سامي شرف يكتب: ثورة يوليو وقصة بناء السد العالي (أزمة التمويل) - بوابة الشروق
الخميس 20 يونيو 2024 6:29 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

سامي شرف يكتب: ثورة يوليو وقصة بناء السد العالي (أزمة التمويل)

سامي شرف
سامي شرف

نشر في: الجمعة 17 يوليه 2020 - 2:48 ص | آخر تحديث: الجمعة 17 يوليه 2020 - 2:48 ص

بقلم سامي شرف - سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات، وزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق

- وضعت القيادة الثورية التى تولت السلطة بعد يوليو 1952 قضية التنمية على رأس اهتماماتها وفي مقدمة جدول أعمالها.
- الشروط الأمريكية للمساعدة في بناء السد أثارت غضب الرئيس عبدالناصر.. فقد كانت أشبه بالوضع الذى كان سائداً فى عهد الخديوى إسماعيل.
- بيان أمريكا الرافض للمساهمة في المشروع: إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد أن من يبنى السد العالى ـ أيا كان ـ سيكسب كراهية الشعب المصرى.

مشروع السد العالى هو مشروع قديم يرجع الفضل في طرحه إلى المهندس اليونانى «دانينيوس»، وقد سبق أن تقدم به لأكثر من حكومة مصرية قبل الثورة ولكنه لم يكن يلقى أدنى استجابة حتى على سبيل الوعد ببحث المشروع وجدواه الاقتصادية، وفى عام 1953 تقدم بمشروعه من جديد إلى مجلس قيادة الثورة، ولكنه هذه المرة حظى باهتمام كبير من جانب القيادة الثورية وكلف قائد الجناح جمال سالم عضو مجلس قيادة الثورة بتولى مسئولية هذا المشروع إلى جانب الفنيين في المجالس والهيئات المتخصصة الذين سيتولون البحث والدراسة...إلخ.

لقد سبق أن وضعت القيادة الثورية التى تولت السلطة بعد يوليو 1952 قضية التنمية على رأس اهتماماتها وفي مقدمة جدول أعمالها، وحرصت على إزالة أية عقبات كانت تعترض مساهمة رأس المال الوطنى أو الأجنبى فى التنمية، كما أصدرت فى شهر أكتوبر قانونا، والذى تم بموجبه إنشاء المجلس الدائم للإنتاج كهيئة مستقلة تتبع لرئاسة مجلس الوزراء ويتولى مهمة بحث ودراسة المشروعات الاقتصادية الكبرى التى يكون من شأنها تنمية الإنتاج على المستوى القومي، ووضع مخطط وطني متكامل للتنمية الاقتصادية.

وبدأ هذا المجلس في وضع الدراسات التفصيلية لعديد من مشروعات التنمية في قطاعات الري والتوسع الزراعى وتكرير البترول وخطوط أنابيب البترول وتنمية الثروة المعدنية والمواصلات وغيرها من القطاعات فى إطار رؤية بعيدة المدى للاقتصاد المصري.

وبالتالي كان من الطبيعي أن يلقى مشروع السد العالي الاهتمام الواجب في مجلس الإنتاج بعد أن تحمست له قيادة الثورة على المستوى السياسى، وبالفعل تم تشكيل لجنة فرعية تضم عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة وعدد من أعضاء مجلس الإنتاج من الخبراء والفنيين برئاسة جمال سالم لإجراء مزيد من البحث والدراسة لهذا المشروع، وعقدت اللجنة عدة اجتماعات فى مقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، حضر بعضها المهندس اليونانى دانينيوس، وانتهت بعد دراسات مستفيضة إلى الإقرار بجدوى المشروع وضرورة تنفيذه وقدمت أيضاً توصيات بهذا المعنى لمجلس قيادة الثورة الذى وافق من حيث المبدأ على تنفيذ المشروع والبدء فى اتخاذ الخطوات العملية فى هذا الشأن.

وكانت الخطوة الأولى هى تنظيم سلسلة من المحاضرات عن السد العالى، وبدأت بمحاضرات وندوات فى نادى ضباط الجيش بالزمالك تحدث فيها عدد من المهندسين المتخصصين وشرحوا أبعاد المشروع وما ينتظر منه من عائد، كما عقدت سلسلة محاضرات أخرى فى نقابة المهندسين، وفى جمعية المهندسين المصرية استهدفت كلها تهيئة الرأى العام على المستويات العلمية والسياسية والشعبية لهذا المشروع.

لقد تمثل العائق الأساسى الذى حال دون بحث أو تنفيذ مشروع بهذا الحجم فى عهود ما قبل الثورة فى غياب الاستقرار السياسى، على سبيل المثال فقد كان هناك مشروع كهربة خزان أسوان، وهو مشروع كان محل مزايدة بين الأحزاب فى برامجها، وتستخدمه كأداة للدعاية ووسيلة للوصول إلى السلطة ثم سرعان ما يطاح بها ويطوى المشروع في غياهب النسيان لتأتي حكومة حزبية أخرى تجدد نفس السيناريو، فلما جاءت الثورة قامت بتنفيذ فوري لمشروع كهربة خزان أسوان، وعملت فى الوقت نفسه على إشراك مكاتب استشارية أجنبية فى دراسة مشروع السد العالى إلى جانب الخبراء المصريين الذين يمتازون بقدرات وكفاءات كبيرة وعالمية أيضاً فى هذا المجال، وكل الدراسات أكدت سلامة المشروع من حيث الجدوى الاقتصادية لمستقبل مصر، وكان من بين من تولى دراسة المشروع بصورة رسمية البنك الدولى للإنشاء والتعمير، وقد أعد بالفعل دراسة قدمها يوجين بلاك، كان ملخصها أن حالة الاقتصاد المصرى تسمح بإتمام مشروع السد العالى.

كما جاء خبراء من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية وفرنسا للتنسيق مع المجموعة المكلفة ببحث المشروع، وتولى كل من المهندسين محمد صدقى سليمان ومحمود يونس وسمير حلمي وأحمد عبده الشرباصى وإبراهيم زكي قناوى وموسى عرفة وآخرين، التنسيق مع هؤلاء الخبراء وتقديم التسهيلات اللازمة لهم لوضع الدراسات المطلوبة حول المشروع.

إن أهم الآثار التى يمكن أن تترتب على السد العالى هو إحداث تطوير هائل فى إنتاج الكهرباء الرخيصة ـ أهم فروع البنية الأساسية فى الإنتاج ـ وتنمية الاستخدام الموسع للمصادر المائية وهو ما يساعد على إنشاء أول شبكة كهربائية موحدة للبلاد باستخدام أحدث التكنولوجيا التى توفرت فى ذلك الوقت، وثمة تنمية أخرى لا تقل أهمية إن لم تزد تتمثل فيما يوفره السد العالى من طاقات ضخمة لتخزين مياه النيل أمام السد، وهو ما يساعد على حل مشكلة نقص المياه فى سنوات الجفاف وتوفير المياه التى كانت تهدر في البحر في مواسم الفيضان، وحماية مصر من أخطار الفيضانات العالية، واستصلاح حوالى تسعمائة واثنا عشر ألف فداناً بفضل المياه التي أمكن تخزينها أمام السد وتحويل تسعمائة وثلاثة وسبعين ألف فدان من رى الحياض إلى الدائم إضافة إلى زيادة المساحات المزروعة بالأرز دعما لعائدات التصدير للمنتجات الزراعية، وفى نفس الوقت فإن اكتمال عملية التخزين التدريجى فى بحيرة ناصر يفتح الطريق لإقامة العديد من المشروعات التكميلية فى مجال استصلاح الأراضى والانتقال من الوادى الضيق علاوة على تنمية الثروة السمكية.

وقد يكون من المناسب أن أتعرض بشئ من التفصيل لقصة السد العالى:ـ
* بدأ التفكير فى المشروع فى نهاية سنة 1952 ـ المهندس اليونانى المصرى دانينيوس.
* بدأ تنفيذ المشروع فى 9 يناير 1960.
* انتهت المرحلة الأولى فى منتصف مايو 1964 بتحويل مياه النهر إلى قناة التحويل.
* فى منتصف أكتوبر 1967 ارتفع جسم السد إلى منسوب 172 متر، وانطلقت الشرارة الأولى من محطة كهرباء السد العالى فى 9 يناير 1969 بتشغيل ثلاثة توربينات.
* فى يوليو 1970 اكتمل المشروع بتشغيل 12 توربين.
* بلغت تكلفة بناء السد العالى حوالى 400 مليون جنيه، ولو أردنا بناءه اليوم سيتكلف أكثر من 18 مليار جنيه . (حسب تقدير شيخ المهندسين إبراهيم زكى قناوى).
* السد العالى من رخام الجرانيت والرمال والطمى تتوسطه طبقة صماء من الطين الأسواني
* السد يغلق مجرى النهر على مسيرة حوالى سبعة كيلومترات إلى الجنوب من سد أسوان القديم ويحول المياه إلى مجرى جديد عبارة عن قناة مكشوفة تتوسطها ستة أنفاق متصلة في نهايتها بمحطة كهرباء مزودة بإثنى عشر وحدة.
* سعة بحيرة ناصر 164 مليار متر مكعب منها 30 مليار متر مكعب لاستيعاب الطمى بعد استمرار رسوبه لعدة قرون، و 37 مليار متر مكعب لمواجهة الفيضانات العالية، 97 مليار متر مكعب تمثل السعة الحية للخزان التى تضمن تصرف سنوى ثابت مقداره: 84 مليار متر مكعب يخص مصر منها 55.5 مليار ويخص السودان 18.5 مليار، والباقى 10 مليار مقدر أنه يفقد من حوض الخزان بالبخر والتسرب.
* عرض مجرى النهر عند موقع السد 520 متر
* طول السد عند القمــــة 3820 متر
* أقصى ارتفاع للسد 111 متر
* عرض قاعدة السد 980 متر
* عرض الطريق فوق السد 40 متر

البحـــيرة:
* طول البحيرة 50 كيلو متر.
* متوسط عرض البحيرة 11.8 كيلو متر.
* مساحة سطح البحيرة 5900 كيلو متر مربع.
* اقصى سعة للتخزين فى البحيرة 164 مليار متر مكعب.
مجرى التحويـــل:
* الطول الكلى لمجرى التحويل 1950 متر.
* طول القناة الأمامية المكشوفة 1150 متر.
* طول القناة الخلفية المكشوفة 485 متر.
* طول النفق 282 متر.
* عدد الأنفاق 6
* أقصى تصرف يمكن تمريره بمجرى التحويل 11000 متر مكعب / ثانية
* القطر الداخلي للنفق 15 متر.
محطة توليد الكهربـــاء:
* مجموع القوة المركبة 2.1 مليون كيلووات.
* عدد الوحدات الكهربائية 12
* قوة كل وحدة 17500 كيلو وات.
* الضاغط التصميمي 57.5 متر.

القطاع العام والسد العالى:
المقاولون العرب:
حجم الأعمال التي أوكلت لشركة المقاولون العرب فى بناء السد العالى لم تتعدى نسبة 12% بميزانية لم تتعد 40 مليون جنيه من جملة التكاليف التى بلغت 330 مليون جنيه.
والمقاولون العرب قامت بأعمال حفر وهدم. ولم يشرف عثمان أحمد عثمان على أى عملية بل كان المشرفون هم أمين عمر وأحمد عوض.

مصر للأسمنت المسلح:
كان حجم أعمالها 60 مليون جنيه بنسبة 18% وهو يعادل مرة ونصف حجم الأعمال الذي أنجزته المقاولون العرب.

وأهم الأعمال كالتبطين للأنفاق وبناء محطات الكهرباء والستارة الرئيسية للحقن فقد قامت بها شركة مصر للأسمنت المسلح والهيئة العامة للسد العالى.

إن مشروعا بهذا الحجم كان فى حاجه إلى قرار سياسي جرئ، وكان جمال عبدالناصر يتمتع برؤية إستراتيجية بعيدة المدى، ولم يكن يتخذ القرار المتسرع ولم تكن موافقته نابعة من رد الفعل، ومن ثمّ فقد استوعب كل النتائج التى توصلت إليها الدراسات الفنية المتخصصة لمشروع السد العالى وسعى إلى تحويله إلى «حلم قومى» يستأهل أن تجند له كل الطاقات والخبرات لوضعه موضع التنفيذ وبدأ يضعه فى جدول أعماله فى مناقشاته واجتماعاته مع كل المسئولين العرب والأجانب كما تداول بشأنه فى حواراته المستمرة مع الرئيسين تيتو ونهرو، وأخذ يبحث عن مصادر لتمويله، وبدأ بعرضه على البنك الدولى للإنشاء والتعمير الذى أكد فى تقرير نشره فى شهر يونيو 1955 جسامة المشروع، وورد بهذا التقرير أيضا أن مصر اعتمدت ثمانية ملايين دولار لتنفيذ بعض الأعمال التحضيرية للمشروع وتشمل إنشاء خطوط للسكك الحديدية، ومساكن للعاملين فى الموقع، وفى أغسطس من نفس العام أصدر البنك تقريراً آخر يؤكد قدرة الاقتصاد المصرى على تنفيذ المشروع، وفى سبتمبر 1955 أعلنت بعض الشركات الألمانية الغربية والفرنسية والبريطانية تقدمها بعروض للمشاركة فى تنفيذ المشروع فى شكل «كونسورتيوم».

لقد بدأ المشروع يحظى باهتمام فى الدوائر السياسية فى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وقد اعتبروه فرصة للربط بين دعم خطط التنمية التي بدأتها الثورة من جانب، وإقامة نظام إقليمي يضمن المصالح الغربية ويفتح الطريق للتسوية مع إسرائيل من جانب آخر.

وبدأ الاتحاد السوفيتى يدخل كطرف ثالث فى التنافس ـ خاصة بعد عقد صفقة الأسلحة التشيكية ـ ففى سبتمبر عام 1955، وفى نفس وقت إعلان أنباء الصفقة صرح السفير السوفيتى فى القاهرة أن بلاده مستعدة للمساهمة فى بناء السد العالى، وحدد هذه المساهمة بالمعونة الفنية والمعدات وأموال يتم تسديدها بسلع خلال خمسة وعشرين عاما، وأدى ذلك إلى فزع كبير فى الغرب، وتحركت بريطانيا لتحذير واشنطن من التهديد السوفيتي القادم.

وقد اختار عبدالناصر أن يختبر نوايا الغرب مرة أخرى بعد أن فشلت محاولات الحصول على السلاح منه فبدأ الدكتور عبد المنعم القيسوني وزير الاقتصاد سلسلة من الزيارات للعواصم الغربية وجرت العديد من المفاوضات، أسفرت عن اتفاق من حيث المبدأ أعلنته الخارجية الأمريكية فى 16 ديسمبر 1955 ويقضى بأن يتولى كل من البنك الدولي والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تمويل مشروع السد العالى بتكلفة تبلغ 1.3 مليار دولار يتم توزيعه كالتالى:

1 ـ تقديم 70 مليون دولار للمرحلة الأولى فى المشروع (تقدم الولايات المتحدة مبلغ 56 مليون دولار، وتقدم بريطانيا مبلغ 14 مليون دولار).
2 ـ تقديم 200 مليون دولار للمرحلة الثانية فى صورة قرض من البنك الدولى بالإضافة إلى 120 مليون دولار أخرى كقرض من الولايات المتحدة الأمريكية ومبلغ 08 مليون دولار قرضاً من بريطانيا ، على أن تدفع فى صور أقساط سنوية بفائدة 5% تسدد على مدى أربعين سنة.
3ـ باقى المبلغ تتحمله مصر بالعملة المحلية.

4 ـ يضاف إلى ذلك منحتين الأولى من الولايات المتحدة وقدرها عشرين مليون جنيه والثانية من بريطانيا وقدرها خمسة ونصف مليون جنيه.

وفى الوقت الذى كانت فيه المفاوضات حول تمويل السد العالى تتخذ هذا المسار الإيجابى على السطح كانت العلاقات السياسية بين مصر من جانب وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا من جانب آخر تتخذ مساراً مختلفاً بسبب معركة الأحلاف وصفقة الأسلحة والاعتداءات الإسرائيلية على غزة وغيرها كما أوضحت، وقد بدا واضحاً حرص الدولتين على امتلاك أوراق ضغط على ثورة يوليو تتعارض والإستراتيجية التى انتهجتها الأخيرة بشأن استقلالية قرارها والإصرار على استكمال التحرر من أية ضغوط أجنبية، وجاءت الشروط التي وضعتها الدولتان لتنفيذ اتفاق تمويل السد العالي مؤكدة لهذا الاتجاه، فقد اقترن العرض السابق بالشروط التالية:

1ـ أن تركز مصر برنامجها التنموى على السد العالى بتحويل ثلث دخلها القومى ولمدة عشر سنوات لهذا المشروع مع فرض رقابة على المشروعات الاقتصادية الأخرى.
2ـ وضع ضوابط للحد من زيادة التضخم والإنفاق الحكومي، وفرض رقابة على مصروفات الحكومة المصرية وعلى الاتفاقيات الأجنبية أو الديون الخارجية. وألا تقبل مصر قروضاً أخرى أو تعقد اتفاقيات فى هذا الشأن إلا بعد موافقة البنك الدولى.
3ـ الاحتفاظ بحق إعادة النظر فى سياسة التمويل في حالات الضرورة.

وأثارت هذه الشروط غضب الرئيس عبدالناصر، فقد كانت أشبه بالوضع الذى كان سائداً فى عهد الخديوى إسماعيل، وأنتج ذلك كله حالة فقدان الثقة فى إمكانية معاونة الولايات المتحدة فى تنفيذ المشروع، وانتهى الرئيس إلى تقدير موقف اقتنع به بهذا المعنى، لكنه حرص على تفادى المواجهة لآخر لحظة حتى يتكشف الموقف الأمريكي بوضوح وجلاء وصراحة فى ضوء الرسائل المتكررة التي حملتها القنوات الخلفية والزيارات الرسمية للمسئولين الأمريكيين، والتى أكدت حقيقة واحدة هى إصرار الجانب الأمريكى على التحكم فى سياسات الثورة ودفعها إلى مسار يخدم الإستراتيجية الأمريكية ومصالح الغرب فى الأساس، وخاصة فيما يتعلق بالتفاهم مع إسرائيل، وكان ذلك يجرى بتنسيق محكم مع الجانب البريطانى تكشف أبعاده فى أكثر من مناسبة وكما كشفته الوثائق الأمريكية والبريطانية التى نشرت مؤخراً.

وفى هذا الإطار استقبل الرئيس جمال عبدالناصر يوجين بلاك رئيس البنك الدولى، وبعد مفاوضات وافق عبدالناصر فقط على أن يكون للبنك الدولى حقوق معقولة فى تفقد الإجراءات التى سوف تتخذها مصر للحد من التضخم ـ عقد اتفاق أعلن فى 8 فبراير 1956 يقدم البنك بموجبه قرض قيمته مائتان مليون دولار على أن يتوقف تنفيذه على التوصل إلى اتفاق آخر مع لندن وواشنطن حول الشروط التي أعلنوها لتقديم المساعدة.


وفى الأسبوع الأول من يوليو 1956 استقبل الرئيس عبدالناصر السفير أحمد حسين سفير مصر فى واشنطن فى استراحة برج العرب غرب الإسكندرية، ودار الحديث حول الموقف الأمريكى من تمويل مشروع السد العالى، وكان أحمد حسين معروفاً بميوله الأمريكية، ومن أنصار تطوير العلاقات والتعاون مع واشنطن وقد حاول فى هذا الاجتماع أن يبرر موقف جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكى الذى اتسم بالمماطلة والتعنت وأخذ يسهب فى تفسير الضغوط التى يتعرض لها من الدوائر الصهيونية وبعض رجال الكونجرس الأمريكى، ولكن الرئيس جمال عبدالناصر كان يدرك فى قرارة نفسه أن الأمر لايخرج عن حدود المناورة، وأن أمريكا لن تقدم على المساهمة فى تنفيذ المشروع، وتمسك أحمد حسين بموقفه ومحاولاته للتفسير والتبرير، وبعد أن استمع له عبدالناصر مطولا بادره قائلاً: «حسنا (قالها بالإنجليزية All Right) سأعطيك الفرصة لكى تثبت شيئاً من أجل مصر يا أحمد، ترجع لدالاس وتقول له إنك قبلت بجميع شروطه، ثم لاحظ رد فعله، وهنشوف إيه اللى حايجرى بعد كــده؟».

وأسقط فى يد أحمد حسين واستفسر من الرئيس عما إذا كان لايريد أن يعدل من الشروط الأمريكية.
فقال له عبدالناصر: «لا تعديل فى الشروط، وأنت مفوض تفويضاً كاملا ومعاك Carte blanche وتقول لدالاس: «إنني قبلت بشروطكم وبأن يتجدد الالتزام الأمريكي تجاه السد العالى سنوياً، لكنى أحذرك يا أحمد إياك أن تقول أو تفعل أى شئ يمس كرامة مصر؛ هذا لسبب واضح تماماً هو أننا لن نحصل على السد العالى من الأمريكان».

وتوجه أحمد حسين إلى واشنطن عن طريق لندن، وعلى خلاف اتفاقه مع الرئيس جمال عبدالناصر أدلى بتصريحات دلت على تخاذل لا مبرر على الإطلاق فقد قال: «إن مصر تقبل بجميع المقترحات المقررة بشأن السد العالى، وأنها ترجو مساعدتها فى بناء السد العالى، وتعتمد على هذه المساعدة وتطلبها».

كنا فى هذه الأثناء فى صحبة الرئيس جمال عبدالناصر فى زيارة رسمية ليوغسلافيا عندما أدلى أحمد حسين بهذه التصريحات، وأعرب الرئيس عن ضيقه: إذ شعر أن مصر قد أهينت، وما كان لأحمد حسين أن يصرح بكلمة قبل أن يقابل دالاس حسب التعليمات ويفاجئه بموقفه.

ذكّرت الرئيس بما لدينا من معلومات مسبقة بشأن أحمد حسين، وتزايد ارتباطاته فى هذه الفترة 1955/ 1956مع بعض الجهات فى أمريكا، وقد رأيت هذا التصريح بمثابة تسريب للموقف المصرى بشكل مفصل ويحمل معنى التخريب فى سياستنا؛ خاصة وأن الرئيس قد حذره من عدم الإقدام على أى قول أو فعل يترتب عليه المساس بكرامة مصر، فلماذا تطوع أحمد حسين بهذا الموقف؟ ولماذا فى لندن بالذات؟ ولماذا قبل اجتماعه بدالاس فى واشنطن؟ خاصة وأنه سمع تقدير محدد من الرئيس جمال عبدالناصر يعرب فيه عن اعتقاده الجازم بأن أمريكا لن تقدم السد العالى لمصر.

كان رأى أحمد حسين الذى عبر عنه فيما بعد، أنه قصد المناورة وممارسة الضغط على الجانب الأمريكى؛ خاصة وأنه ألمح فى تصريحاته إلى استعداد الاتحاد السوفيتى لتقديم المساعدة فى بناء السد العالى. والحقيقة أنه لم يجر أى اتصال من جانب مصر مع الاتحاد السوفيتى حول هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد إلا بعد سنة 1957، وكل ما حققه التصريح هو إعطاء الفرصة لدالاس لأن يعد نفسه جيداً.

وما أن وصل أحمد حسين إلى واشنطن حتى تتابعت الأحداث على النحو التالى:
عندما تسلم دالاس تصريح أحمد حسين سارع بإبلاغ أيزنهاور الذي كان متواجدا فى كامب ديفيد إثر إصابته بأزمة قلبية، ولإحساس دالاس أنه سيواجه حرجاً شديداً إذا ما أبلغه أحمد حسين رسميا قبول مصر للشروط الأمريكية، أبلغ أيزنهاور بأن المصريين لايتجاوبون معه البتة، وأنه يقترح سحب عرض المساعدة فى بناء السدالعالى، ورد أيزنهاور بأنه يفوضه للتصرف بحرية مطلقة وفق ما يراه.

تحدد ظهر يوم 19 يوليو 1956 موعداً لاستقبال دالاس لأحمد حسين فى مبنى وزارة الخارجية الأمريكية، وبعد دخوله مكتب دالاس بدقائق معدودة أصدر المتحدث الرسمى باسم الخارجية الأمريكية «لينكولن وايت» ، بيانا يعلن فيه سحب العرض الأمريكى لتمويل مشروع السد العالى، وكان قبل أن يبدأ الحديث بين أحمد حسين وجون فوستر دالاس.

وقد بعث أحمد حسين بتقرير إلى الرئيس عبدالناصر عن اللقاء جاء فيه:
ـ أن دالاس فاجأه عندما هم بالجلوس بقوله أن الولايات المتحدة الأمريكية يا سيادة السفير ستصدر بياناً الآن، وأننا نأسف لأننا لن نساعدكم فى بناء السد العالي وأن بلاده قد قررت سحب عرضها؛ لأن اقتصاد مصر لن يستطيع تحمل هذا المشروع.

وهنا حاول السفير أحمد حسين أن يحتج لكن دالاس واصل قراءة ماهو مكتوب أمامه والذى أعد مسبقاً حيث استطرد قائلاً: «إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد أن من يبنى السد العالى ـ أيا كان ـ سيكسب كراهية الشعب المصرى؛ لأن الأعباء المترتبة عليه ستكون مدمرة وساحقة ـ وأضاف ـ أنه ليس فى وسع الشعب المصرى أن يتحمل عبء تنفيذ هذا المشروع الضخم، فمتطلباته تتجاوز ما تستطيع مصادر مصر احتماله خاصة بعد التزامها بشراء الأسلحة (يقصد صفقة الأسلحة التشيكية)، وإننا فى الولايات المتحدة الأمريكية لانريد أن نكون مكروهين فى مصر، وسوف نترك هذه المنفعة للاتحاد السوفيتى إذا كان يعتقد أنه يريد أن يبنى السد العالى».

ـ ويضيف دالاس أن بلاده تعتقد أن الاتحاد السوفيتى لا يملك المصادر الكافية لإنجاز المشروع، ولو تعهد بتنفيذه فإن الدول التابعة له ستتمرد عليه حيث أنهم يساعدون مصر بينما يرفضون تقديم المساعدات المماثلة التي تطلبها هذه الدول.

ـ يؤكد دالاس أن صفقة الأسلحة التشيكية التى عقدتها مصر ستسبب للحكومة الأمريكية حرجاً فى شأن استمرار مساعدتها الاقتصادية لمصر؛ لأن كرامة أمريكا أصبحت الآن فى التراب بسبب مزاعم بعض الأصوات فى أمريكا بأن وسيلة مصر للحصول على المساعدات هى التشهير بالسياسة الأمريكية ومعارضتها.

ـ أنه منزعج شخصياً من صفقة الأسلحة خاصة وأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد أثبتت فى السنوات الأخيرة صدق نيتها فى مساعدة مصر كما لعبت دوراً مهما فى التوصل لاتفاقية الجلاء، والتزمت موقفا غير منحاز بين العرب وإسرائيل، بل ومارست الضغط على إسرائيل عندما حاولت تنفيذ مشروعاتها فى بحيرة طبرية برغم قرار مجلس الأمن بإيقاف هذه المشروعات.

وقال أيضاً أن قادة إسرائيل صرحوا له بأن إسرائيل لايمكن أن تنتظر حتى يكمل العرب استعدادهم للقضاء عليها، كما ذكر النتائج الخطيرة التي تترتب على تمكين الشيوعية من بترول البلاد العربية وحرمان الدول الغربية منه، وأنه شخصياً يجد نفسه محرجاً ومركزه صعب! لأن إسرائيل ستطالب ولا شك بالحصول على الأسلحة وبضمانات أمريكية، وستستخدم في سبيل تحقيق مطالبها كل وسائل الضغط التي إن نجحت فسوف تسئ لأمريكا عند العرب.

وفى رد عاجل على هذه الآراء أوضح أحمد حسين ما يلى:
* أنه نقل إلى وزير الخارجية الأمريكى تأكيد الرئيس جمال عبدالناصر بأن صفقة الأسلحة التشيكية ما هى فى الواقع إلا صفقة تجارية لا تحمل في طياتها أى طابع آخر.

* أن مصر لن تسمح بتسرب أي نفوذ أجنبي إليها، وتحرص كل الحرص على مقاومتها الشيوعية، وأنها قبلت بالعرض التشيكى نتيجة الصعوبات التى واجهتها فى الحصول على السلاح من الدول الغربية.

* ويضيف أحمد حسين أنه دلل فى هذه المناسبة على سياسة مصر الواقعية، والبناءة مذكراً بالدور الكبير الذى قام به الفنيون المصريون لمساعدة إيريك جونستون فى وضع مشروعه الخاص بنهر الأردن، وأن الرئيس جمال عبدالناصر نفسه قد عبر للوفود العربية الأخرى عن تأييده للمشروع؛ وهو ما ساعد جونستون على إقناع بعضها بجدوى المشروع وسلامته.

* كما تطرق إلى المساعدات الاقتصادية الأمريكية فى العام الحالى، وأوضح أن مصر تريد التقدم بطلب 260 ألف طن من القمح الأمريكى وفقاً للقانون 480 بـ(P480).

هكذا لم تكن القضية التى تشغل بال المسئولين الأمريكيين أو الخارجية الأمريكية على وجه الخصوص هى قدرة الاقتصاد المصرى أو الآثار السياسية أو الاقتصادية المترتبة على مشروع السد العالى بل تكمن الأزمة الحقيقة فى عدم الإدارة الأمريكية على تقبل الأوضاع الجديدة فى المنطقة التى ترتبت على قيام ثورة يوليو 1952، وعدم قدرتها على التعامل مع القوة الجديدة بما طرحته من أهداف تحمل فى طياتها ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ تحديا لكل الثوابت التى أرسلتها القوى الاستعمارية فى الشرق الأوسط على مدى السنوات الطويلة السابقة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك