحرس الثوري الإيراني يختلف اختلافا جوهريا عن الجيش النظامي، سواء من حيث الرؤية العقائدية أو طبيعة إدارة عملياته العسكرية، فضلا عن دوره الوظيفي في المجتمع والسياسة.
ويرى كاتزمان أن نشأة الحرس الثوري المرتبطة بالثورة الإسلامية وتطوره داخل بنية النظام يجعلان تحليله وفق الأطر التقليدية للعلاقات المدنية-العسكرية أمرا معقدا؛ ففي العادة لا تمتلك الجيوش النظامية توجها سياسيا محددا، إذ تقوم على أساس قومي وتفترض الحياد تجاه الأنظمة الحاكمة.
وقد ساعدت هذه الطبيعة الجيش الإيراني على الاستمرار كمؤسسة قائمة، رغم ما تعرض له من إضعاف بعد الثورة ووضعه تحت رقابة سياسية مشددة من جانب النظام الجديد.
الجيش الإيراني
بينما يتشكل الجيش الإيراني كجزء طبيعي من بناء الدولة حسب نصوص الدستور، ويتكون من الأفرع التقليدية بقوات برية وبحرية وجوية، ويقوم بحماية حدود الدولة الخارجية.
مقر خاتم الأنبياء
وبحسب تقرير لشبكة الجزيرة، فإن الجيش الإيراني والحرس الثوري، رغم كونهما مؤسستين عسكريتين منفصلتين من حيث البنية والمهام، يخضعان في النهاية لمنظومة قيادة عليا مشتركة، يأتي في مقدمتها مقر خاتم الأنبياء المركزي، الذي يُعد أعلى هيئة لتنسيق وإدارة العمليات في القوات المسلحة الإيرانية.
ويشغل هذا المقر موقعا محوريا في هرم القيادة العسكرية، إذ يمثل الحلقة العليا المسئولة عن تنسيق العمليات المشتركة بين مختلف تشكيلات القوات المسلحة، ولاسيما بين الجيش النظامي والحرس الثوري.
ويُعيَن قائد المقر بمرسوم من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، الذي يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يعكس ارتباط المقر المباشر بالقيادة العليا للدولة، ودوره في توحيد القرار العملياتي وإدارة التحركات العسكرية، خصوصا في أوقات الأزمات والتصعيد العسكري.
ولا تقتصر منظومة خاتم الأنبياء على المقر المركزي، إذ تضم كيانات أخرى ذات مهام متخصصة؛ فمثلا يتولى مقر خاتم الأنبياء للدفاع الجوي مهمة تنسيق منظومة الدفاعات الجوية على المستوى الوطني، وضمان تكامل القدرات بين الجيش والحرس الثوري في مواجهة التهديدات الجوية.
وفي المقابل، يمثل مقر خاتم الأنبياء للإعمار الذراع الهندسي والاقتصادي للحرس الثوري، حيث يتولى تنفيذ عدد كبير من مشروعات البنية التحتية والتنمية داخل إيران، كما يُعد أحد أبرز مصادر التمويل الاقتصادي للحرس الثوري خارج الموازنة الحكومية الرسمية.
تهميش الجيش لصالح الحرس الثوري.. من يملك النفوذ؟
وفي المقابل، تشير الدراسة إلى أن الجيش الإيراني ظل منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 يشعر بدرجة كبيرة من التهميش مقارنةً بالحرس الثوري؛ غير أن طبيعة النظام الصارمة، والخشية من الفصل أو الحرمان من الامتيازات المحدودة التي يحصل عليها الضباط والجنود، دفعت كثيرا من منتسبي الجيش إلى التزام الصمت إزاء ما يعتبرونه حالة من الإجحاف التي لحقت بمؤسستهم العسكرية خلال العقود الماضية.
وتكشف الشكاوى التي يرسلها بعض الضباط والجنود إلى الموقع الإلكتروني الخاص بمكتب الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني عن جانب من هذه المعاناة؛ إذ يشكو عدد منهم من تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف الرواتب، إضافة إلى محدودية فرص التعليم والترقي داخل الجيش، كما يشير بعضهم إلى أن نظراءهم في الحرس الثوري يحصلون على امتيازات وظيفية أكبر، من بينها تسريع وتيرة الترقيات بعد الحصول على درجات علمية، حيث يمكن أن تتم الترقية كل ثلاث سنوات، في حين تستغرق في الجيش النظامي فترة أطول قد تصل إلى أربع سنوات.