- عماد البشتاوي: "مجلس السلام" يعكس تحولات النظام الدولي وتوجهات ترامب
- أحمد أبو الهيجاء يشكك في وضوح رؤية "مجلس السلام" منذ الإعلان عنه
- رائد نعيرات: المجلس محاولة أمريكية لتجاوز المنظومة الدولية القائمة
- سليمان بشارات: المجلس يهدف إلى حماية إسرائيل من تداعيات حرب غزة
يرى خبراء فلسطينيون أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكيل "مجلس السلام" يتجاوز كونه مبادرة لمرحلة ما بعد الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بقطاع غزة ودعمتها واشنطن سياسيا وعسكريا واستخباراتيا قبل أن توقفها في 10 أكتوبر 2025.
ويعتقد هؤلاء في تصريحاتهم للأناضول أن هذا المجلس يشكل خطوة لإعادة تشكيل النظام الدولي عبر أطر بديلة عن منظومة الأمم المتحدة، بقيادة أمريكية مباشرة.
والخميس، تم توقيع ميثاق "مجلس السلام" في بلدة دافوس بسويسرا، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، بحضور ترامب وعدد من قادة وممثلي الدول الأعضاء.
وكان الإعلان عن المجلس تزامن مع الحديث عن وقف الحرب بغزة والانتقال إلى مرحلة ما بعدها، ما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية والأكاديمية الفلسطينية حول طبيعة المجلس وصلاحياته وأهدافه، وما إذا كان إطارا مؤقتا لمعالجة الأوضاع الإنسانية والأمنية، أم أداة سياسية لإعادة تعريف إدارة النزاعات عالميا.
الخبراء يجمعون في تصريحاتهم للأناضول، على أن توقيت الإعلان، وطبيعة الوثائق المتداولة، وتركيبة المجلس المقترحة، والسياق الدولي، تشير إلى أن غزة قد تكون نقطة انطلاق أو ساحة اختبار لمشروع سياسي دولي تقوده الولايات المتحدة.
ويهدف هذا المشروع إلى تقويض دور الأمم المتحدة، وإعادة إدماج إسرائيل في النظامين الإقليمي والدولي، وحمايتها من المساءلة القانونية على خلفية حرب الإبادة التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين، وفق الخبراء.
ويحذرون من حصر المجلس في إطار تقني أو إنساني، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات تمس مستقبل غزة، والقضية الفلسطينية، وشكل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب.
** المجلس وصلاحياته
في سبتمبر 2025، طرح ترامب لأول مرة فكرة إنشاء المجلس ضمن خطة قال إنها لإنهاء الإبادة الإسرائيلية بغزة.
ولاحقا وسّع الرئيس الأمريكي صلاحيات المجلس لتشمل النزاعات الأخرى حول العالم وليس غزة فقط.
وكشف ميثاق المجلس أنه "منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة بناء حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات".
وينتقد الميثاق بشدة المؤسسات الدولية التي فشلت مرارا في معالجة أزمات العالم، في إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة وتلميحا لإمكانية استبدالها.
وبدعم أمريكي بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 حرب إبادة جماعية بغزة استمرت عامين، وخلّفت أكثر من 71 ألف شهيد وما يزيد عن 171 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر 2025.
**غزة نقطة اختبار لنظام دولي جديد
أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل عماد البشتاوي يرى أن "مجلس السلام" يرتبط بتحولات النظام الدولي وبالتوجهات السياسية والفكرية لإدارة ترامب.
ويقول إن "القضية لا تتعلق بقطاع غزة أو بمرحلة انتقالية مؤقتة، بل إن هناك أدوارا أوسع مرسومة للمجلس"، مرجحا أن "تكون غزة التجربة الأولى لنموذج قد يتحول لاحقا إلى مجلس دائم للتعامل مع أزمات عالمية متعددة".
ويوضح أن تصريحات ترامب وسلوك السياسة الأمريكية خلال السنوات الماضية تعكس نزعة لإعادة ترتيب المؤسسات الدولية، مشيرا إلى أن ترامب وجه انتقادات متكررة للأمم المتحدة وشكك في جدواها.
ويضيف أن استعداد دول كبرى للانضمام إلى المجلس يدل على أن المشروع يتجاوز غزة، وقد يشكل محاولة لإنشاء إطار دولي جديد لإصلاح المنظومة القائمة أو استبدالها تدريجيا.
ويشير البشتاوي إلى أن العالم يمر "مرحلة مخاض دولي حقيقية"، تتبلور خلالها ملامح نظام عالمي جديد تحكمه توازنات المصالح بين القوى الكبرى.
ويعتبر أن الصدام قد يحدث إذا حاولت الولايات المتحدة الاستئثار بالقرار، بينما قد تقود تقاسم المصالح إلى توافقات دولية جديدة.
** مجلس بلا هوية
بدوره، يعرب الكاتب والخبير السياسي أحمد أبو الهيجاء عن تشككه من وضوح الرؤية الكامنة خلف تشكيل المجلس، معتبرا أن الغموض يحيط به منذ لحظة الإعلان.
ويقول إن المشهد الحالي "يعكس خليطا من كل شيء، وإن ترامب لا يبدو أنه يمتلك تصورا مكتملا لبعض القضايا التي يطرحها".
ويوضح أن الإعلان عن المجلس فاجأ دولا اعتقدت في البداية أنه سيكون محدود العضوية والمهام، وربما مقتصرا على غزة، قبل أن يتضح أنه مفتوح أمام دول من مختلف أنحاء العالم.
ويحذر الكاتب الفلسطيني من أن "هذا التوسع قد يفقده الفاعلية".
ويشير إلى أن التجارب السياسية أظهرت أن الأجسام الدولية الواسعة غالبا ما تتحول إلى أطر شكلية تُدار فعليا من قبل عدد محدود من الدول المؤثرة.
ويلفت إلى أن طرح عدة أطر لإدارة غزة في وقت واحد يعكس حالة تخبط، متسائلا عن جدوى إضافة مجلس جديد يعمل خارج إطار الأمم المتحدة.
ويلفت أن إلى الانفراد الأمريكي بإدارة الملف يثير الريبة لدى الفلسطينيين، وحتى داخل إسرائيل، في ظل تقلب مواقف ترامب.
في المقابل، يرى أبو الهيجاء أن إشراك دول مثل تركيا وقطر قد يحمل مؤشرات إيجابية تتعلق بتقديم تطمينات لبعض الأطراف الفلسطينية، لكنه يشدد على أن غياب المرجعية الواضحة وعدم تحديد الأدوار يجعل المجلس أقرب إلى تجربة ستتضح نتائجها مع الوقت.
** تجاوز المنظومة الدولية
أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية رائد نعيرات يعتبر أن المجلس يمثل محاولة أمريكية لتجاوز المنظومة الدولية القائمة، وليس مجرد إطار لمعالجة ملف غزة.
ويقول إن ما يجري تداوله بشأن وثيقة المجلس يدل على أن الطرح يتجاوز القضية الفلسطينية، في ظل حديث متزايد عن إعادة بناء أو إعادة هيكلة النظام الدولي.
ويفيد بأن الإعلام الإسرائيلي تناول الخطوة باعتبارها مسعى من ترامب لتجاوز الأمم المتحدة وإنشاء منظومة جديدة تقودها الولايات المتحدة، معتبرا أن ترامب يسعى إلى أن يكون صاحب القرار النهائي، متجاوزا حتى آلية الفيتو في مجلس الأمن.
ويوضح نعيرات أن التداخل بين ما يعكس سياسة أمريكية مؤسسية وما يرتبط بعقلية ترامب الشخصية يزيد من حالة عدم اليقين، مشككا في فرص نجاح مجلس السلام، حتى في مهمته الأولى المتعلقة بغزة، في ظل التعقيدات السياسية والميدانية وغياب القبول الدولي الواسع.
** حماية إسرائيل
من جانبه، يرى مدير مركز يبوس للدراسات سليمان بشارات أن المجلس يهدف بشكل غير معلن إلى حماية إسرائيل من تداعيات حرب الإبادة على غزة.
وينبه إلى أن المجلس طُرح بداية للإشراف على وقف إطلاق النار وتنفيذ خطة ترامب، قبل أن يتحول إلى أداة لتحقيق أهداف سياسية أخرى.
ويذّكر أن إسرائيل واجهت بعد الحرب عزلة دولية غير مسبوقة، وملاحقات قانونية أمام محكمتي العدل الدولية والجنايات الدولية، إضافة إلى إدانات واسعة داخل الأمم المتحدة، معتبرًا أن إنشاء إطار بديل للمنظومة الدولية التقليدية يهدف إلى تحصين تل أبيب من المساءلة وإضعاف تلك المؤسسات.
ويشير بشارات إلى أن التقارب بين ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في نزعة الهيمنة يشكل عاملا داعما للمضي في هذا المشروع، مستندين إلى موازين القوة والدعم الذي تحظى به إسرائيل.
كما يلفت إلى أن اشتراط دفع مليار دولار للانضمام إلى المجلس، مع إخضاع العضوية للتقييم، يعكس ابتزازا سياسيا وماليا، ويؤكد سعي الولايات المتحدة للسيطرة على القرار وآليات اتخاذه.