في قلب جنوب سيناء، حيث تبدو الجبال وكأنها جدران صخرية تحاصر الصحراء من كل جانب، تخفي الطبيعة واحدة من أجمل أسرارها بعيدًا عن الطرق الممهدة وضجيج المدن.
هناك، في عمق وادي التلعة شرق مدينة سانت كاترين، تبدأ حكاية مختلفة، رحلة لا تصل إليها السيارات، ولا يقطعها الزائر في دقائق، وإنما يمضي خلالها ساعات بين الصخور والمنحدرات، سيرًا على الأقدام أو فوق ظهور الجمال، حتى يصل إلى عين مياه تتوسط واحة خضراء تحيط بها الجبال الشاهقة.
وادي التلعة ليس مجرد مقصد لعشاق المغامرة، لكنه لوحة طبيعية تجمع بين الصخور والمياه والنباتات والأشجار المعمرة، وتمنح زائرها إحساسًا بأنه انتقل فجأة من قلب الصحراء إلى واحة هادئة لا تزال تحتفظ بملامحها البكر.
يقول رمضان الجبالي، أحد الأدلاء البدو في جنوب سيناء، إن عين وادي التلعة تعد من أبرز المناطق التي يقصدها محبو الطبيعة والمغامرة، موضحًا أن الوصول إليها يحتاج إلى قدر من التحمل، بسبب طبيعة الطريق الصخرية الوعرة.
ومن مدخل الوادي، بالقرب من البيوت البدوية، تبدأ الرحلة بالترجل أو باستخدام الجمال، وتستغرق في بعض الأحيان ما بين ساعتين و3 ساعات، وفقًا لطبيعة المسار وسرعة الحركة.
وخلال الرحلة، يعبر الزائر ممرات صخرية ومنحدرات جبلية، في مشهد يجمع بين صعوبة الطريق ومتعة اكتشاف المكان، قبل أن تظهر العين وسط الصخور، وكأنها مكافأة طبيعية لمن تحمل مشقة الوصول.
فمع تجمع مياه الأمطار داخل المناطق الجبلية، تنساب المياه بين الصخور وتتجمع في صورة عيون وبرك صغيرة، وفي بعض أوقات العام تظهر شلالات طبيعية تضيف إلى المكان مشهدًا استثنائيًا.
وتحيط الجبال بالعين من جوانب عدة، بينما تمنح المياه والنباتات المكان طابعًا مختلفًا عن الصورة التقليدية للصحراء، إذ تتحول أجزاء من الوادي إلى مساحات خضراء وسط الصخور.
ولا تتوقف مفاجآت الوادي عند المياه، فالمكان يضم حدائق وواحات صغيرة تحتوي على أشجار معمرة، من بينها الزيتون واللوز والجوز والنخيل.
وتعود ملكية عدد من هذه الحدائق إلى أهالي البدو من قبيلة الجبالية، إضافة إلى حدائق تابعة لدير سانت كاترين، في صورة تعكس ارتباط السكان المحليين بالطبيعة التي تحيط بهم واستفادتهم من مواردها عبر أجيال متعاقبة.
وسط هذه المساحات الخضراء، تنمو أنواع مختلفة من النباتات الطبية والعطرية التي تعرفها البيئة الجبلية في جنوب سيناء.
ويشير الجبالي، إلى وجود نباتات من بينها الزعتر البري والحبق والشيح، والتي يستخدمها بعض الأهالي في وصفات تقليدية ومشروبات عشبية، بينما تدخل بعض النباتات في إعداد الشاي وإضفاء نكهات خاصة عليه.
وهكذا تتحول النباتات التي تنبت تلقائيًا في محيط العين إلى جزء من الحياة اليومية لأهالي المنطقة، وتحمل في الوقت نفسه جانبًا من المعرفة الشعبية التي توارثها سكان الجبال.
ولا تقتصر زيارة وادي التلعة على مشاهدة العين والشلالات، فالمكان يعد من الوجهات المناسبة لمحبي سياحة السفاري والتخييم، حيث يستطيع الزائر قضاء ساعات طويلة بعيدًا عن صخب المدن.
ومع حلول الليل، يتغير المشهد تمامًا، تختفي الحركة ويصبح صوت الطبيعة هو الحاضر الوحيد، بينما تبدو السماء أكثر وضوحًا فوق الجبال، لتمنح محبي التخييم فرصة لمعايشة الصحراء في صورتها الأكثر هدوءًا.