مهمتي في إسرائيل.. مذكرات أول سفير مصري في تل أبيب - بوابة الشروق
الجمعة 13 فبراير 2026 4:11 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

من مكتبة دار الشروق..

مهمتي في إسرائيل.. مذكرات أول سفير مصري في تل أبيب

مهمتي في إسرائيل.. مذكرات أول سفير مصري في تل أبيب
مهمتي في إسرائيل.. مذكرات أول سفير مصري في تل أبيب
عرض: دينا عزت
نشر في: الجمعة 27 يناير 2017 - 9:42 م | آخر تحديث: السبت 28 يناير 2017 - 10:23 م

- أمريكا عارضت لسنوات طويلة محاولات إسرائيل ضم القدس والجولان المحتلتين إليها

- تل أبيب تتخذ قراراتها دون أي اعتبار لمواقف الدول العربية التي تتفاوض معها أو التي تربطها بها علاقات رسمية

 

- الدولة المصرية بذلت جهودا مضنية من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل لكنها فشلت أمام الرفض الشعبي الصارم


"ولقد اجتاحت الشعب في مصر موجة غضب شديد إزاء ما حدث في صبرا وشاتيلا، وتعالت النداءات من الفئات المثقفة والشعبية تطالب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وذهب بعضها إلى حد المطالبة بإلغاء معاهدة السلام وطالب البعض بإبعاد السفير الإسرائيلي من مصر وإغلاق سفارة إسرائيل في القاهرة.


وفي صباح الحادي والعشرين من سبتمر ١٩٨٢ اتصل بي الدكتور أسامة الباز مدير مكتب الرئيس للشؤون السياسية، وفهمت علي الفور أن قرار استدعائي قد اتخذ، قبل أن يبلغني به لأن تطور الأحداث كان يستلزم ذلك التصرف، فالرئيس مبارك رفض أن يستسلم للانفعالات الشعبية والمطالبة بقطع العلاقات مع إسرائيل أو إبعاد سفيرها، واتخذ قرارا مدروسا بسحب سفيره من إسرائيل، وأعلنت وزارة الخاجية قرار استدعاء السفير من تل أبيب للتشاور وكان ذلك تعبيرا عن الاستياء البالغ للحكومة المصرية".


هكدا وصف سعد مرتضى الدبلوماسي المصري، بداية النهاية لمهمته أول سفير لمصر لدى إسرائيل في أعقاب مذبحة صبرا وشاتيلا، وهي المهمة التي أوكلت إليه في ١٩٨٠ في أعقاب اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، كما أنها المهمة التي وصفها له في حينه الرئيس أنور السادات بأنها "فريدة"؛ حيث يكون أول سفير مصري في إسرائيل وذلك في ختام سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي.


كلمات سعد مرتضى جاءت في الفصل الأخير من كتابه الصادر عن دار الشروق عام ٢٠٠٨ «مهتي في إسرائيل - مذكرات أول سفير مصري في تل أبيب».



ويأتي الوصف الذي قدمه «مرتضى» لتفاصيل إبلاغه باستدعائه من إسرائيل التي كان قد وصلها في الأسبوع الأول من نوفمبر عام ١٩٨٠ في أعقاب الإعلان عن تكليفه بالمهمة في نهايات عام ١٩٧٩، بعد أيام قليلة من إخبار الدكتور بطرس غالي له بهذا التكليف، يأتي مشابها لحد كبير في الوصف الذي يقدمه السفير المصري في الفصل الأول من الكتاب لتفاصيل استعداده الأول للذهاب الى إسرائيل بدءا بالمشاركة في قمة أسوان التي ضمت السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجين في يناير ١٩٨٠ مرورا بلقاء العشرين دقيقة الذي جمعه مع السادات في منزل الرئيس بالجيزة حيث أبلغه الرئيس "أنك ستمثلني أنا شخصيا".

ثم استعدادات المهمة من لقاءات هامة وتفاصيل تأمينه وصولا إلى ركوبه طائرة صغيرة برفقة مجموعة محدودة من وفد أول سفارة مصرية في إسرائيل وما دار بذهنه أثناء الرحلة التي استمرت أكثر قليلا من ساعة وصوله إلى مطار تل أبيب؛ حيث قابل إلياهو بن اليسار المتجه للقاهرة، ليكون أول سفير لإسرائيل لدى مصر ثم لقائه مع الرئيس الإسرائيل إسحاق نافون بعد تقديم أوراق اعتماده في السادس والعشرين من فبراير عام ١٩٨٠.


في وصفه لساعات المغادرة لإسرائيل بعد مهمة ٣١ شهرا يتحدث «مرتضى» عن إجراءات أمنية استثنائية ورحلة عودة برية عبر سيناء وانسحاب رجال الأمن الإسرائيليين عند وصول موكب السفير إلى رفح.


