مودي حكيم يكتب: فنان أحب الحياة - بوابة الشروق
الإثنين 15 يونيو 2026 1:39 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

مودي حكيم يكتب: فنان أحب الحياة


نشر في: الأحد 14 يونيو 2026 - 10:17 م | آخر تحديث: الأحد 14 يونيو 2026 - 10:17 م

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، سنحت الفرصة لزيارة ولقاء أشهر وأغنى فنان تشكيلي في العالم، قبل أن تنقل لي الأنباء أمس الأول خبر وفاته. الفنان الرائد ديفيد هوكني، الرسام ذو الشعر الأشقر المصبوغ، المنحدر من يوركشاير بلوحاته التي تُجسد جمال كاليفورنيا تحت أشعة الشمس، ولم يتوقف يوما عن كسر الحواجز، ليصبح أحد أهم الشخصيات في الفن المعاصر، مجسدا روح العالم الحديث، على مدار مسيرة فنية امتدت لسبعة عقود، استكشف وأعاد ابتكار فن البورتريه الكلاسيكي، ورسم المناظر الطبيعية، وفن البوب، مستخدماً الرسم، والكولاج، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم الرقمي. صاحب البورتريهات الشهيرة، ولوحات البرك المتلألئة ورسوماته الملونة على الآيباد أيقونات للفن المعاصر. يمزج هوكني بين براعة فائقة في الرسم ودقة الملاحظة، وفهم عميق لتاريخ الفن، فضلاً عن إلمامه بالتكنولوجيا الحديثة. يعكس إنتاج ديفيد هوكني الفني الخالد شغفه العميق بالحياة وفضوله الاستقصائي الذي يتجسد في عبارته الشهيرة "أحب الحياة".

التقيت بالفنان الذي تقدر ثروته بنحو 200 مليون دولار أمريكي بمناسبة معرضه الاستعادي الكبير في باريس العام الماضي، وقد خصصت مؤسسة ودار لويس فويتون لفنون الأزياء في باريس جميع صالاتها الإحدى عشرة لأيقونة الفن: ديفيد هوكني، اقتربت وانبهرت بالفنان البريطاني الأنيق ومظهره الفريد الذي يجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الغريبة وذوقه الجريء حيث يفضل البدلات الفضفاضة ذات الألوان الزاهية ونظارته الطبية ذات الإطارات الكبيرة والسميكة التي تمنحه طابعاً فنيا، ورغم سنه الذي قارب وقتها من الثامنة والثمانين، كان ودوداً، عكست حيويته لغة جسده وطريقة وقفته مزيجا من الهدوء والثقة بالنفس وتأمل الفنان المتألق، الذي أحدث فضوله الجامح ثورة في عالم الرسم.

قدّم الفنان البريطاني، المولود عام 1937، أكبر معرض استعادي لأعماله، بعد المعرض الذي استضافه مركز بومبيدو عام 2017. قدّم المعرض الذي حمل عنوان "ديفيد هوكني 25" النطاق الكامل لأبحاثه التصويرية - التي تتسم بالروح المرحة والعمق المعرفي - من خلال 400 عمل فني أُنجز بين عامي 1955 و2025. أتاح المعرض فرصةً لاستكشاف جوانب أقل شهرة من مسيرته الفنية. قاده ابتكاره لمفهوم المنظور إلى الصين؛ فهو يرى أن المنظور الخطي لعصر النهضة جامد للغاية، ولذا سعى طوال مسيرته الفنية إلى التحرر منه، ليتمكن من نقل إحساسات المشاهد المتحرك بشكل أفضل. في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، طوّر هوكني مبدأ "المنظور العكسي" بعد اكتشافه المنظور الصيني غير المتناظر. ثم قام برحلة عبر الصين متتبعاً مسار مخطوطة صينية غامضة من القرن الثامن عشر، والتي أنتج عنها فيلمه الوثائقي "يوم على القناة الكبرى مع إمبراطور الصين".

ولأن الماء يشكّل الموضوع الرئيسي في سلسلة لوحات هوكني عن المسابح، جذبني هذا الجزء المخصص للوحات الفنان عن المسابح في إحدى القاعات الحادية عشر؛ يذهلك كيف رسم الماء، والأشكال داخله، وتعدد الطبقات والضوء والعمق. ففي هذه اللوحات التي تُجسّد لحظاتٍ عابرة من الحياة، تُخلّد في الزمن. وباستخدام دلالات ثقافية متشابكة، يستغل هوكني رمزية الماء المتمثلة في سيولته وتوتره في آنٍ واحد. تتميز مسابح هوكني الأمريكية بأجواءٍ مشحونة جنسياً، ويعود ذلك إلى تداخل السطح والعمق في اللوحة. هذا التناقض الداخلي هو الاستعارة الأمثل للتعبير الجنسي للرجل المثلي في ستينيات القرن العشرين. فالفعل الجريء المتمثل في كسر سطح الماء برشّة ماء يُعدّ تعبيراً عن رغبة جنسية حرة. وتحت غطاء الماء الرقيق، يظهر السباح وكأنه مُغطّى جزئياً، بينما يكشف جسده في لحظاتٍ من الشفافية. وبهذه الطريقة، يستطيع الرجل المثلي اختبار حدود تعبيره الجنسي مع البقاء ضمن حدود المجتمع.

من المؤكد أن مسابح هوكني تُشير إلى البيئة الليبرالية التي وجد نفسه فيها في كاليفورنيا خلال الستينيات. يمكن القول إن لوحات مثل "صورة فنان (بركة مع شخصيتين)" تشهد على استكشاف ذاتي للصداقة. تُعدّ برك ديفيد هوكني مساحات تعبيرية واستكشافية وجريئة، استكشفها الفنان طوال مسيرته الفنية التي امتدت لما يقارب ستين عاماً. ويبدو أن نظرة عابرة من أعلى إلى تلك البرك المتلألئة عام 1964 قد أثرت في جيل كامل من الثقافة الشعبية في المجال الفني.

كانت لوحاته لحمامات السباحة في لوس أنجلوس أشبه بمنظر طبيعي غريب مقارنةً بلندن الباردة والكئيبة. كانت تلك الفترة المفضلة لدي من أعماله، أحببت أيضاً أسلوبه الجريء والملون في التسعينيات. وكنتُ أعشق رسوماته منذ دراستي للماجستير بالرويال أكاديمي بلندن. الخطوط، والبراعة في الرسم، والمساحة... كانت تُظهر بوضوح مدى براعته. لقد أبدع مجموعة أعمال رائعة. لا أستطيع القول إنني أحببتها كلها، لكنني معجبٌ بإصراره على الرسم دون انقطاع. كان الفن يتنفس في داخله.

ديفيد هوكني

هو رسّام إنجليزي، ومصمم جرافيك، وفنّان طباعة، ومصمم ديكور مسرحي، ومصور فوتوغرافي. يُعدّ هوكني أحد أكثر الفنّانين البريطانيين تأثيراً في القرنين العشرين والحادي والعشرين. بنى هوكني مسيرة فنية استثنائية امتدت لأكثر من ستة عقود، مُجدِّدا نفسه باستمرار مع الحفاظ على بصمته المميزة. أنتجت ألوانه الزاهية، ونهجه التجريبي، وفضوله الدائم، لوحات أيقونية لحمامات السباحة، ومجموعات صور معقدة، ورسومات مبتكرة على جهاز الآيباد، وأعمالاً فنية غامرة للمناظر الطبيعية.

اشتهر هوكني بمساهماته في حركة فن البوب في ستينيات القرن الماضي، ورفض أن يتقيّد بأسلوب أو وسيط فني واحد. تحدّى استكشافه للضوء والفضاء والمنظور الحدود الفنية التقليدية مع الحفاظ على سهولة الوصول إلى أعماله وجاذبيتها البصرية. ويُضاهي نجاحه التجاري نجاحه الفني، إذ بيعت لوحته "بركة مع شخصيتين" بمبلغ 90.3 مليون دولار عام 2018، مسجلةً رقماً قياسياً آنذاك لعمل فني لفنّان كان على قيد الحياة.

كان الفنّان قد زار نورماندي في خريف عام 2018، ورأى أنها مكان مثالي لرسم وتصوير قدوم الربيع، وهو ما فعله قبل نحو عقد من الزمن في شرق يوركشاير. شكلت تلك الصور واللوحات والأفلام أساساً لمعرض ناجح أقيم عام 2012 في الأكاديمية الملكية بلندن.

انجذب إلى نورماندي لما توفره من تنوع أكبر في الأزهار، من أشجار التفاح والكرز والإجاص والخوخ، بالإضافة إلى الزعرور والبرقوق البري اللذين رسمهما سابقاً. يقضي معظم أيامه في الحديقة، يرسم على جهازه اللوحي مشهد استيقاظ الربيع.

عن انتقاله للعيش في فرنسا، حكى لي: "وجدت هذا المنزل بحديقة واسعة وبسعر أقل من أي منزل في إنجلترا". اشترى المنزل، وجدده، وبنى استوديو صغيراً ليعيش فيه. يقول: "بدأت برسم أشجار الشتاء على جهاز آيباد جديد. ثم بدأت جائحة فيروس كورونا"... واصل رسم أشجار الشتاء التي تفتحت أزهارها في النهاية. أرسل بعضاً من أعماله قيد الإنجاز إلى أصدقائه، ما دفعه إلى نشر صورة واحدة لأزهار النرجس البري، بعنوان: "تذكروا، لا يمكنهم إلغاء الربيع".

جدّد هوكني نفسه باستمرار، كما يتضح من لوحاته "بورتريهات الزهور" التي صممها على جهاز آيباد، بدءاً من عام 2011.

يعود الحدث المحفز إلى معرض في متحف فيكتوريا وألبرت بلندن، الذي نظم عام 1972 معرضاً للصور الفوتوغرافية بعنوان "من اليوم مات الرسم". ومنذ ذلك الحين، عمل هوكني على إثبات عكس ذلك: فالاستخدام المبتكر للتقنيات الجديدة يُثبت، على العكس، حيوية الرسم. إنه يُحب صور بولارويد بقدر حبه لبيكاسو.

لطالما رافق شغف هوكني بالأوبرا مسيرته الفنية. فمنذ بداياته، ابتكر هذا الفنان الموسوعي ديكورات وأزياء أطلق عليها اسم "لوحات على خشبة المسرح"، لا سيما لأوبرا "أوبو روي" لألفريد جاري (1966)، و"مسيرة الفاسق" لإيغور سترافينسكي (1975)، و"الناي السحري" لموزارت (1978). كما مثّلت هذه الإبداعات وسيلةً لتجديد مفرداته الفنية في لحظات الأزمات. وفي مؤسسة لويس فويتون، رغب الفنان في تخصيص القاعة رقم 10 للأوبرا.


صور متعلقة


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك