- الشابو والحشيش الصناعي بأنواعه مدرجة في الجدول بقرارات وزير الصحة قبل عام 2020.. والتغيير في موقعها ينعكس على درجة العقوبة
- مواد الاتجار في القانون لا تميز بين المخدرات حسب موقعها بالجدول.. والتشديد للقسم الأول في حالات محددة أبرزها الحيازة المجردة
- القانون 134 لسنة 2019 اعتبر المخدرات الحديثة المصنّعة في حكم الجواهر التقليدية.. وترقب لحكم "النقض" في القضية العائدة من الدستورية
فتح حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر أمس الأول بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات، باب أمل واسع أمام المتهمين في قضايا المخدرات ومحاميهم بحثًا عن ثغرات قانونية على إثر بطلان وسقوط تلك القرارات، للحصول على أحكام براءة أو تخفيف العقوبة سواء في القضايا المنظورة حاليًا بأول درجة أو بعد الطعن في الاستئناف أو النقض.
ومن جانب آخر أثارت بعض التفسيرات حالة واسعة من التخوف بسبب ما تردد عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن "بطلان المحاكمات" و"الإفراج عن المحبوسين" نتيجة الحكم الدستوري، إذ لا يستقيم ذلك مع الطبيعة الخطيرة لجرائم الاتجار في المخدرات وتصنيعها وتخليقها وزراعتها وجلبها، التي تضرب أمن الدولة ومستقبلها في مقتل، خاصة مع التطور الهائل في نوعيات المخدرات المخلقة وتأثيرها الكارثي على المتعاطين.
إن السعي لانتزاع البراءة أو الحكم المخفف جزء أساسي من رسالة المحامين في تمثيل موكليهم وضمان تمتعهم بأفضل دفاع ممكن التزامًا بكفالة حق الدفاع كأحد القواعد الرئيسية لدولة القانون. لكن هذا لا يبرر القفز على سلطة المحاكم في تفسير القانون أو تجاهل الواقع التشريعي أو ترديد شائعات مربكة للرأي العام، كما حدث عقب الحكم الدستوري الأخير، حتى أصبح الملايين يتصورون أنه يعني –تلقائيًا- إصدار براءات جماعية وسقوط الاتهامات في آلاف القضايا التي حركتها النيابة العامة، وتحديدًا في وقائع تصنيع المخدرات المخلقة والاتجار فيها وحيازتها خلال السنوات الأخيرة.
وحتى نبحث أثر الحكم على قضايا المخدرات التقليدية والمخلقة، يجب التمعن فيما سطرته المحكمة برئاسة المستشار بولس فهمي عن طريقة تطبيق الحكم على القضايا الجديدة والحالية في مختلف مراحل التقاضي، وفقًا للبيان الصحفي الصادر من المحكمة، ومفاده "تطبيق جداول المخدرات بوضعها الذي كان قائمًا قبل بدء إصدار قرارات رئيس هيئة الدواء" وهو ما عبرت عنه "الشروق" في صدر صفحتها الأولى أمس بـ"عودة جداول المخدرات إلى عام 2020".
وعقب الحكم، وتطبيقًا للمادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا؛ أرسل المستشار عماد البشري رئيس هيئة المفوضين بها خطابًا إلى النائب العام المستشار محمد شوقي عياد يوضح منطوق الحكم والذي يتضمن "سقوط قرارات رئيس هيئة الدواء السابقة واللاحقة على القرار 600 لسنة 2023 في شأن تعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960".
وبالتالي فإن الخطوة الأولى لبحث أثر الحكم هي النظر في الجداول وفق آخر تحديث لها قبل بدء تعديلها بقرارات رئيس هيئة الدواء. فماذا نجد عند مراجعة تلك التعديلات؟
آخر قرار صدر من وزير الصحة يحمل رقم 900 لسنة 2019 ونُشر في "الوقائع المصرية" في يناير 2020. ثم في أبريل 2020 بدأ رئيس هيئة الدواء يصدر قرارات التعديل، تطبيقًا للقانون هيئة الدواء رقم 151 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الوزراء رقم 777 لسنة 2020. ومنذ ذلك الحين أصدر رئيس الهيئة نحو 20 قرارًا بتعديل الجداول.
لكن القرار 600 لسنة 2023 الذي رأت فيه محكمة النقض شبهة عدم دستورية وكان سبب صدور الحكم الدستوري الأخير، يحظى بمركزية مهمة، فهو القرار الذي وحدت من خلاله هيئة الدواء الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، ووحّدت فيه طريقة تصنيف جميع الجواهر المخدرة والمواد المخدرة المخلقة المنصوص عليها في القرارات الوزارية السابقة، بتدقيق اصطلاحي وفني ولغوي للمسميات العلمية، مع توحيد كتابة جميع المواد وحذف المسميات غير العلمية، مع توافق طريقة إدراجها مع القوائم الدولية التزامًا بالاتفاقيات الدولية لمكافحة المخدرات التي وقعت عليها مصر.
ويمكن القول إن هذا القرار والقرارات الأخرى من رئيس هيئة الدواء لها ثلاثة تطبيقات:
1- إضافة بعض المواد لم تكن قائمة في الجداول حتى عام 2020، سواء من المحظورات أو المستحضرات المستثناة أو التي تخضع لبعض القيود.
2- تعديل مكان بعض المواد حسب خطورتها المستحدثة بسبب انتشارها مثل: المخدرات المخلقة التي تحمل أسماء سوقية عديدة كالشابو والآيس والميث والكريستال ميث والفودو والاستروكس والجوكر والباودر وسبايس وأشكال أخرى مما يسمى الحشيش الصناعي، ونقلها من القسم الثاني بالجدول رقم (1) إلى القسم الأول (ب) من نفس الجدول.
3- تعديل بعض المسميات وتوحيد المواد المشتقة تحت مجموعات من المواد المخدرة، بحيث تشمل أي مستحضر أو مخلوط أو مستخلص أو أي مركب آخر يحتوي عليها بأي نسبة كانت، وذلك لضمان تعميم حظر جلبها وتصنيعها وتداولها بطريق غير مشروع.
وهنا يُطرح سؤال مهم: ما موقف المخدرات المخلقة الجديدة؟ والتي يزعم البعض في تصريحات إعلامية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي إنها دخلت الجدول فقط بقرارات رئيس هيئة الدواء وأنها لم تكن مجرّمة من قبل.
بالبحث الدقيق في جميع قرارات وزير الصحة السابقة على 2020 نجد أن معظم تلك المواد كانت مدرجة بالفعل في الجدول رقم (1) ولكن في القسم الثاني بدلًا من القسم الأول (ب). ونتحدث هنا بشكل أساسي عن مجموعتين من المواد المخدرة الحديثة نسبيًا:
أولاً- الحشيش الصناعي Synthetic cannabinoids وما يدخل في تصنيعه (جوكر/ سبايس/ فودو/ ستروكس) المنتشر عالميًا منذ عام 2012 وأشهر المجموعات المتداولة له والتي حُركت بشأنها قضايا مؤخرًا (مثل القضية المعروفة إعلاميًا بعصابة سارة خليفة) هي "إندارزول كاربوكساميد" (رقم 3 من القسم الأول (ب) من الجدول رقم 1 وفق القرار 600 لسنة 2023 الملغى) وكذلك مجموعة "إندول كاربوكساميد" (رقم 5 من القسم ذاته) وجميع المواد المشتقة من المجموعتين كانت مدرجة في القسم الثاني من الجدول بقرارات وزير الصحة قبل عام 2020 وذلك على النحو التالي:
* القرار رقم 440 لسنة 2018: AB-Fubinaca – AB Chminaca - AMB-Fubinaca - 5F ADB
* القرار رقم 711 لسنة 2018: EMB-Fubinaca
* القرار رقم 177 لسنة 2019: ADB-Fubinaca – ADBICA – 5F-MDMB-PICA – AMB-PICA
ثانيًا- الميث/ الكريستال ميث/ الشابو والمعروف علميًا وقانونيًا بمصطلح ميثامفيتامين وقد حُركت بشأنه العديد من القضايا في الفترة الأخيرة (وكان أيضًا في قضية عصابة سارة خليفة). وهو أحد المواد المشتقة من مجموعة "فينيثيل أمين" (رقم 12 من القسم الأول (ب) من الجدول رقم 1 وفق القرار 600 لسنة 2023 الملغى). ويتبين من البحث أن الميث والمواد المشابهة له كانت مدرجة في القسم الثاني من الجدول بقرارات وزير الصحة قبل عام 2020 على النحو التالي:
* القرار رقم 96 لسنة 1997: ميثامفيتامين Methamphetamine
* القرار رقم 165 لسنة 2001: DMA – MIDMA – MMDA – PMA – TMA – Levomethamphetamine وغيرها
والخلاصة: أن هذه المخدرات الحديثة كانت مدرجة في الجدول ولكن في القسم الثاني، أي أن عقوبة حيازتها بغير قصد الاتجار كانت أقل وفقًا للمادة 38 من قانون مكافحة المخدرات.
لكن هل هذا يعني أن جميع القضايا التي حُركت بسبب تلك المواد سيتم تخفيف العقوبة فيها؟
ببساطة: لا. لكن الإجابة تتطلب مزيدًا من البحث في قانون مكافحة المخدرات ذاته. لأن مواد الاتهام التي توجهها النيابة العامة في قضايا المخدرات ليست موحّدة. بعضها يتعامل مع جميع المواد المخدرة المدرجة في الجدول دون تمييز، والبعض الآخر يميّز بين العقوبات تخفيفًا وتشديدًا حسب موقع المواد في الجدول.
وأهم المواد التي تشدد العقوبات إذا كانت المخدرات محل الواقعة في القسم الأول من الجدول رقم (1) : المادة 38 الخاصة بالحيازة دون قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال (الحيازة المجردة من القصود) والتي تشدد العقوبة إلى السجن المؤبد وغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف جنيه. والبند (6) من الفقرة (ج) من المادة 34 الخاصة بإدارة أو تهيئة مكان للتعاطي بمقابل التي تشدد العقوبة إلى الإعدام وغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف جنيه. وكذلك المادة 34 مكرر التي توقع العقوبة ذاتها على من دفع غيره بالإكراه أو الغش للتعاطي. والمادة 39 التي تشدد عقوبة الحبس والغرامة على من يُضبط في مكان معد للتعاطي.
وفي المقابل هناك مواد اتهام أساسية لا تميز بين المخدرات حسب موقعها في الجدول، فتنص على معاقبة المدانين بارتكاب تلك الجرائم أيًا كان نوع المواد والجواهر الواردة في الجدول، وعلى رأسها: المادة 33 الخاصة بالجلب والتصدير والإنتاج والاستخراج بقصد الاتجار وتشكيل عصابة بغرض الاتجار والتي تصل عقوبتها إلى الإعدام. والمادة 34 التي تعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد على الاتجار والحيازة بغرض الاتجار، واستخدام الجواهر المخدرة لغير الغرض المرخص، وإدارة أو تهيئة مكان للتعاطي (وهاتان المادتان موجهتان إلى المتهمين في قضية عصابة سارة خليفة).
وبذلك فلا براءات جماعية أو تلقائية بعد حكم "الدستورية". بل ستحدد المحاكم وجهات التحقيق موقف القضايا المنظورة أمامها حسب قيد ووصف الاتهام، والمواد الواردة في قرار الإحالة الصادر من النيابة العامة للتعرف على المنسوب إلى المتهمين. فلن يستفيدوا إذا كانت المواد لا تميز بين المخدرات حسب موقعها في الجدول.
وإذا كانت المواد تميز مواد القسم الأول من الجدول فالاستفادة مرجحة بتخفيف العقوبة، كما في حالة حيازة الشابو بغير قصد الاتجار، وهي موضوع القضية التي أحيلت من محكمة النقض إلى "الدستورية".
ويبقى سؤال مهم طُرح في الرأي العام عن مدى اعتبار المواد المخدرة المصنّعة والمخلّقة الجديدة، من أشكال المخدرات التقليدية المدرجة في الجدول
حيث زعم البعض أن تلك المواد أضيفت إلى الجدول بقرارات هيئة الدواء فقط، وهذا ما أظهر البحث عدم صحته كما أوضحنا سلفًا، بينما ادعى آخرون أن تلك المواد لا تنطبق عليها العقوبات المقررة للمخدرات التقليدية.
حُسمت هذه المسألة منذ سبع سنوات بصدور القانون رقم 134 لسنة 2019 الذي أضاف إلى قانون مكافحة المخدرات مادة مهمة برقم (1 مكرر) تنص على اعتبار المواد المخلّقة الواردة بالجدول في حكم الجواهر المخدرة في تطبيق أحكام القانون.
وبالتالي لم يعد هناك أي فارق في المعاملة التشريعية بين المخدرات التقليدية والمخدرات الجديدة المصنّعة، فيعاقب القانون الاتجار فيها جميعًا بالإعدام والمؤبد على الجلب والإنتاج والتصنيع والتخليق والاتجار وتشكيل العصابات المختصة بهذا النشاط الإجرامي في الداخل والخارج، وأيًّا كان موقع المواد محل الضبط في الجدول.
وفي الأسابيع القادمة سوف تسهم محكمة النقض في توضيح آثار الحكم الدستوري، من خلال تعاملها مع القضية التي كانت قد أحالتها، والقضايا الأخرى التي أوقفتها تعليقيًا انتظارًا للفصل في الدستورية. وبالتوازي مع ذلك سيكون على الحكومة ومجلس النواب التحرك سريعًا لإدخال تعديل تشريعي لإحكام صياغة المادة الثانية من قانون هيئة الدواء رقم 151 لسنة 2019 وضبط التفويض التشريعي لرئيسها في تعديل وتحديث جداول المخدرات.