في ذكرى حصول نجيب محفوظ على نوبل.. ننشر مقتطفات من كلمته بمناسبة التتويج - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 12:08 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


في ذكرى حصول نجيب محفوظ على نوبل.. ننشر مقتطفات من كلمته بمناسبة التتويج

أسماء سعد
نشر في: الأربعاء 13 أكتوبر 2021 - 5:47 م | آخر تحديث: الأربعاء 13 أكتوبر 2021 - 5:47 م

يصادف اليوم 13 من أكتوبر، أحد أهم المناسبات في تاريخ المشهد الثقافي المصري والعربي، ففي التاريخ ذاته من 33 عاما أصبح نجيب محفوظ أول روائي مصري وعربي يحصد جائزة نوبل في الأدب، وتنشر الشروق مقتطفات من كلمة الأديب العالمي خلال الحدث الهام.
"سيداتى سادتى..
في البدء أشكر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل التابعة لها على التفاتها الكريم الاجتهادي المثابر الطويل، وأرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثي إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم، ولكنها هى الفائز الحقيقي بالجائزة، فمن الواجب أن تسبح أنغامها في واحتكم الحضارية لأول مرة. وإني كبير الأمل ألا تكون المرة الأخيرة، وأن يسعد الأدباء من قومى بالجلوس بكل جدارة بين أدبائكم العالميين الذين نشروا أريج البهجة والحكمة فى دنيانا المليئة بالشجن.
سادتي..
أخبرني مندوب جريدة أجنبية فى القاهرة بأن لحظة إعلان اسمى مقرونا بالجائزة ساد الصمت، وتساءل كثيرون عمن أكون- فاسمحوا لي أن أقدم لكم نفسي بالموضوعية التى تتيحها الطبيعة البشرية. أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصرمن عصور التاريخ زواجا موفقا، أولهما عمره سبعة آلاف سنة وهو الحضارة الفرعونية، وثانيهما عمره ألف وأربعمائة سنة وهو الحضارة الإسلامية. ولعلي لست في حاجة إلى تعريف بأي من الحضارتين لأحد منكم، وأنتم من أهل الصفوة والعلم، ولكن لا بأس من التذكير ونحن فى مقام النجوى والتعارف.
وعن الحضارة الفرعونية لن أتحدث عن الغزوات وبناء الإمبراطوريات فقد أصبح ذلك من المفاخر البالية التى لا ترتاح لذكرها الضمائر الحديثة والحمد لله. ولن أتحدث عن اهتدائها لأول مرة إلى الله سبحانه وتعالى وكشفها عن فجر الضمير البشرى. فلذلك مجال طويل فضلا عن أنه لا يوجد بينكم من لم يلم بسيرة الملك النبى إخناتون. بل لن أتحدث عن إنجازاتها فى الفن والأدب ومعجزاتها الشهيرة الأهرام وأبوالهول والكرنك. فمن لم يسعده الحظ بمشاهدة تلك الآثار فقد قرأ عنها وتأمل صورها.
وعن الحضارة الإسلامية فلن أحدثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية فى رحاب الخالق تنهض على الحرية والمساواة والتسامح، ولا عن عظمة رسولها- فمن مفكريكم من كرمه كأعظم رجل فى تاريخ البشرية- ولا عن فتوحاتها التى غرست آلاف المآذن الداعية للعبادة والتقوى والخير على امتداد أرض مترامية ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا. ولا عن المآخاة التى تحققت فى حضنها بين الأديان والعناصر فى تسامح لم تعرفه الإنسانية من قبل ولا من بعد. ولكني سأقدمها فى موقف درامى- مؤثر- يلخص سمة من أبرز سماتها. ففى إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردت الأسرى فى مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقى العتيد. وهى شهادة قيمة للروح الإنسانية فى طموحها إلى العلم والمعرفة. رغم أن الطالب يعتنق دينا سماويا والمطلوب ثمرة حضارة وثنية.
سادتي..
لعلكم تتساءلون: هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجد من فراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص؟ وهو تساؤل في محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام في آسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون فى أفريقيا من المجاعة. وهناك فى جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أى من حقوق الإنسان فى عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفى الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائى وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة- رجالا ونساء وشبابا وأطفالا- تكسيرا للعظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل وتعذيبا فى السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليونا من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين في السلام الشامل العادل.
أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصا؟ ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فإنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره.
وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن نتلاشى أنات البشر فى الفراغ. لا شك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب. وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعى فعلى المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقى. فمن حقنا وواجبنا أن نطالب القادة الكبار فى دول الحضارة كما نطالب رجال اقتصادها بوثبة حقيقية تضعهم فى بؤرة العصر.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك