تحدث الدكتور نظير عياد، مفتي الديار المصرية، عن حكمة نزول القرآن الكريم مفرقًا، بما يعكس عظمة الوحي الإلهي، مؤكدًا أن القرآن هو كلام الله الذي أنزله على نبيه بلسان عربي مبين.
ووصف، خلال تصريحات له في برنامج «حديث المفتي» المذاع عبر قناة «الحياة»، القرآن الكريم بأنه «المتعبَّد بتلاوته، والمعجز بألفاظه ومعانيه»، مشيرًا إلى أنه نُقل إلينا بالتواتر بدءًا من سورة الفاتحة وحتى آخر آياته في سورة الناس.
التنزلات الثلاثة للقرآن الكريم
وقال مفتي الجمهورية إن للقرآن الكريم ثلاثة تنزلات كبرى؛ أولها وجوده في اللوح المحفوظ، موضحًا أن الله تعالى أثبت آياته في سجل مغيب عن جميع الخلق، دليلًا على أزلية العلم الإلهي وإحاطته بما كان وما سيكون، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة البروج: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)».
وأضاف أن التنزل الثاني تمثل في نزوله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان، لافتًا إلى أن العلماء استدلوا على هذا التنزيل من قوله تعالى في سورة الدخان: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ»، وقوله تعالى في سورة القدر: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)».
وأشار إلى أن التنزل الثالث تمثل في نزول آيات القرآن مفرقة على النبي على مدار 23 عامًا، وفق الحوادث والوقائع.
رد القرآن على مطالبة المشركين بنزوله جملة واحدة
وأوضح مفتي الجمهورية حكمة نزول القرآن مفرقًا خلال تلك الفترة، لافتًا إلى ما ورد في القرآن الكريم على لسان المشركين في قوله تعالى بسورة الفرقان: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)»، موضحًا أنهم كانوا يقارنون بين القرآن والكتب السابقة كالتوراة والإنجيل التي اشتهر أنها نزلت جملة واحدة.
التدرج في التنزيل لتثبيت فؤاد النبي
وتابع أن القرآن الكريم أرسى مبدأ التدرج كأساس لبناء الإنسان، موضحًا أن هذا المنهج يحمل العديد من الحكم، من بينها تثبيت فؤاد النبي ، مستشهدًا بقوله تعالى: «كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ».
وأضاف: «كلما واجه النبي تكذيبًا من قومه أو ضيقًا من أذى المشركين، نزل الوحي بآيات بينات تسلي قلبه الشريف، وتذكره بقصص الأنبياء السابقين، بما يجعل الصلة بالسماء مستمرة غير منقطعة».
القرآن مرجع حيّ للحوادث والواقع
وتطرق إلى بقية الحكم الإلهية في تنزيل القرآن مفرقًا، ومنها تيسير الحفظ والفهم على أمة لم تعهد الكتابة والتدوين، قائلًا: «نزول خمس آيات أو عشر آيات كان يتيح للصحابة حفظها وفهم معانيها وتطبيق أحكامها قبل الانتقال إلى غيرها».
وأشار إلى أن النزول المفرق جعل القرآن مرجعًا فوريًا للحوادث، موضحًا: «فإذا سُئل النبي عن قضية أو حدث أمر من الأمور، نزل القرآن ليفصل فيه ويضع القواعد العامة، بما جعل القرآن كتابًا حيًا يتنفس مع المجتمع ولا ينفصل عنه».
واختتم قائلًا إن نزول القرآن الكريم مفرقًا لم يكن أمرًا عارضًا، بل منهجًا ربانيًا مقصودًا لتثبيت قلب النبي، وتيسير حفظه وفهمه، والتدرج في التشريع، وربط الوحي بأحداث الواقع، حتى ظل القرآن الكريم حاضرًا في حياة الأمة.