صعود ترامب.. قراءة في التاريخ المظلم للسياسة الأمريكية وعلاقته بالهوية الأمريكية المعاصرة - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 يناير 2026 5:14 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

صعود ترامب.. قراءة في التاريخ المظلم للسياسة الأمريكية وعلاقته بالهوية الأمريكية المعاصرة

منى غنيم
نشر في: السبت 17 يناير 2026 - 7:12 م | آخر تحديث: السبت 17 يناير 2026 - 7:12 م

• التناقض الأمريكي بين المثل العليا والسعي لفرض القوة الغاشمة عبر صفحات كتاب جديد لصحفي بريطاني

• مؤلف الكتاب: ترامب ليس سوى امتداد طبيعي لسياسات أمريكا في الإقصاء والاعتقالات والترحيلات والهجمات على الإعلام والمعاملة القاسية تجاه الشعوب الأصلية

في كتابه «صُنع في أمريكا: التاريخ المظلم الذي قاد إلى دونالد ترامب»، بدأ الصحفي البريطاني إدوارد ستورتون بتسليط الضوء على حالة الانجذاب تلك التي يشعر بها العالم عادة تجاه الولايات المتحدة، موضحًا أن الجميع تقريبًا يشعر بحب جزئي للبلاد لما تمثله من روعة وأحلام عالية، ومن ثقافة موسيقية وشخصيات أيقونية مثل الناشطة المناهضة للعبودية هاريت توبمان وأول وزير للمالية الذي يعد أحد مؤسسي الولايات المتحدة ألكسندر هاميلتون، وللتاريخ الذي يرفع شعار الحرية والمساواة منذ إعلان الاستقلال.

بيد أن "ستورتون" تساءل في الوقت نفسه عن تناقضات أمريكا المستمرة؛ فكيف يمكن لدولة بهذه الصورة المثالية أن تنتج سياسات مسرحية أحيانًا، وعنصرية داخليًا وخارجيًا، وطموحات إمبريالية، وصولًا إلى كوارث سياسية مثل انتخاب دونالد ترامب؟

واعتمد "ستورتون"، الذي عمل مراسلاً لبريطانيا من واشنطن منذ عهد الرئيس السابق رونالد ريجان، على أسلوب تحليلي تاريخي مختلف عن أسلوب الصحفي البريطاني أليستر كوك، الذي اشتهر بتحليلاته للسياسة الأمريكية والتركيز على تفاصيل الحياة اليومية؛ فرأى "ستورتون" أن "ترامب" ليس حالة شاذة في التاريخ الأمريكي، بل امتدادًا لتاريخ مظلم تم تجاهله، وأحد أصداء الجوانب غير الليبرالية في أمريكا.

وقسم الكتاب تحليله إلى ستة محاور رئيسية تتعلق بالدين، والإمبريالية، والهجرة، والرسوم الجمركية، واضطهاد الخصوم سياسيًا، وطريقة ممارسة السلطة، وبدأ بمحور الدين باعتباره محورًا أساسيًا في فهم تيارات "ترامب"، نقلًا عن صحيفة الجارديان.

وقال "ستورتون": "من الصعب على من يعيش خارج منطقة نفوذ ترامب أن يفهم دعم المسيحيين الوطنيين له، وكيف يربط هؤلاء بين القيم المسيحية وبين ممارسات رجل يبدو فاسدًا وغير أخلاقي"، ومن أجل هذا، عاد الكاتب للتاريخ، إلى الزعيم الديني والسياسي الإنجليزي جون وينثروب والمستوطنين البروتستانت الذين أسسوا مستعمرة ماساتشوستس في عام 1630، ووصفوها بـ "المدينة على التل"، حيث كانت العقوبات القاسية وسيلة للحفاظ على النظام الديني، وهو السياق الذي يساعد على فهم التحالف المعاصر بين المسيحيين الوطنيين و"ترامب"، خصوصًا في القضايا مثل تعيين قضاة المحكمة العليا الذين ألغوا حكم "رو ضد ويد"، وهو الحكم التاريخي الذي كان يكفل حق الإجهاض في الولايات المتحدة، وهو ما يرضي القيم المحافظة للمسيحيين الوطنيين الذين يدعمون" ترامب".

وتتبع "ستورتون" أيضًا التوسع الإمبريالي الأمريكي في القرن التاسع عشر، موضحًا أن سياسات ضم الأراضي وتهجير السكان الأصليين كانت جزءًا من هوية الولايات المتحدة، من صفقة لويزيانا إلى ضم أراضٍ من المكسيك، وهو ما يشكل خلفية تاريخية لما يفعله "ترامب" اليوم من سياسات إمبريالية تجاه كندا وغرينلاند وغيرها من البلاد.

وأشار "ستورتون" إلى أن الولايات المتحدة في الماضي لجأت إلى جميع الأساليب لتحقيق أهدافها، من صفقات عقارية ورشوة ومعاهدات ومضايقات دبلوماسية إلى التنكيل العرقي والغزو، وكانت النتائج أهم من الوسائل، بل وتبررها.

ورأى "ستورتون" أن هناك سوابق لمعظم سياسات "ترامب"، سواء كانت الاعتقالات والترحيلات أو الهجمات على الإعلام أو فرض الرسوم الجمركية أو حظر المهاجرين المسلمين، مستشهدًا بأفعال رؤساء مثل الرئيس الثاني للولايات المتحدة جون آدمز الذي سن قوانين الأجانب والتحريض والتي سمحت له بسجن أو نفي الأجانب بدون محاكم، والرئيس السابع للولايات المتحدة أندرو جاكسون المعروف بسياساته القاسية تجاه القضاء والشعوب الأصلية، والرئيس الخامس والعشرين ويليام مكينلي الذي رفع الرسوم الجمركية، مما يثبت أن "ترامب" يمثل امتدادًا طبيعيًا للسياسات الأمريكية غير الليبرالية.

وعلى الرغم من ذلك، ذكر "ستورتون" أن بعض المقارنات التاريخية تبدو ضعيفة، مثل ربط مطاردة "ترامب" لخصومه بمكارتية الخمسينيات، حيث تختلف الدوافع والسياقات، إلا أن الكتاب في المجمل نجح في تقديم قراءة متوازنة وشيقة، أكدت أن فهم "ترامب" يتطلب فهم التاريخ السياسي والثقافي للولايات المتحدة، وأن الظواهر المظلمة في السياسة الأمريكية ليست مستحدثة، بل جزء من الهوية الأمريكية.

في النهاية، فإن الكتاب قدم قراءة نقدية مليئة بالأمثلة التاريخية والتحليل السياسي، بأسلوب يجمع بين العمق والفهم والمرح، ليكون الكتاب إضافة مهمة لأي قارئ يسعى لفهم التناقضات الجوهرية في الهوية الأمريكية المعاصرة، ولتسليط الضوء على الجوانب المظلمة التي لا تظهر عادة في الروايات الرسمية عن أمريكا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك