جو ساكو رسام كاريكاتير أمريكى اشتهر بتوثيق معاناة شعب غزة فى التسعينيات - بوابة الشروق
السبت 29 نوفمبر 2025 4:45 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

كمشجع زملكاوي.. برأيك في الأنسب للإدارة الفنية للفريق؟

جو ساكو رسام كاريكاتير أمريكى اشتهر بتوثيق معاناة شعب غزة فى التسعينيات

منى غنيم
نشر في: الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 5:25 م | آخر تحديث: الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 5:25 م

دور الصحافة المصورة فى كشف أوجه العنف والصراعات السياسية فى كتاب جديد

يُعد رسام الكاريكاتير والصحفى الأمريكى من أصل مالطى جو ساكو، من بين قلة نادرة من رسامى الروايات المصوّرة الذين اخترقوا حدود فن الكوميكس ووصلوا إلى قلب المشهد الثقافى العام، وقد رسّخ مكانته منذ صدور عمله الأشهر «فلسطين»، ذلك المجلد الذى جمع القصص المصوّرة التى أنجزها فى تسعينيات القرن الماضى، لتوثيق العنف فى غزة عبر أسلوب يعتمد على الوجود الميدانى فى مناطق النزاع وإجراء مقابلات مباشرة مع الناس، ثم إعادة سرد حكاياتهم من خلال الرسم.

ومن هذا المنطلق، تحولت التفاصيل اليومية الصغيرة إلى مدخل لفهم مشهد سياسى عالمى بالغ التعقيد، وقد دفع كتاب «فلسطين» «ساكو» إلى واجهة الاهتمام العالمى، حتى وُضع فى مقارنة مع «ماوس»، العمل الشهير لرسام الكوميكس الأمريكى، آرت سبيجلمن، الذى تناول الهولوكوست بمجاز بصرى جعل النازيين قططًا واليهود فئرانًا.

وكما احتل «ماوس» رفوف المكتبات الكبرى، خرج «فلسطين» من أقبية الكوميكس ليقدَّم كعمل جاد ينتمى إلى الأدب والصحافة معًا، وقد أعيد طبعه فى ديسمبر 2023 لأول مرة منذ عقد كامل بعد نفاد نسخه عقب أحداث 7 أكتوبر الأخيرة، نقلًا عن صحيفة الجارديان.

واستندت مشاريع "ساكو" الفنية إلى خلفية تاريخية متجذّرة فى الاستعمار؛ فكما استكشف فى «فلسطين» الإرث الاستعمارى الطويل لليهود الذى نتج عن وعد (بلفور)، انصرف فى كتابه الجديد الذى يحمل عنوان «الشغب: ماضيه ومستقبله» إلى تناول تفاصيل الإرث الاستعمارى البريطانى فى الهند وتقسيمها عام 1947، وهو فعل وُلد عنيفًا منذ اللحظة الأولى.

كما تناول الكتاب قلب الصراع المتأجج الذى نشأ فى منطقة ريفية داخل منطقة أوتار براديش شمالى الهند، بعد أكثر من ستة عقود على التقسيم المرتجل الذى فرضه البريطانيون على أسس دينية هشة، ومن بين العبارات التى تكشف ضبابية تلك المرحلة، تصريح اللورد البريطانى «ماونتباتن»، آخر نائب ملكى على الهند البريطانية، حين أعلن بثقة مصطنعة: «أعطيكم ضمانًا كاملًا ألا يحدث أى إراقة دماء أو أعمال شغب».

وركز «ساكو» على أحداث الشغب بين الهندوس والمسلمين فى منطقة «مظفر نغر» عام 2013، لكنه وسع إطار السرد لكشف تاريخ التوترات التى سبقت اشتعال تلك الأحداث، وفى الروايات المتداولة عن الشرارة الأولى، ظهرت وقائع متناقضة: إحداها تتحدث عن تعرض امرأة هندوسية من طائفة الجات لتحرش علنى من رجل مسلم، ثم مقتل هذا الرجل على يد شقيقيها، قبل أن يُقتلا هما أيضًا. بينما افترضت رواية أخرى أن الأمر بدأ بحادث سير بسيط تطور إلى اشتباكات طائفية انتهت بجرائم قتل نفذتها مجموعات غاضبة.

ورغم اختلاف السرديات حول البداية، فإن النتائج ثابتة؛ وهى عشرات القتلى، ومئات الجرحى، وعشرات الآلاف من النازحين. وفى الخلفية، تكرر عجز القيادات السياسية والدينية عن كبح الانفلات أو احتواء العنف.

وامتد السرد ليكشف علاقة مضطربة بين الديمقراطية والسياسة الطائفية، ولإظهار كيف يمكن للشائعات والمعلومات المضللة أن تتحول إلى شرارة فجائية تُشعل المجال العام، ومن أكثر الأمثلة دلالة، تداول فيديو على «فيسبوك» قيل إنه يوثّق مقتل فتى من الجات، ليتبيّن لاحقًا أنه قديم ومن أفغانستان، لكنه كان كافيًا لجرّ الحشود إلى ذروة الغضب.

واستمرت أعمال الشغب أيامًا قليلة قبل تدخل الجيش، وبعدها انتقل «ساكو» إلى تصوير ما جرى فى مخيمات النزوح التى لجأ إليها سكان الجات والمسلمون، مع بقاء أغلبية النازحين من المسلمين، وظهرت فى هذه المرحلة محاولات التعويض الحكومية، التى بدت مرتجلة وربما شابها الفساد.

وحمل عنوان الكتاب دلالة على أن العنف لم يعد حدثًا استثنائيًا داخل النظام السياسى الهندى؛ فالصعود السياسى لرئيس وزراء الهند، ناريندرا مودى، نفسه ارتبط - ولو جزئيًا - بأحداث شغب «جوجارات» عام 2002 بعد إحراق قطار يقل حجاجًا هندوسًا وإلصاق المسئولية بالمسلمين.

كما استفاد حزب بهاراتيا جاناتا - وهو حزب سياسى قومى هندوسى - من موجة العداء للمسلمين التى أعقبت شغب «مظفر نغر»، وبعد عقد كامل، لا تزال ولاية أوتار براديش، ومعها الهند كلها، تعيش حالة احتقان سياسى واجتماعى يصعب التنبؤ بمآلاتها.

وعلى الصعيد الفنى، اتسمت رسوم «ساكو» عبر صفحات الكتاب بقدر من الحيوية والوضوح، وبدت الشخصيات أقل ميلًا إلى الكاريكاتورية مقارنة بـ«فلسطين»، وظهرت المقابلات القصيرة التى منحها الكاتب اسم (vox pops) كنبض حى يعكس التجربة
الشخصية للأفراد.

غير أن العمل يلفت النظر إلى ظاهرة بصرية غير معتادة؛ وهى أن جميع الشخصيات مرسومة ببشرة داكنة، ويجرى تظليل ملامحها بخطوط أفقية متوازية بدلًا من التظليل التقليدى، ما يمنح بعض اللوحات تأثيرًا بصريًا يشبه التشويش التليفزيونى، وهو تفصيل ظلّ ملحوظًا على الرغم من أهمية القصة.

ومع ذلك، بقى جو ساكو صحفيًا قبل كل شىء، حيث قدم هنا نموذجًا فريدًا فى الصحافة المصوّرة، حمل قدرًا من الذاتية التى تتسع لعرض روايات متباينة حتى لو تعارضت مع بعضها البعض. ويكشف هذا النوع من السرد قدرة الرواية المصوّرة، برغم قصور التسمية، على احتواء تعقيدات سياسية هائلة، فى زمن تتعرض فيه الصحافة المطوّلة للتآكل وتحويل التحليل السياسى إلى مقتطفات مقتضبة. وفى هذا السياق، تحول عمل «ساكو» إلى مساحة إنقاذ لهذا النوع من السرد العميق.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك