- رئيسة النادي الثقافي العربي: معرض بيروت للكتاب مساحة للحوار.. ولم نستبعد أي تيار فكري أو سياسي
- سلوى السنيورة بعاصيري: الاعتداءات الإسرائيلية دمرت دور نشر في جنوب لبنان.. ونأمل مشاركة عربية أوسع في الدورات المقبلة
- سلوى السنيورة بعاصيري: الأزمة الاقتصادية أضعفت القدرة الشرائية للبنانيين.. لكن شغف المعرفة لا يزال باقيا
تحدت العاصمة اللبنانية بيروت الأوضاع غير المستقرة التي تشهدها منذ نحو ثلاث سنوات، بإقامة الدورة الـ67 من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، التي تستمر حتى 18 أكتوبر الجاري. وافتتح المعرض رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام، بحضور رؤساء الحكومات السابقين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام.
وتأتي الدورة الحالية في خضم التداعيات التي تعيشها البلاد جراء تصاعد الصراع والمواجهات بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وسط تحديات اقتصادية وأمنية ألقت بظلالها على صناعة النشر والحركة الثقافية في لبنان.
وعلى هامش فعاليات المعرض، التقت «الشروق» سلوى السنيورة بعاصيري، رئيسة النادي الثقافي العربي، التي أكدت عمق العلاقات الثقافية والتاريخية بين مصر ولبنان، مشيرة إلى أن الثقافة تتيح مساحة مشتركة للحوار وتبادل الأفكار، وتساعد على تجاوز الانقسامات والأزمات.
ووجهت بعاصيري الشكر إلى دار الشروق لمشاركتها في المعرض رغم الظروف الراهنة، معتبرة أن حضورها يعكس التمسك برسالة الثقافة والإصرار على استمرار التواصل الثقافي العربي.
وفي حوارها مع «الشروق»، تتحدث السنيورة بعاصيري عن تحديات إقامة المعرض ومشاركة دور النشر العربية، ومستقبل الكتاب الورقي في ظل انتشار القراءة الرقمية، وسبل حماية حقوق الملكية الفكرية ومواجهة القرصنة، إلى جانب آفاق التعاون الثقافي بين مصر ولبنان.
وإلى نص الحوار:
* بداية، ما التحديات التي واجهت إقامة الدورة الحالية من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، في ظل الظروف التي يشهدها الشرق الأوسط، وفي القلب منه لبنان؟
أحب أن أتقدم بالشكر إلى دار الشروق على اهتمامها وحضورها إلى لبنان رغم الظروف القاسية، ومشاركتها لنا في هذا التحدي بجسارة وإقدام.
وبشأن إقامة المعرض أو تأجيله مع اندلاع الحرب مجددًا في لبنان، خضنا مداولات كثيرة، لكن الإجماع كان على أن الثقافة تعالج الأزمات ولا تتسبب فيها، وتستنهض الرؤى والأفكار وتقدم الحلول والبدائل. ولذلك قررنا إقامة الدورة الحالية، استنادًا إلى تاريخ المعرض الممتد منذ عام 1956، وما مررنا به خلاله من ظروف صعبة، مثل الحرب الأهلية وأزمات أخرى.
ومعرض بهذا الحجم والتاريخ يبعث برسالة إصرار على مواصلة العمل الثقافي رغم الأزمات، ويمنح دور النشر الثقة في استمرار الحركة الثقافية. ويشارك في هذه الدورة 165 دار نشر.
* كيف تقيمين المشاركة مقارنة بالدورة السابقة، وما أسباب غياب بعض دور النشر؟
شارك في الدورة السابقة 116 دار نشر، مقابل 165 دارًا هذا العام. وتدرك دور النشر رسالتها ودورها، وهو ما يساعدنا على اتخاذ قرار إقامة المعرض والاستجابة للتحديات.
لكن بعض دور النشر اللبنانية، خصوصًا الموجودة في الجنوب، تعرضت للتدمير بفعل الحرب الإسرائيلية، فيما تواجه دور أخرى صعوبات مادية بسبب الأزمة الاقتصادية.
أما المشاركة العربية، التي كانت قوية في السابق، فتأثرت بحالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، ولم يعد الحذر مقتصرًا على التعامل مع لبنان وحده. ونأمل أن يؤدي استقرار الأوضاع إلى مشاركة عربية أكبر وحضور محلي أوسع.
* في ظل الأزمة الاقتصادية، هل لا يزال اللبنانيون قادرين على شراء الكتب؟
ندرك أن القدرة الشرائية لدى الجمهور ضعيفة جدًا، لكنه لا يزال متمسكًا بشغفه بالمعرفة والاطلاع. فزيارة المعرض تتيح للزائر التجول والتعرف إلى أفكار جديدة ومتابعة الندوات، دون أن تكون مكلفة بالضرورة.
كما تقدم بعض دور النشر خصومات كبيرة، بما يتيح للقارئ اقتناء كتاب في أحد المجالات التي يهتم بها، حتى في ظل محدودية إمكاناته المادية.
* كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي في ظل التقدم التكنولوجي وانتشار القراءة الرقمية؟
ما يهمنا هو القراءة والاطلاع والاستفادة والتعمق، بغض النظر عن الأداة، لكن طبيعة القراءة الرقمية السريعة قد لا تحقق دائمًا الغرض نفسه الذي توفره القراءة الورقية.
فالكتاب الورقي يتيح المعايشة والتأني والتوقف عند الأفكار ونقدها وتحليلها وإعادة النظر فيها، وهي تجربة لا تتوفر بالقدر نفسه أمام الشاشات. كما أن ما يحمله الكتاب من ذاكرة، وما يتيحه من إحساس بالامتلاك والتعمق، عوامل تساعد على استمراره.
ولا يعني ذلك إلغاء القراءة الرقمية، بل الحفاظ على الكتاب وإتاحة وسائل القراءة المختلفة، مع الاهتمام بتكوين عادات القراءة لدى الأطفال والشباب.
* كيف تعملون على تعزيز حضور الشباب في المعرض؟
حرصنا على توفير مساحات تتجاور فيها الثقافات وتستقبل شرائح متنوعة من الجمهور، إلى جانب تنظيم زيارات للمدارس والجامعات بالتنسيق مع إدارة المعرض.
كما طلبنا من الجامعات تنظيم مسابقات لتصميم أغلفة الكتب وغيرها من الأنشطة، بهدف تعزيز حضور الشباب، ليس من خلال الزيارة فقط، وإنما باعتبارهم جزءًا من صناعة الحدث الثقافي.
* كيف يبدو الدعم السياسي للمعرض في ظل انشغال الحكومة بالأوضاع الراهنة؟
يُقام المعرض عادة تحت رعاية رئيس الحكومة، لكن الظروف الحالية تفرض عليه الانشغال بالوضع السياسي والمفاوضات مع إسرائيل.
ورغم ذلك، حرص رئيس الحكومة نواف سلام على حضور الافتتاح والتجول بين الأجنحة ولقاء القراء، كما شارك في ندوة في يوم آخر. وشهد الافتتاح أيضًا حضور رؤساء الحكومات السابقين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام.
* كيف يمكن للمعرض أن يسهم في الحد من الانقسام السياسي في لبنان؟ وهل تستبعدون مشاركة أي تيار فكري أو سياسي؟
ينشأ الانقسام عندما يتمسك كل فريق بأفكاره وينغلق عليها، لكن عندما يأتي إلى المعرض ويجد مختلف الأفكار حاضرة، يدرك أن له مكانًا، وأن للآخر المختلف معه مكانًا أيضًا. وهذا ما تتيحه الثقافة من مساحة مشتركة للحوار والتفاعل.
ولم نستبعد أي طرف أو تيار. والمعيار لدينا هو احترام حقوق الملكية الفكرية، وألا تمارس دار النشر التزييف أو مصادرة حقوق الآخرين، إلى جانب احترام الرأي الآخر وعدم استفزاز المختلفين معنا.
* ما أبرز الشخصيات التي يحتفي بها المعرض في دورته الحالية؟
حرصنا على تنويع الفعاليات لتشمل شخصيات أسهمت في تشكيل الهوية والثقافة اللبنانية، ومنها الاحتفاء بمرور مائة عام على ميلاد الكاتب والمفكر غسان تويني، والمصلح صبحي الصالح، ومرور قرن ونصف على ميلاد أمين الريحاني.
كما نحيي ذكرى مسرح شوشو بمناسبة مرور 50 عامًا على وفاته، إلى جانب ذكرى مرور ستة أشهر على وفاة الفنان أحمد قعبور.
وتجمع هذه الشخصيات، رغم اختلافاتها الفكرية والسياسية، مساهمتها في تشكيل النسيج اللبناني المتنوع، وإيمانها بالوطن والعمل من أجله.
* دائمًا ما تتردد مقولة «القاهرة تكتب وبيروت تطبع».. كيف تقرئين تاريخ العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان؟
العلاقة الثقافية بين البلدين قديمة جدًا. فقد توجه عدد من الكتاب اللبنانيين إلى مصر، وأسهموا في إحداث نقلة نوعية في الصحافة المصرية، في وقت كانت فيه مصر في ذروة انفتاحها الثقافي، بما أتاح لهم فرصًا أوسع للحضور والانتشار.
وبحكم اتساع مصر وعدد سكانها، استطاعت استيعاب أعداد كبيرة من المبدعين، فيما امتلك لبنان رصيدًا مهمًا من الكتاب والمبدعين. وهكذا تحولت العلاقة إلى تفاعل متبادل امتد إلى المسرح والسينما والرسم والنشر، وأنتج روابط فكرية وإنسانية وثقافية راسخة.
وأعتقد أن مصر ولبنان من أكثر بلدان المنطقة العربية جاهزية في مجالي النشر والتأليف، وهو ما يفسر عمق العلاقة الثقافية بينهما واستمرارها.

سلوى السنيورة خلال حديثها مع محرر الشروق
* كيف تصفين واقع العلاقات الثقافية المصرية اللبنانية حاليًا، في ظل الأزمات التي شهدتها المنطقة؟
لا بد أن نعترف بأن الظروف التي مررنا بها تركت آثارًا جانبية، ولا يمكن القول إن العاصفة مرت دون تأثير. لكن المحبة والمودة لا تزالان حاضرتين، وتؤكد مشاركة دور نشر مصرية في المعرض، وفي مقدمتها دار الشروق، استمرار التواصل الثقافي رغم الصعوبات.
* ما مدى خطورة القرصنة والتعديات على حقوق الملكية الفكرية على صناعة النشر؟
هناك تهديد قوي نتيجة التجاوزات على حقوق الناشر والمؤلف، لكن المواجهة لا ينبغي أن تقتصر على تشديد التشريعات والقوانين، بل يجب أن تتزامن معها توعية القارئ وترسيخ احترام حقوق أصحاب الإبداع.
وكلما ازداد وعي القارئ بهذه الحقوق وأبعاد القرصنة وخطورتها، أصبح شريكًا في مواجهتها، ويمكن أن يتحول إلى حائط صد يحمي صناعة النشر.
* هل تدفع الظروف الاقتصادية بعض القراء إلى اللجوء إلى النسخ المزورة؟ وكيف تؤثر القرصنة على الكاتب؟
أرى أن توعية القارئ بحقوق المؤلف وتذكيره بخطورة القرصنة يمكن أن تجعله شريكًا أساسيًا في المواجهة. فالمسألة لا تتعلق بالحصول على نسخة من كتاب فحسب، وإنما بحق صاحبه في الحماية والتقدير مقابل جهده الفكري.
وتخلق القرصنة حالة من الزعزعة وعدم اليقين لدى الكاتب، الذي يتساءل عما إذا كان سيظل بلا حماية، أم أن هناك جهات وقراء يقفون إلى جانبه ويدافعون عن حقوقه. لذلك، فإن حماية الملكية الفكرية ضرورة لاستمرار الإنتاج الثقافي والفكري.
* كيف يشجع المعرض دور النشر على المشاركة، وما أبرز أنشطة النادي الثقافي العربي على مدار العام؟
نشجع دور النشر على المشاركة من خلال توفير مساحات عرض بتكلفة متواضعة، تبلغ رسومها 60 دولارًا للمتر طوال مدة المعرض. ويمكن للناشر الحصول على جناح بمساحة تسعة أمتار، مع توفير الخدمات كافة.
وبعيدًا عن المعرض، ينظم النادي الثقافي العربي ندوات في مجالات الفكر والثقافة والأدب والشعر، كما يقيم معارض للفن التشكيلي تستهدف الفنانين المبتدئين، دعمًا للجيل الجديد وإتاحة الفرصة أمامه لعرض أعماله.
وتشهد هذه الفعاليات حضورًا يبلغ نحو 100 شخص، لكننا نطمح إلى زيادة المشاركة والوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، خصوصًا الشباب.
* هل تخططون لتوسيع التعاون مع المؤسسات الثقافية المصرية، وفي مقدمتها معرض القاهرة الدولي للكتاب؟
بالتأكيد، نرغب في ذلك، وهناك استعداد للتعاون، لكن تركيزنا حاليًا ينصب على الداخل، في انتظار أن تصبح الظروف مواتية للتوسع.
ونطمح إلى تعاون عربي واسع يتيح تبادل الخبرات وتعزيز الحضور الثقافي المشترك، مع الحفاظ على العلاقات القائمة حتى لا نخسر القريب والبعيد. فالتوسع هدف مهم، لكنه يحتاج إلى ظروف مناسبة تسمح بالبناء على ما تحقق بالفعل.