التفّ ملايين المصريين حول الشاشات في المنازل والمقاهي، ليلة أمس الأربعاء؛ لمتابعة مباراة منتخب مصر والسنغال في نصف النهائي من بطولة كأس الأمم الإفريقية 2025، لكن التوفيق لما يكن حليفًا للمنتخب الوطني؛ لتضيع فرصة بلوغ النهائي ويتبدد حلم التتويج باللقب الإفريقي الثامن.
وعلى امتداد ما يقرب من شهر، حظيت المنافسات باهتمام واسع من الجماهير، سواء من عشّاق كرة القدم أو من غير المتابعين الدائمين لها، مع مباريات المنتخب الوطني.
ويرى محمد توفيق، في كتابه «مصر بتلعب: كيف تحوّل الشعب المصري إلى جمهور؟» الصادر عن دار ريشة، أن كرة القدم في مصر لم تظل مجرد لعبة، بل تحوّلت إلى ظاهرة جماهيرية كبرى جعلت من الشعب المصري جمهورًا بمعنى الكلمة، يتشارك التوقعات والمشاعر والانفعالات مع كل مباراة، وكأنها معركة وطنية.
وأكد «توفيق»، أن اللغة المستخدمة في توصيف المباريات، مثل «معارك» و«انتصار تاريخي» و«هزيمة مدوية» و«الهدف القاتل»، تبرز كيف يرى الجمهور المباراة كقضية تتجاوز الرياضة لتلامس الهوية الوطنية والاعتزاز والوجدان الجماعي؟
* الاحتلال البريطاني.. الكرة تحاول أن تحقق
وقال «توفيق»، في كتابه، إن العلاقة بين الكرة والسياسة بدأت منذ اليوم الأول لدخول كرة القدم إلى مصر على يد الاحتلال البريطاني، فلم يجد الإنجليز أي مشكلة في ممارسة المصريين لكرة القدم، بل كانوا في غاية السعادة حين وجدوا المصريين يلعبون تلك اللعبة التي اخترعوها.
وانتشرت كرة القدم في شوارع مصر، وظهر ما يمكن أن يُطلق عليه اسم منتخب، وكان أساسه من لاعبي أحياء القاهرة.
ولم يكن غريبًا أن يلعب هذا الفريق - الذي يمثل مصر في الأساس - أمام فريق الجيش البريطاني، بل ينتصر عليه في كل مرة يلعب فيها.
وعدّها المصريون آنذاك فرصة للتفوق على قوات الاحتلال بكرة القدم، بعد أن أصبح من الصعب التفوق عليهم في مجالات أخرى، بل إن قوات الاحتلال كانت تشجع المصريين على اللعب، فأصدرت قرارًا عام 1892، يقضي بجعل التربية البدنية مادة أساسية في المدارس.
* عبد الناصر ومنتخب البرازيل.. إنت رايح تجيب فريق يغلبنا؟!
وينتقل الكتاب إلى مرحلة الجمهورية وفترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي كانت قناعته التي لم يتخلَّ عنها يومًا تتلخص في: «مصر ما تخسرش في أي حاجة، حتى لو كانت مباراة كرة قدم».
ويسرد توفيق، في الكتاب واقعة معبّرة عن تلك القناعة؛ ففي عام 1962 طرح التوأم مصطفى أمين وعلي أمين، فكرة دعوة منتخب البرازيل، بطل كأس العالم آنذاك، لخوض ثلاث مباريات أمام المنتخب المصري: «مباراتين في القاهرة وثالثة في الإسكندرية»، غير أن الفكرة لم تمر بهدوء؛ فحين علم عبد الناصر بالأمر، بادر بالاتصال بمصطفى أمين معاتبًا: «إنت رايح تجيب فريق يغلبنا؟!».
وأكد أن وجهة نظر عبد الناصر كانت واضحة: «الهزيمة مرفوضة بأي شكل، حتى وإن جاءت في إطار مباراة كرة قدم، وقد زاد إحساسه بالمرارة بعد خسارة المنتخب القومي المباريات الثلاث أمام البرازيل».
* هيكل.. الأهلي والزمالك يستبدلان أحزاب ما قبل يوليو
وفي السياق ذاته، ينقل الكتاب عن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل قوله: «العلاقة بين كرة القدم والسياسة شديدة الاقتراب، وكلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر، وتقف كرة القدم على وجه الخصوص - دون غيرها من الرياضات - في موضع متميز، وبقيت هي الأكثر ارتباطًا بالسياسة في كثير من الأحيان وفي كل الأزمنة، والطبيعي أن لا يجد الناس مع ثورة يوليو سوى الانحياز لكرة القدم والتعصب للأهلي أو الزمالك، والوقوع في هوى الدوري العام، فلم يكن هناك شيء آخر بالمعنى المفهوم؛ فالأحزاب لم يعد لها وجود، وبقيت الكرة تجتذب الناس إلى صراعاتها ومعاركها، وهكذا كانت السياسة أشد تأثيرًا في كرة القدم أكثر من أي شيء آخر».
* تسليح الجيش المصري: قمة الزمالك والأهلي تتجاوز كرة القدم
ما قاله الأستاذ هيكل، عن جمال عبد الناصر يجب تأمله؛ فالرئيس كان لا يرى في كرة القدم إلا أنها يمكن أن تخدم أهدافه الوطنية، وقد كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها عبد الناصر عن كرة القدم حين طالب بأن تسهم في صفقة تسليح الجيش المصري، وأن يُخصَّص جزء من مباريات الدوري العام لصالح تسليح مصر، ويومها أكد أن هذا هو أهم الأدوار التي يمكن أن تؤديها كرة القدم، وعلى الفور أعلن اتحاد كرة القدم موافقته على هذا الطلب.
واستجابت الأندية وتسابقَت لتنفيذ أوامر الرئيس، وفي مقدمتها الأهلي والزمالك، واتفق الناديان على تخصيص جزء من إيراد مبارياتهما معًا، التي أُقيمت في أكتوبر عام 1955 على ملعب النادي الأهلي، لصالح تسليح الجيش المصري، وكانت تلك أول مباراة لكرة القدم يحضرها الرئيس جمال عبد الناصر، كما كانت هذه هي المرة الأولى التي يلعب فيها الأهلي والزمالك معًا لصالح تسليح جيش مصر.
وفوجئ قادة الثورة في مقصورة استاد الأهلي بأحد المتفرجين يقترب من الرئيس عبد الناصر، بعدما تقدم الأهلي بهدفين لهدف، وأصرّ على أن يعطيه قطعة حلوى، فقبلها الرئيس.
* السادات.. المعركة تسحب الاهتمام من كرة القدم
مع رحيل جمال عبد الناصر، دخلت مصر مرحلة فاصلة من تاريخها، مثقلة بآثار النكسة، ومنشغلة بإعادة ترميم الدولة والاستعداد لمعركة التحرير.
في تلك اللحظة، لم تعد كرة القدم قادرة على منافسة ثقل الأسئلة الكبرى، إذ تصدّرت المعركة - وما تلاها من مسار تفاوضي انتهى بتوقيع اتفاقية السلام عام 1979 - المشهد العام.
وفي ظل تلك الظروف، لم تتح فرصة لدى الرئيس الراحل، أن ينظر إلى كرة القدم أو يمنحها مساحة من وقته، فقد كانت على هامش اهتماماته، وبالتالي خارج اهتمامات الدولة ورجالها على المستوى الرسمي.
* تليفونات السيد الرئيس.. مبارك يضع الكرة بين الأولويات
يخصّص الكتاب فصلًا لافتًا لعلاقة الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك بكرة القدم، جاء تحت عنوان «تليفونات السيد الرئيس»، كاشفًا عن إدراك مبكر لدى مبارك لطبيعة التأثير الجماهيري في مصر؛ فقد تنبّه منذ سنوات حكمه الأولى إلى أن حضور أغلب المثقفين في الوعي العام لا يوازي، من حيث التأثير والشعبية، حضور لاعب واحد في المنتخب القومي لمصر.
وانطلاقًا من هذا الفهم، أعاد مبارك ترتيب دوائر الاهتمام، فبينما كان يكتفي بلقاء سنوي مع المثقفين وكبار الكتّاب على هامش معرض الكتاب - في مشهد وصفه الدكتور جلال أمين بأنهم يجلسون أمامه «كتلاميذ في الثانوية» - كان يمنح لاعبي الكرة ومدربيهم مساحة أوسع من القرب والاهتمام.
وذكر الكتاب حرص مبارك على استقبال لاعبي المنتخب أكثر من مرة في قصر الرئاسة، أو مقابلتهم على سلم الطائرة عقب عودتهم ببطولة جديدة، في مشهد يصفه اللاعبون أنفسهم بعلاقة الأب بأبنائه.
ولم يتوقف الأمر عند اللقاءات البروتوكولية، بل امتد إلى مكالمات هاتفية متواصلة خلال البطولات الإفريقية، وقبيل المباريات الحاسمة في تصفيات كأس العالم، إلى حد جعل «تليفونات السيد الرئيس» تتصدر عناوين وسائل الإعلام على اختلاف توجهاتها.