وفيما بين مشاهد الاستعداد للمهمة ومشاهد الانتهاء منها يقدم كتاب سعد مرتضي الواقع في أكثر من ٣٠٠ صفحة من القطع الكبير، والذي يقول السفير المصري عنه أنه ليس تجميعا مرتبا لما حدث وإنما هو سرد مبسط، وجاء خاليا من الوثائق ومن تفاصيل استدعت المحاذير عدم ذكرها، ما يعتبر شهادة بالغة الأهمية عن فصل كثيف التفاصيل والتعقيدات من العلاقات المصرية-الإسرائيلية وأيضا مسار التفاوض من أجل التسوية بين إسرائيل والعرب.


شهادة «مرتضى» ليست بالأساس عن تلك المهمة الدبلوماسية التي وقعت في نهاية حكم السادات قبل اغتياله في أكتوبر ١٩٨٠ وانتهت في السنوات الأولى لحكم حسني مبارك.


شهادة «مرتضى» تحمل، ربما عن دون قصد، قراءة موثقة لمنهج إسرائيلي واضح لا يبدو في ظل أحداث اليوم قد وقع عليه أي تغيير، إلا من ازدياد في التشدد؛ لصياغة العلاقات العربية-الإسرائيلية واختيار الحلفاء، كما وأنها أيضا تشي ربما عن غير قصد بظلال لمواقف عربية من إقامة علاقات مع إسرائيل لإنهاء الصراع في جمل عابرة مثل إشارته إلى أن «السعودية والأردن» اكتفا بإبداء الدهشة إزاء قرار الرئيس السادات السفر للقدس سعيا للسلام.


ويحمل الفصل الثامن لكتاب «مرتضى» مقطعا من أهم المقاطع الكاشفة في هذه الشهادة حول السياسات الإسرائيلية، بل ربما الثوابت الإسرائيلية للتفاوض؛ ففي الفصل المعنون «مصر في جانب الشرعية الدولية» يتحدث الكاتب عن عدد من القرارات التي أصدرتها حكومة «بيجين» في الشهور الأولى للسلام المصري الإسرائيلي وحتى تسببت في توتر العلاقات، مؤكدا أن «سياسة إقامة المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة» كانت علي رأس هذه القرارات.

وأشار في الوقت نفسه –بلغة لا تخلو من استياء غير معلن– إلى أن «اتفاقية كامب ديفيد لم تنص علي عدم شرعية أو وجوب وقف بناء المستوطنات، رغم ادعاء إسرائيل أن الهدف من هذه المستوطنات تأمين أراضيها ورغم ما صرح به المسؤولون الإسرائيليون أنهم يستخدمون الموارد المائية لكل المستوطنات وكل الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧ وإن اسرائيل ليست بصدد التفاوض على المياه حتى "عند انضمام" باقي الدول العربي للتفاوض.


«مرتضى» يتحدث في الفصل ذاته عن قانون ضم القدس الشرقية في يوليو ١٩٨٠؛ بناء على مشروع قانون مقدم من عضو الكنيست السيدة جيئولا كوهين عضو حزب "هتيما" المتطرف، واتساقا مع ما أعلنه المفاوضون الإسرائيليون لنظرائهم من المصريين بشأن أن إسرائيل تصر علي أن القدس موحدة "منذ عهد الملك داوود" وليس عليها سيادتان وذلك في سياق الرفض الإسرائيلي للمقترح المصري بأن تبقى القدس موحدة على أن تكون القدس الشرقية واقعة تحت السيادة العربية تحت إشراف مجلس الأمن الدولي.


ويقدم هذا الفصل نفسه قراءة في تاريخ حدود المواقف الأمريكية تقليديا إزاء ما تقوم به إسرائيل في ملف الصراع العربي-الأسرائيلي، والتي تمثل تذكيرا لافتا باختلاف المواقف الأمريكية القادمة ربما تحت عهدة الرئيس الجديد دونالد ترامب؛ حيث يشير «مرتضى» إلى أنه بعد ضم القدس الشرقية كان بيجين يعتزم نقل مكتبه إلى القدس الشرقية وأن ما أوقفه عن فعل ذلك هي الانتقادات الأمريكية الشديدة التي وصلت لوصف مثل هذاالقرار بأنه «يعرقل» مسيرة السلام، كما يشير أيضا إلى امتناع الولايات المتحدة عن التصويت ضد أول قرار يصدر عن مجلس الأمن لإدانه إسرائيل اتصالا بضم القدس الشرقية حيث طالب القرار البلاد التي لها سفارات في المدينة بنقلها إلى مدن أخرى داخل إسرائيل.


وتشمل مذكرات «مرتضى» عن مهمته سفيرا لمصر في إسرائيل أيضا إشارات إلى مواقف أمريكية رافضة لتبني إسرائيل قانون ضم الجولان في ديسمبر ١٨١ ومن ذلك قرار واشنطن وقف محادثات التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل وهو ما أثار حفيظة بيجين الذي أعلن رفضه أن تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل كما لو كانت «من جمهوريات الموز»٫ واستمرار الولايات المتحدة رغم ذلك في دعم قرار صادر عن مجلس الأمن بإجماع الآراء وصف فيه قانون ضم الجولان بأنه غير مشروع.


سياقات المواقف الأمريكية التقليدية إزاء السياسات الإسرائيلية يعرج عليها أيضا «مرتضى» في وصفه للتدخل الأمريكي الذي قام به الرئيس رونالد ريجان في عام ١٩٨٢ "بصورة حاسمة" مع إسرائيل أثناء اجتياح بيروت.

كما يلفت «مرتضى» في كتابه للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه إسرائيل في اتخاذ إقرارات دون أن تعبأ كثيرا بما قد يعنيه ذلك لحال التفاوض العربي الاسرائيلي ليس فقط من خلال قرارات مثل ضم القدس الشرقية والجولان التي مثلت مفاجاءة للقاهرة حسبما يروي ولكن ايضا في قرار تدمير المفاعل النووني العراقي في السابع من يونيو بعد ثلاثة ايام علي لقاء الرابع من يونيو الذي جمع الرئيس المصري مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في شرم الشيخ.


ويعد الفصلان السادس «مسيرة التطبيع» والعاشر «السلام والسلام البارد» من أهم فصول كتاب «مرتضى» حيث إنهما يوجزان حديثا مازال دائرا اليوم بعد قرابة ٤٠ عاما عن وصول أول سفير مصري لإسرائيل حول المدى الذي يمكن أن تذهب له الدولة المصرية علي صعيد والشعب المصري والمثقفين المصريين علي صعيد اخر في قبول علاقات "عادية " مع اسرائيل.


في حديث التطبيع يذكر «مرتضى» أن جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل أثناء حرب أكتوبر، كانت تعتبر أن التطبيع يعني ببساطة أن يتمكن الإسرائيليون من الذهاب للقاهرة للتسوق الاعتيادي، كما يلفت إلى أن الرئيس الإسرائيلي اسحاق نافون، كان يرى كما أخبر يوما مجموعة من الشباب المصري الذين زاروا إسرائيل، أن زيارة المواطنين أهم بكثير من زيارة المسؤولين.


كما يشير «مرتضى» في حديثه عن التطبيع إلى أن القاهرة وافقت علي التمثيل الدبلوماسي وإرساء الموصلات البحرية، الجوية وأشكال الاتصالات المختلفة ووافقت أيضا على اشتراك إسرائيل في معرض الكتاب الدولي بل وأقامت معرضا لأعمال محمود سعيد في أبيب، ولكن الواقع أن الشعب المصري لم يقدم علي زيارة الجناح الإسرائيلي في معرض الكتاب كما لم يقدم على السفر لإسرائيل رغم تأسيس شركة طيران؛ لتفادي وقوع مصر للطيران تحت قرار المقاطعة العربية في حال تشغيل رحلات القاهرة تل أبيب.


ورغم أن شهادة «مرتضى» تشير إلى استمرار التعاون المصري-الإسرائيلي بعد اغتيال السادات، الذي أثار حزنا كبيرا في إسرائيل، في بدايات عهد مبارك علي مسارات بيع البترول لإسرائيل والتعاون الزراعي لاستصلاح نصف مليون فدان في شرق الدلتا واستقدام وسائل الزراعة الحديثة من إسرائيل والنظر في إمكانات التعاون الصناعي، إلا أنه يصف مشاركة «بيجين» في جنازة السادات بأنها كانت بداية لما دأب الإسرائيليون على وصفه بالسلام البارد ويعرض أيضا لرواية لم تتردد كثيرا عن ترتيبات جرت في أول حكم مبارك لزياره له لإسرائيل تم إلغاؤها علي خلفية إصرار مبارك عدم زيارة القدس وإعلان «بيجين» أنه لن يلتقي بالرئيس المصري في تل أبيب.


الفصل الرابع في الكتاب يضم أهم الساسة الإسرائيليين الذين كان لهم دورا في صياغة بدايات العلاقات المصرية الإسرائيلية مثل بيجين وشيمون بيريز وإسحاق رابين واسحاق شارون، الذي أصر عند أول زيارة قام بها للرئيس مبارك في بدايات حكمه أن ياتي بالطريق البري عبر سيناء وليس عبر الممر الشمالي الذي كان مقررا للرحلات البرية الإسرائيلية، وفي خلال استعراضه لقرائته لهذه الشخصيات وغيرها التي تنتمي لحزبي العمل والليكود وغيرهما من الأحزاب السياسية الإسرائيلية يأتي حديث «سعد مرتضى» عن مواقف ثابتة لهم جميعا فيما يتعلق بالقدس الموحدة والمستوطنات كتأمين لإسرائيل والحرص عن البحث عن رفات الجنود الإسرائيلين في سنياء ورفض مناقشة الحقوق المصرية في تعويضات والسعي الحيثث لتوسيع مجالات التعاون المصري الإسرائيلي.


كتاب «سعد مرتضى» قراءة سهلة كما أراد لها الدبلوماسي المصري، وهي أيضا قراءة كاشفة لبدايات مسيرة العلاقات المصرية-الإسرائيلية التي أسست لعلاقات عربية إسرائيلية يجري الحديث الرسمي اليوم في العلن قليلا وخلف الكواليس كثيرا عن "توسيع كامب ديفيد".

 



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك