صدر حديثًا للطبيب البريطانى المختص بدراسة الجينوم البشرى، أدريان وولفسون، كتاب بعنوان «مستقبل الأنواع: صناعة الحياة عبر الذكاءالبيولوجى الاصطناعى» يعد دراسة فى التحولات الجذرية التى يشهدها علم الأحياء فى العصر الحديث، ركز فيه على فكرة اقتراب البشرية من مرحلة جديدة يصبح فيها ابتكار أشكال حياة اصطناعية أمرًا ممكنًا علميًا، لا مجرد تصوّر ينتمى لفئة الخيال العلمى.
واستهل المؤلف عرضه بالإشارة إلى حضور الكائنات الهجينة فى بعض القصص الدينى عبر التاريخ وأيضًا فى الأساطير الشعبية عبر العالم،
مستشهدًا على سبيل المثال برؤيا النبى حزقيال التى تصوّر فيها أربعة كائنات تخرج من سحابة مشتعلة، لكل واحدة منها أربعة وجوه (إنسان، أسد، ثور، نسر) وأربعة أجنحة، وبكائن (القنطور) فى الأساطير اليونانية الذى يجمع بين الإنسان والحصان، بوصفها أمثلة على نزوع الإنسان الدائم إلى تخيّل كائنات تجمع بين صفات بشرية وحيوانية.
وأفاد المؤلف - عبر صفحات الكتاب الصادر عن دار نشر «بلومزبرى» - بأن هذا الميل التخييلى مرشح لأن يتحول إلى واقع بيولوجى، فى ظل ما أسماه «ثورة بيولوجية» وشيكة، ستؤدى إلى ظهور أنواع اصطناعية صُمّمت على يد الإنسان، لتتعايش - جنبًا إلى جنب - مع الكائنات الحية.
وبيّن «وولفسون» أن هذه الأنواع الجديدة يمكن توظيفها فى مجالات متعددة، مثل إنتاج الوقود الحيوى، وتطوير الأدوية، وصناعة المجسّات الحيوية، وتحسين المحاصيل الزراعية، بل وحتى إنشاء مواد حيوية بديلة للبناء، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
وأشار الكاتب إلى ما وصفه بـ«تكوين ثانٍ» للحياة على الأرض، مؤكدًا أن هذا التحول قد يحمل فوائد كبيرة، لكنه فى الوقت ذاته ينطوى على نتائج مقلقة على المستوى البيئى والأخلاقى والوجودى. وفى هذا السياق، تناول المؤلف الأسباب العلمية التى أدت إلى اقتراب هذه المرحلة، محددًا عاملين رئيسيين؛ ألا وهما: التطور السريع فى تقنيات تصنيع الحمض النووى، التى باتت تتيح بناء جينومات كاملة فى فترات زمنية قصيرة، والتقدم فى مجال الذكاء الاصطناعى، لا سيما فى حل المشكلات المتعلقة ببنية البروتينات.
وشرح «وولفسون» أن البروتينات تمثل الأساس البنيوى والوظيفى للكائنات الحية، وأن القدرة على التنبؤ بأشكالها ثلاثية الأبعاد، والتى تحققت بعد تطوير أنظمة ذكاء اصطناعى متقدمة مثل AlphaFold2، فتحت المجال أمام تصميم بروتينات جديدة تؤدى وظائف محددة. وأفاد بأن هذا التطور لا يقتصر على التطبيقات الطبية، بل يمتد ليشمل إمكانية ابتكار أشكال حياة جديدة بالكامل.
ويبيّن المؤلف أن علم الأحياء، وفق هذا المنظور، لم يعد علمًا وصفيًا يكتفى بدراسة الكائنات الموجودة، بل يتجه لأن يصبح علمًا توليديًا قادرًا على خلق أنواع جديدة من صنع البشر، كما تناول الإشكاليات التى قد تنشأ عن التعايش بين الكائنات الطبيعية والاصطناعية، مشيرًا إلى أن الحدود الفاصلة بينهما مرشحة للتلاشى تدريجيًا، رغم اختلاف وضعهما من حيث النشأة والشرعية البيولوجية.
وتطرّق الكتاب - الذى تربع على قوائم أمازون للمبيعات فور صدوره - إلى فكرة تحسين الكائنات الحية القائمة، وضرب المؤلف مثالًا بالعمود الفقرى البشرى موضحًا أن التقنيات الجديدة قد تتيح تساعد البشر فى منحهم خصائص جديدة تغير من طريقة العمل البيولوجى المعروف للجسم البشرى.
وفى المقابل، أفرد «وولفسون» جزءًا من الكتاب لمناقشة المخاطر المحتملة لهذه الثورة، من بينها إمكانية تصنيع مسببات أمراض بشرية واستخدامها فى الإرهاب البيولوجى، وصعوبة الرقابة على ما يُنتج فى ظل انتشار أدوات التصنيع الجينى والذكاء الاصطناعى.
كما أشار إلى أخطار بيئية محتملة، مثل التأثير غير المقصود على دورات الكربون فى المحيطات نتيجة التلاعب بالعاثيات - وهى فيروسات تصيب البكتيريا فقط وتتحكم فى أعداد البكتيريا فى البيئة مثل المحيطات أو التربة - إضافة إلى الإشكالات الأخلاقية المرتبطة بالتدخل فى جينومات الثدييات لأغراض البحث والتجريب.
واختتم المؤلف طرحه بالتأكيد على ضرورة المضى قدمًا فى هذا المسار العلمى، مع إقراره بالحاجة إلى ضوابط أخلاقية، موضحًا موقفه الداعم لحظر الأطفال المصممين والبشر بلا والدين، وفى الوقت ذاته رافضًا فكرة إيقاف أبحاث الجينوم المعتمدة على الذكاء الاصطناعى، نظرًا لما يراه من فوائد واسعة محتملة للبشرية والكوكب والكائنات الحية.