فيروس كورونا: كتيب عمره 432 عاما حدد قواعد التباعد الاجتماعي «بدقة بالغة» - بوابة الشروق
الأربعاء 20 يناير 2021 6:31 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

فيروس كورونا: كتيب عمره 432 عاما حدد قواعد التباعد الاجتماعي «بدقة بالغة»

بي بي سي
نشر في: الأربعاء 13 يناير 2021 - 6:07 ص | آخر تحديث: الأربعاء 13 يناير 2021 - 6:07 ص

في منتصف نوفمبر عام 1582، وصل بحار إلى ميناء ألغيرو بجزيرة سردينيا في جنح الظلام، وألقى نظرة على المدينة للمرة الأخيرة. ويقال إن هذا البحار كان قادما من مارسيليا، التي كان وباء الطاعون متفشيا فيها منذ عام. ويبدو أنه كان مصابا بالمرض، فقد كان يهذي بالفعل ويعاني من تورم العقد اللمفاوية في المنطقة الإربية (أعلى الفخذ).
لكن هذا البحار استطاع بشكل ما أن يفلت من رقابة حراس الطاعون، المكلفين بإيقاف أي شخص تظهر عليه أعراضه. ولم تكد تمضي أيام حتى وافته المنية وتفشى المرض في المدينة.
وبحسب السجلات الرسمية، زعم أحد المؤرخين في القرن الثامن عشر أنه لم يتبق في المدينة سوى 150 شخصا فقط على قيد الحياة. لكن في الواقع، يعتقد المؤرخون أن الوباء حصد أرواح 60 في المئة من سكان المدينة. وانتشرت المقابر الجماعية، التي لا يزال بعضها باقيا حتى اليوم، إذ كانت كل حفرة تضم عظام ما يصل إلى 30 شخصا.
ولحسن الحظ أن المناطق المجاورة لم يطلها الوباء، فقد توقف سريان المرض في ألغيرو بعد ثمانية أشهر فقط، ويقال إن الفضل في ذلك يرجع إلى شخص واحد وفهمه المبكر للتباعد الاجتماعي.

ويقول أولي بينيديكتو، الأستاذ الفخري للتاريخ بجامعة أوسلو: "اللافت أن هذا الطبيب واسع الاطلاع كان يمارس مهنته في بلدة صغيرة. فقد تتوقع أن تفرض هذه القيود في مدن تجارية كبرى، مثل فلورنسا أو بيزا. لكن هذا الطبيب كان سابقا لعصره".

الدجاج الحي والبول
كان وباء الطاعون، أو "الموت الأسود"، الذي اجتاح أوروبا وآسيا في عام 1346، يعد من أسوأ موجات الطاعون في تاريخ البشرية، فقد أسفر عن مقتل نحو 50 مليون شخص حول العالم.
وقد ظن الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بتراركا أن الأجيال القادمة لن تستوعب حجم الخسائر التي سببها هذا الوباء. وكتب: "أيتها الأجيال القادمة السعيدة، التي لن تتذوق هذا الشقاء المريع وحين تقرأ شهادتنا ستظن أنها من نسج الخيال". ولا تزال رفات ضحايا الطاعون تكتشف أثناء عمليات حفر الأنفاق.
وبالرغم من أن مرض الطاعون لم يسبب هذه الخسائر الكارثية منذ ذلك الحين، فإنه ظل يطل برأسه في أوروبا في القرون اللاحقة. فقد أشارت تقارير إلى أنه كان يظهر في باريس كل ثلاث سنوات حتى عام 1670، وفي عام 1563 حصد أرواح 24 في المئة من سكان لندن.
لكن هذا كان قبل الاكتشافات العلمية الحديثة، حين كان يُعتقد أن الأمراض سببها الهواء الفاسد وكان الخل هو وسيلة التعقيم الأكثر تطورا. وتراوحت علاجات الطاعون من الاستحمام بالبول إلى التخلص من السموم في العقد اللمفاوية المتورمة بوضع الدجاج الحي عليها.
فهم الطاعون
يقول بينيدكتو إن ألغيرو لم تكن مستعدة لمواجهة الوباء، فقد كانت شبكات الصرف الصحي متهالكة ولا يوجد فيها سوى حفنة من الأطباء متواضعي الخبرة والتدريب، وكان مستوى الوعي الصحي متدنيا.
ثم جاء إلى المدينة الطبيب تيبريو أنغليريو، الذي يتجاوز الخمسين. ولحسن الحظ أن أنغليريو قد تلقى تدريبه في جزيرة صقلية، التي تفشى فيها وباء الطاعون في عام 1575، قبل أن يحضر إلى ألغيرو.
ولاحظ أنغليريو على أول مريض في ألغيرو تورم العقد اللمفاوية، ثم اكتشف كدمات في جثتين لسيدتين توفيتا حديثا، وهي أحد الأعراض المميزة للطاعون. وفطن أنغليرو على الفور إلى السبب. وفكر في البداية في استصدار إذن لإخضاع المرضى للحجر الصحي، لكن طلبه قوبل بالرفض من القضاة ثم من المجلس التشريعي الذي اعتبر مخاوفه التي أعرب عنها في التقرير مبالغا فيها.

ويقول بينيديكتو: "إن أنغيليريو كان لديه الشجاعة والإصرار الكافيين للجوء إلى نائب الملك". وبعد أن وافقوا، فرض طوقا صحيا حول أسوار المدينة لمنع التبادل التجاري مع أي شخص خارجها.
وبينما كانت التدابير تبدو غريبة في البداية، إلى درجة أن السكان طالبوا بإعدامه بلا محاكمة، فإن تزايد أعداد الوفيات، دفع الناس للتعاون معه، وأصبح له مطلق الحرية في اتخاذ ما يلزم من تدابير لاحتواء الوباء. وبعد سنوات نشر كتيبا يضم القواعد الـ 57 التي فرضها على المدينة، والتي كان من بينها القواعد التالية:
الحجر الصحي
أولا، نصح أنغليريو المواطنين بعدم مغادرة منازلهم أو الانتقال من منزل لآخر. وحظر جميع التجمعات والحفلات وسبل الترفية، وأجاز لشخص واحد فقط في الأسرة مغادرة المنزل للتسوق، وهذه القاعدة يعرفها الكثيرون الآن الذين يخضعون للقيود المرتبطة بالوباء.
ويقول جون هندرسون، أستاذ تاريخ النهضة الإيطالية بجامعة لندن: "فُرض في فلورنسا أيضا حجر صحي كامل في ربيع عام 1631". وكما هو الحال اليوم، كان خرق قواعد الحجر الصحي شائعا.
ويقول هندرسون: "عثرت على أوراق نحو 550 قضية، تعود إلى الفترة بين صيف 1630 وصيف 1631، حوكم فيها أشخاص بتهمة خرق قواعد الصحة العامة". وكانت المدينة حينها تفرض على الناس الخضوع للعزل الذاتي 40 يوما إذا نقل أحد أفراد أسرتهم إلى المستشفى للاشتباه في إصابته بالطاعون.
وقد ضاق الناس ذرعا بالإجراءات، لكنهم ابتكروا طرقا للتحايل على الملل بسبب البقاء في المنازل في وقت لم يكن هناك فيه هواتف أو إنترنت، أو حتى كتب.
ويقول هندرسون: "إن القضايا التي أحيلت للمحكمة آنذاك قد تكشف عن ردود فعل الناس حيال الحجر الصحي".
وبعض الناس أوقعهم حظهم العاثر في يد المراقبين. ففي إحدى المرات، هرعت امرأة من باب منزلها للإمساك بدجاجتها التي هربت من المنزل إلى الشارع. وفي طريق العودة، ألقى أحد المراقبين بوزارة الصحة القبض عليها لمخالفة قواعد الطاعون. لكن أحد القضاة تعاطف معها وأخلى سبيلها.
وفي قضية أخرى، أرسلت امرأة لابنها الذي يعيش في الطابق السفلي سلة ليضع فيها جوربه حتى تخيطه له، وبينما كانت ترفع السلة، ألقى المراقب من وزارة الصحة، الذي كان يتابعها منذ البداية، القبض عليها وزج بها في السجن.
لكن بعض الناس كانوا يتعمدون مخالفة القواعد. ويقول هندرسون: "بعض الناس كانوا يتسلقون أسطح المنازل المجاورة ويلتقون بأصدقائهم ويعزفون الموسيقى ويشربون الخمر معا، ويخالفون قواعد مخالطة أشخاص من أسر مختلفة".

التباعد المادي
والقاعدة الثانية التي فرضها أنغليريو هي أن يحمل كل شخص يسمح له بالنزول إلى الشارع عصا طولها ستة أقدام. ويقول بينيديكتو: "كان الهدف منها إلزام الناس بالابتعاد عن الآخرين لمسافة تعادل طول العصا".
وربما لم يسمع أي من الخبراء بهذه القواعد من قبل، ومع ذلك، في بداية جائحة كوفيد-19، طبقت الكثير من دول العالم سياسة مشابهة إلى حد يثير الاستغراب، تنصح الناس بالحفاظ على مسافة 6.6 أقدام بينهم وبين الآخرين.
وخفضت دول عديدة، مثل المملكة المتحدة وفرنسا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وألمانيا، مسافة التباعد الموصى بها إلى متر أو متر ونصف. لكن دراسة أخيرة خلصت إلى أن مخاطر انتقال عدوى كوفيد- 19 عند مسافة متر واحد قد تكون أعلى بمرتين أو 10 مرات عن مخاطر انتقالها عند مسافة مترين.
وأوصى أنغليريو بإضافة قضيب معدني إلى طاولات الدفع بمتاجر بيع الأطعمة لحث الناس على ترك مسافة كافية، وحذر الناس من المصافحة في التجمعات.
غسل المشتريات
وعرف عصر النهضة بأنه العصر الذهبي للفلسفة والأدب والفن، وشهد أيضا قفزات نوعية في فهمنا للعلوم. ففي عام 1500، طرح كبار المفكرون فكرة مفادها أن الأمراض مصدرها الهواء الفاسد، للإشارة إلى أن الناس قد يصابون بالأمراض بمجرد لمس الأشياء الملوثة بالهواء الفاسد.
ويقول بينيديكتو: "أدرك أنغليريو أن المرض انتشر بالتلامس والتواصل"، ولهذا أمر الناس بتعقيم منازلهم وغسلها بالمواد المطهرة وتهويتها. ونصح بحرق أي شيء غير ثمين في المنزل، وغسل الأثاث الباهظ وتعريضه للهواء أو تعقيمه في الأفران.
وشاع حينذاك تعقيم البضائع فور وصولها إلى الموانئ. وتقول أليكس بامجي، المؤرخة الاجتماعية والثقافية بجامعة ليدز: "كانت الأقمشة تعد واحدة من أكثر البضائع نقلا للعدوى، لكنهم كانوا يعقمون كل شيء، حتى الخطابات".

جوازات سفر صحية
ولمنع انتشار الطاعون من مدينة لأخرى، كان من الشائع آنذاك التحقق من الحالة الصحية لكل شخص يرغب في دخول المدينة. وعلى الرغم من أن هذا النظام فشل في منع البحار المصاب من دخول ألغيرو، فإنه كان منتشرا في أنحاء أوروبا.
وكانت السلطات تصدر أحيانا مستندات ورقية تتيح لحاملها المرور عبر البوابات رغم القيود، إما لأن الفحوص الطبية أثبتت خلوه من الطاعون أو لأنه على صلة بأصحاب النفوذ.
ويقول فيليب سالفين، الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة ستيرلنغ: "إذا كنت مسافرا من مدينة لأخرى، وظهر الطاعون في مدينتك أو في المدينة التي تسافر إليها، فينبغي أن تحصل على جواز سفر صحي".
وتجرى تجارب الآن في مطارات عالمية، مثل لندن ونيويورك وهونغ كونغ وسنغافورة، لتطبيق فكرة جواز السفر الشامل، وهو مستند رقمي يتضمن نتائج الفحوصات التي أجريت لحامله وسجل التطعيمات التي حصل عليها.
وبالرغم من أن وباء الطاعون تفشى في ألغيرو قبل قرون من اكتشاف مفهوم المناعة، فإن أنغيلريو كلف الأشخاص الذين نجوا من الطاعون بمهام معينة، مثل حفر القبور، لأنها تنطوي على الكثير من المخاطر مثل التعامل مع المحتضرين وجثث الضحايا.
الحجر الصحي
كانت إيطاليا رائدة في مجال عزل الأشخاص الذين يشتبه في إصابتهم بالطاعون. وأقيم أول مستشفى للطاعون "لازاريتو" في البندقية عام 1423، وسرعان ما خصصت أجنحة للمصابين بالعدوى منفصلة عن أجنحة المرضى في طور التعافي أو الذين خالطوا أشخاصا مصابين بالعدوى.
وأقيمت مستشفيات على غرارها في مختلف أنحاء أيطاليا، مثل سردينيا، وكان دخول مستشفيات الحجر الصحي إجباريا.
وتقول بامجي: "لم تكن مستشفيات الحجر الصحي تحظى بسمعة حسنة، فكثيرا ما كانت توصف آنذاك بأنها كالجحيم"، لكنها تحذر من أن هذا الوصف ربما كان يعكس الوصم الذي يحيط بالنزلاء.
وأُنفقت على هذه المستشفيات أموال طائلة. وتقول بامجي إن ثمة دليل على أن الطعام في المستشفى كان جيدا، مشيرة إلى أن نحو نصف النزلاء كانوا يموتون ونصفهم يعودون لمنازلهم.
وكانت المستشفيات منظمة، وكان حراس الطاعون يراقبون كل شيء يدخل إليها ويخرج منها، مثل الأسرّة والأثاث والطعام. وكان المستشفى يعفي الفقراء من دفع ثمن الإقامة والعلاج. وأحيانا كان المرضى يحملون إلى المستشفى من منازلهم، وكان الأطفال الرضع الأيتام يحصلون على اللبن من الماعز الذي كان يتجول بحرية داخل أسوار المستشفى.

القطط النافقة
بالرغم من أن هناك الكثير من أوجه التشابه بين التدابير التي اتخذت في القرن السادس العشر والتدابير التي نعرفها الآن، هناك أيضا الكثير من مواطن الخلاف.
إذ لم تخل خطط أنغليريو لاحتواء الوباء من الدوافع الدينية والخرافات، فقد أخبر الناس أن الطاعون هو عقاب إلهي، وحثهم على الالتزام بأفضل السلوكيات والقيم الأخلاقية لدرء مخاطره، وكانت بعض تعليماته محيرة.
فقد تضمنت التدابير التي وضعها أنغليريو قتل القطط والديوك الرومية وإلقاء جيفتها في البحر. ويبدو أن ذبح القطط كان رد فعل شائعا للأوبئة، فقد ذكر الروائي دانييل ديفو، أنه في عام 1665 عندما تفشى الطاعون في لندن، أمر عمدتها بذبح 40 ألف كلب و200 ألف قطة.
لكن من الواضح أن قتل جميع القطط والكلاب في المدينة أدى إلى أثر عكسي، فمن المعروف أن الفئران كانت حاملة للطاعون.
وعلى النقيض، شهدت مؤسسات خيرية عديدة للحيوانات الأليفة عام 2020، زيادة غير مسبوقة في معدلات تبني الحيوانات. لكن بينيديكتو يرى أنه ينبغي توخي الحذر عند المقارنة بين الطاعون ووباء كوفيد-19، ويقول: "إن خسائر الطاعون كانت أفدح بمراحل، وكانت معدلات الوفيات لا تصدق. فقد كان الطاعون يحصد في المعتاد 60 أو 70 في المئة من أرواح سكان البلدة أو الإقليم الذي يتفشى فيه".
وفي مدينة أنغيرو اختفى وباء الطاعون بعد ثمانية أشهر، ولم يظهر في المدينة مرة أخرى لمدة 60 عاما. وعندما تفشى مرة أخرى في عام 1652 اتبع الأطباء تعليمات أنغليريو بالحرف الواحد، بدءا من فرض الحجر الصحي والعزل وحتى تعقيم البضائع والمنازل وفرض الطوق الصحي حول المدينة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك