نبيل نعوم يكتب: الوداع المعماري الفنان عمر الفاروق - بوابة الشروق
الجمعة 22 مايو 2026 11:15 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

نبيل نعوم يكتب: الوداع المعماري الفنان عمر الفاروق


نشر في: الجمعة 22 مايو 2026 - 6:40 م | آخر تحديث: الجمعة 22 مايو 2026 - 6:44 م

خرج فى النهار ورحل عنا أخيرا صديقى المعمارى متعدد المواهب والقدرات عمر الفاروق الذى عاش حياته فى الحقيقة.

بحث عنها وحققها فى فلسفة المعمار والحياة فى تألق يجمع بين فهم المادة وشفافية التصوف. أما صداقتى القوية بعمر فتمتد لسنوات عديدة قبل جيرتنا بقرية تونس فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، إذ ترجع لعام 1976 حين تخرجى في كلية الهندسة وتعيينى بمعهد بحوث البناء وكان هو سابقا لى بالمعهد ربما بعام أو اثنين كمهندس معمارى بينما كان تخصصى الهندسة المدنية قسم ميكانيكا التربة.

كان البحث الذى أقوم به يتعلق بمحاولة تطوير الطوب اللبن لتحمل بعض الأجواء الممطرة.

وهنا حدثت فى حياتى النقلة الهامة حيث عرفنى على المهندس العملاق حسن فتحى وفى الوقت نفسه على كنوز قاهرة المعز التى كان يعرف تفاصيلها من مساجد ومدارس ومنازل وتكيات من العصور المتتالية الفاطمية والمملوكية والعثمانية وما تلى.

لم يكن عمر خبيرا فقط بالمبانى، بل كان عاشقا للتفاصيل من أبواب ومشربيات وقبب ومآذن وأنواع النقوش والمواد المستعملة وخلافه وبالطبع كان لهذا أثر كبير على مدى نجاحه كمعمارى فذ وقد توج أعماله بتصميم وتوسيع مسجد أبى الحسن الشاذلى فى محافظة البحر الأحمر، وأيضا منزله الفريد بقرية تونس والذى صورت به بعض مشاهد مسلسل لعبة نيوتن للمخرج الموهوب تامر محسن.

كما عرفنى على العديد من أصحاب مفاتيح كنوز قاهرة المعز من مساجد ومنازل أثرية. وهناك ترددت معه على منزل المعمارى الفيلسوف حسن فتحى بمنزله بدرب اللبانة.

فى أول الأمر، وبسلاسة وحرفية عمر فى القيام بتعريف الأشخاص ببعضهم جعل فى أول الأمر موضوعا بحثيا فى محاولة تطوير الطوب اللبن وسيلة لإقامة مادة لاهتمام حسن بيه كما كان الجميع يسمونه.

وبفضل هذه الهدية القيمة من عمر بتعريفى على أسطورة فن البناء بالطوب اللبن وفلسفته العميقة التى شربها وعاشها من بعده المعمارى عمر الفاروق كأحد تلاميذه المقربين.

فى منزله بدرب اللبانة رأيت كيف يجلس زوار حسن بيه من المعماريين الشبان من جميع الجنسيات من حول الأستاذ وأحيانا على الأرض للاستفادة من فلسفته فى فن البناء وأيضا فى فن الحياة،

وكان أحيانا يعزف على آلة الكمنجة بعض قطع الموسيقى التى يفضلها. هكذا خلال العامين أثناء عملى فى معهد البناء وقبل سفرى إلى الولايات المتحدة وبتوطد الصداقة بينى وبين عمر الفاروق الذى مازلت أذكر زياراتى له بشقته الفاخرة بميدان باب اللوق بعمارة الدكاترة،

وبمتعة أكل الحمام المحشى أحيانا بالمطعم الشهير أسفل العمارة بعد جولة فى قاهرة المعز حيث فتح عينى على التراث المعمارى الفاطمى والمملوكى خاصة الذى كان ملما بكل تفاصيله.

التراث الذى تفوق قيمته وزن ذهب العالم كله. التراث الذى يجب الحفاظ عليه والاهتمام به والذى أثر على العديد من مدارس المعمار والتشكيل لقرون تالية. لم تكن مقدرة عمر على إنشاء المبنى كمعمارى بمرجعية لتاريخ طويل من المعمار الإسلامى كما فى قاهرة المعز بجوامعها وتكياتها ودواوينها وسُبلها وبيوتها، ولكن أيضا على استمرار إحياء الحرف المختلفة المتصلة بطرق البناء فى وقتنا الحالى والرجوع إلى مهارات كادت تندثر لبناء القبب والعقود والقباب،

والاستعانة ربما بآخر الحرفيين القادرين على استعمال مهاراتهم لإتمام مثل تلك العناصر. وإن كان من قبله برع المهندس حسن فتحى والمهندس رمسيس ويصا واصف فى البناء باستخدام الطوب اللبن وخاصة فيما يتعلق بالقبب والقباب فقد برع المعمارى عمر الفاروق فى بناء القبب بالحجر كما فعل فى العديد من المبانى التى قام ببنائها وخاصة مثلا منزله بقرية تونس والذى استغرق بناؤه 20 عاما.

وكما يقول فى أحد لقاءاته التلفزيونية القليلة «ليس بإمكانى بناء بيت زى بيت الفيوم حاليا بسبب عدم وجود الحرفيين زى مثلا اللى بنوا القبة، ولا ربما حتى المهندس اللى يعرف يرسمها». وكان سوء التعليم فى نظره أحد أسباب العجز عن استمرار القدرات المعمارية المتوارثة.

وقد اعتمد عمر الفاروق فى مبانيه على مهارات الحرفيين المختلفة فى البناء كما فى القبب وملاقف الهواء التى كان يعتبرها بديلا هاما لتدوير حركة الهواء مما يقوم بتبريد الهواء وأيضا باستخدام الحوائط السميكة، لتقليل الحاجة للتكييف بشكل كبير. وفى منزله فى قرية تونس استخدم عمر أحجار البناء من حجر محلى مثل حجر قارون فى الفيوم. كما أعاد استخدام المشربية التى لم تكن فقط للستر، ولكن أيضا للتحكم فى مقدار الضوء الداخل إلى المنزل حسب تصميم المشربية.

واستخدم أيضا الكتابات القرآنية والزخارف كعودة للهوية الإسلامية. فالعمارة بالنسبة له لم تكن كمنتج للسكن فقط، ولكن كأسلوب للحياة، وككائن حى يتطور تدريجيا، وليس تصميما ثابتا من البداية، باعتبار أن الزمن أحد عناصر التصميم كما أن للزخرفة وظيفة روحية وليست سطحية، وهنا يقع الفرق بين أبعاد هذه المدرسة فى البناء، وبين مدارس العمارة الحديثة المعتمدة على الخرسانة والحديد والزجاج.

وإن كان حسن فتحى منظرا ومهتما بتصميم مساكن بسيطة منخفضة التكلفة كما فعل فى قرية القرنة ولذا كان يلقب بمهندس الفقراء، فإن المعمارى الفذ عمر الفاروق اهتم بفن البناء كمطبق حرفى وتجريبى طويل النفس كما فعل فى بناء منزله، معتمدا على فلسفة إحياء العمارة الإسلامية المناخية. مع عمر لم نمل أبدا تكرار الحكايات واكتشاف حلاوة الجديد والمُعاد.لا فراق يا صديقى الذى بنى وحقق الخيال فى الحجر والخشب المعشق والزجاج الملون، وعشق الطيب من الطعام وغرم العطور الزكية. الوداع يا صديقى الإنسان الصوفى الذى كان قادرا على الإمساك بطرفى النقيض الماضى والمستقبل، والذى عاش دائما فى الحقيقة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك