تشكل الأسرة العلوية جزءًا مهمًا من تاريخ مصر الحديث. فقد حكمت أسرة محمد علي باشا البلاد ما يقارب القرن والنصف، وارتبطت بها حقبة الملكية التي شكّلت مطلع التاريخ الحديث لمصر.
لم تكن مصر قبل محمد علي كما كانت بعده. فهو مؤسس مصر الحديثة كما يراه كثيرون؛ إذ عرفت البلاد في عهده وعهد أبنائه الجيش الوطني بعد قرون من الاعتماد على الجنود الأجانب، كما شهدت التحديث والانفتاح على الغرب، والاستقلال النسبي عن الدولة العثمانية، وظهور مؤسسات مثل مجلس الوزراء (النظار)، والدستور، ومجلس النواب.
لكن هذه الحقبة شهدت أيضًا أزمات اقتصادية واجتماعية، وتدخلًا أجنبيًا، وتفاقم الديون، وصولًا إلى الاحتلال الإنجليزي. كانت سنوات مليئة بالإنجازات والإخفاقات، لكن لكل بداية نهاية.
يهتم الكثير من المؤرخين بالأحداث التي تتعلق بالأسرة العلوية، لكننا قلما نجد اهتمامًا بنهايات حكام هذه الأسرة، ليس نهاية الأسرة ككل، إنما نهاية كل حاكم على حدة. من هذه النقطة ينطلق كتاب "عروش تتهاوى.. النهايات الدرامية للأسرة العلوية" للكاتب والباحث محمد غنيمة، الصادر عن دار الرواق للنشر والتوزيع.
يعود غنيمة إلى تاريخ هذه الحقبة مهتما باللحظة الأخيرة لكل حاكم على امتداد عصر الأسرة، لكنه لا يعرض الوقائع بشكل أكاديمي جاف، بل يغوص في اللحظة الإنسانية خالقا مشهدا سينمائيا.
ينجح الكاتب في تحويل التاريخ الخام إلى لحظة بشرية من لحم ودم، بلغة يغلب عليها الأدب والجمالية المشهدية، عبر وصف يشتبك مع المشاعر البشرية، بعيدا عن هالة الحكم والنفوذ التي يصبغها التاريخ على الحكام عادة.
إنه، مثلما وصفه الكاتب والمؤرخ الدكتور محمد عفيفي في مقدمته للكتاب، يحذو حذو الكتاب المؤرخين الذين يستخدمون الطابع الأدبي في تناول التاريخ، أمثال جرجي زيدان، وهو بالفعل ينجح في ذلك، ويخلق عملا دراميا يمتزج فيه التاريخ بالأدب.
في الكتاب نرى محمد علي باشا، الحاكم العظيم ومؤسس مصر الحديثة، وهو في أواخر أيامه يعاني من الخرف، ويُعزل من منصبه الذي طارده عمرا كاملا، وفعل كل شيء من أجله، وعلى يد ابنه وقائد جيشه إبراهيم باشا.
إبراهيم باشا، القائد العسكري العظيم الذي تدرس خططه العسكرية في الجامعات الحربية، نجده في أيامه الأخيرة وقد تمكن منه المرض العضال، ولم يهنأ بكرسي الحكم إلا شهورا معدودة قضاها في المرض.
بعد ذلك نشاهد عباس حلمي الأول، الذي أوقف إصلاحات جده الباشا الكبير، ونقم على الجميع من أتباعه، وكره الفرنسيين كرها جما، وقرب منه الإنجليز، حتى صار الجميع يتربص به فعلا.
هنا يبرع محمد غنيمة في نسج الحالة التي عليها عباس حلمي عبر إدخال زوجته في السرد، لنقرأ ما وصل إليه على لسانها، في حيلة أدبية درامية فريدة عمقت الحكاية، وجعلتها في شكل نفسي ملحمي، خاصة مع نهاية عباس الدرامية بالقتل.
بعد ذلك نرى محمد سعيد باشا، الرجل صاحب امتياز حفر قناة السويس للمهندس الفرنسي ديلسبس، وقد تعايش مع انفضاض الناس من حوله في أواخر أيامه، وكيف رأى نفسه، بشكل ما، مصريا رغم كل شيء.
هناك أيضا الخديوي إسماعيل، الرجل الذي بعث الإصلاحات في كل مناحي مصر، وأرادها قطعة من أوروبا، لكنه استدان في سبيل ذلك ديونا قصمت ظهره، وظهر البلد.
يدخلنا الكاتب إلى لحظة عزله، والفرمان الصادر من الباب العالي بالآستانة، ورد فعله، وتسليمه زمام الأمور لابنه توفيق الذي سعى دائما لتولي الحكم، والعجيب أن يأتي الأمر بعزله.
في فصل الخديوي توفيق نرى المشهد الأخير في حياة الحاكم الخائن بعدما تمكن المرض منه، وكأنما المرض نهاية حتمية لأبناء الأسرة العلوية. يستعيد الوالي مشاهد الثورة العرابية، وما حدث من أحمد عرابي، فيراه خائنا، بينما يرى التاريخ شيئا آخر.
نذهب بعد ذلك إلى الخديوي عباس حلمي الثاني، كاره الإنجليز، الذي استلم دولة محتلة وحاول أن يعلي كلمتها بشكل ما، لكنه اصطدم بالظروف التي أرادته معزولا ومنفيا.
نقابل في صفحات الكتاب السلطان حسين كامل، الرجل الذي لا تزخر كتب التاريخ بقصته، ويمكننا تعزية ذلك لقصر فترة حكمه، وربما لأنه لم يكن الحاكم الفعلي، بل مجرد اسم تحت حماية المعتمد البريطاني.
نتقاطع بعدها مع السلطان والملك أحمد فؤاد، فنراه وهو يتذكر كيف أصابه العرش بعدما كان أبعد ما يكون عنه، وكيف تحول من السلطان إلى الملك في محاولة لانتزاع أي سلطات يحكم بها في كنف الاحتلال الإنجليزي.
في المحطة الأخيرة نلتقي مع الملك فاروق، وفي أجواء درامية نشاهد المشهد الأخير للأسرة العلوية، حيث نهاية الطريق عبر ثورة يوليو عام 1952.
وعلى يخت المحروسة يذهب آخر أفراد أسرة محمد علي، الملك الصغير أحمد فؤاد الثاني، إلى منفى جده إسماعيل؛ لتنتهي الملكية إلى الأبد.
في نهاية هذه الرحلة التاريخية يمكننا القول إن محمد غنيمة قد صنع عملا يزاوج بين الواقعة التاريخية، والأدب، والدراما، مع مشهدية سينمائية، صانعا مرجعا تاريخيا للحظات الأخيرة من حياة الأسرة العلوية المثيرة للجدل.