تناولت الكاتبة أميرة النشوقاتي خلال حفل إطلاق وتوقيع كتابها «المقادير» أبرز ملامح المتتالية القصصية الصادرة حديثًا عن دار الشروق، وما تطرحه من امتداد بين الحكايات الشخصية والذاكرة الشعبية والجغرافيا المصرية، إلى جانب حضور النساء والتجارب الإنسانية في بناء النص، كما توقفت عند عدد من الحكايات والمفردات التي شكّلت عالم الكتاب وتفاصيله.
وفي سياق الحديث عن امتداد الحكايات إلى الجغرافيا والحِرف التراثية، توقفت أميرة النشوقاتي عند حرفة «التلي» بوصفها أحد العناصر التي حضرت بقوة داخل الكتاب، سواء في النصوص أو في الملامح البصرية المرتبطة بالتراث.
وأوضحت أن «التلي» هو نوع من التطريز بخيوط الذهب والفضة، كان شائعًا قديمًا في تزيين الملابس، قبل أن تتغير خاماته بمرور الوقت، لافتة إلى أن أهم مراكزه في مصر تتمثل في أسيوط وجزيرة شندويل بمحافظة سوهاج.
وأضافت أن جزيرة شندويل تحمل بدورها حكاية تراثية ممتدة، ارتبط اسمها بروايات شعبية قديمة عن أصل التسمية وامتداد العائلات فيها، بما يعكس تداخل المكان بالأسطورة والذاكرة الشعبية في تشكيل هوية الحرفة.
وأشارت إلى أن «التلي» لا يُختزل في كونه زخرفة فقط، بل يحمل مجموعة واسعة من «الموتيفات» أو النقوش التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية والرموز الثقافية، مثل رموز البيت والمدرسة والكنيسة والجامع وسنبلة القمح والحماية من الحسد وغيرها، موضحة أن لكل وحدة زخرفية منها دلالة وحكاية.
وتابعت أن هذه النقوش تمثل نوعًا من التوثيق البصري لتحولات المجتمع عبر الزمن، حيث تمتد بعض رموزها إلى جذور مصرية قديمة، وهو ما يجعل الحرفة مساحة تتقاطع فيها الذاكرة الشعبية مع التاريخ الممتد، مؤكدة أن هذا النوع من التراث هو ما حرصت على استعادته داخل الكتاب بوصفه جزءًا من الحكاية الكبرى.
وقالت أميرة النشوقاتي، في سياق حديثها عن ارتباط وصفات الطعام بالأماكن والذكريات داخل كتاب «المقادير»، إن حكاية وصفة «التوربيد» تنطلق من بيت العباسية، وهو المكان الذي يمثل نموذجًا حيًا لذاكرة العائلة والمدينة في آنٍ واحد، معتبرة أنه أقرب ما يكون إلى صورة مصغرة لمصر.
وأضافت أن بيت جدتها في العباسية كان فضاءً نابضًا بالحياة، حيث كانت الجدة تمارس دورها الاجتماعي بشكل يومي، تستقبل النساء وتستمع إليهن وتدعمهن، ليس بالمساعدات المباشرة، بل من خلال التوجيه والمساندة النفسية، بما جعلها شخصية محبوبة ومؤثرة في محيطها، تعمل كـ«ميسّرة» و«مستشارة» تدفع الآخرين إلى الاستمرار.
وأوضحت أن البيت نفسه كان يتميز بطابع عائلي ممتد، وأبواب شبه مفتوحة، وعلاقات متداخلة بين الجيران والأقارب، ما خلق حالة من الألفة انعكست على تفاصيل الحياة اليومية واللعب والاحتفالات العائلية، مشيرة إلى أن هذا المناخ شكّل جزءًا أساسيًا من ذاكرة الطفولة.
وتابعت أن من هذا البيت خرجت حكايات الطعام المرتبطة بالمناسبات، ومنها «التوربيد»، وهو نوع من الحلوى الثقيلة التي كانت تُعد في العيد، لافتة إلى أن الاسم جاء داخل العائلة بوصفه توصيفًا عفويًا لطبيعة الحلوى، إذ كانت قطعة واحدة منها تكفي لشعورها بالامتلاء، ومن هنا استقر الاسم في الذاكرة العائلية وتحول إلى جزء من الحكاية.
وروت النشوقاتي ما أسمته «مجلس الأنس» في الكتاب، موضحة أنه ليس مجرد استدعاء لتسمية تقليدية، بل هو تصور أعادت صياغته من واقع قراءتها لتجارب النساء عبر الزمن، إذ يمثل مساحة اجتماعية خاصة بالنساء يجتمعن فيها بشكل دوري لتبادل الحكايات والحديث والغناء، في مقابل «القهوة» التي كان يرتادها الرجال.
وأضافت أن هذا المجلس كان في جوهره مساحة للتنفيس عن الضغوط اليومية، حيث كانت النساء يلتقين في ما يشبه «الزيارة» الأسبوعية، يتشاركن خلالها تفاصيل الحياة والأخبار والدعم المتبادل، بما يخلق نوعًا من التضامن الاجتماعي غير الرسمي.
وأوضحت أنها رأت في هذه المساحات النسائية نموذجًا مختلفًا للقوة، حيث لا يظهر الصراع بشكل مباشر، بل يتجلى في القدرة على الاستمرار وإدارة الحياة اليومية بذكاء ومرونة، مشيرة إلى أنها كانت تنحاز لفكرة أن النساء يملكن أشكالًا متعددة من «الانتصار الصامت».
وأشارت إلى أن فكرة «مجلس الأنس» ترتبط أيضًا بما كان يُعرف قديمًا بـ«الزيارة»، وهي تقليد اجتماعي كانت النساء فيه يجتمعن بانتظام في البيوت لتبادل الحديث والدعم، وهو ما وثقته أعمال درامية ووثائق اجتماعية، مؤكدة أن هذه الممارسات كانت جزءًا أصيلًا من شبكة الدعم النسائية في المجتمع المصري التقليدي.
واختتمت حديثها بالإشارة إلى حلمها في تحويل «بيت الجدة» بالعباسية إلى ذاكرة حي كاملة، بحيث يصبح لكل حي في مصر ذاكرة تحفظ التراث والحكايات المرتبطة به، بما يشمل التراث غير المادي من عادات وفنون وموسيقى وأدب، لافتة إلى أن هذا الحلم يمتد إلى تصور أوسع لمجتمع أكثر هدوءًا وإنسانية تعود فيه ملامح الحياة البسيطة والحميمية التي كانت تميز العلاقات القديمة، مؤكدة أن هذا التصور ينعكس بوضوح على روح الكتاب كله.
وعرضت النشوقاتي في ختام الأمسية مجموعة من المقتنيات والصور التي ارتبطت بعالم كتابها «المقادير»، في إطار توثيقها للأشياء والذكريات التي شكّلت جزءًا من حكايات العمل، موضحة أن كل قطعة تحمل معها قصة شخصية أو امتدادًا لذاكرة عائلية ومكانية متشابكة، وأن هذه العناصر، رغم بساطتها، تمثل بالنسبة لها امتدادًا لفكرة «المدد» والاتصال بالذاكرة والجذور، سواء عبر التراث المادي أو غير المادي، مؤكدة أن هذه التفاصيل هي التي تُكوّن في النهاية روح الكتاب وعالمه البصري والسردي.
شارك بالحضور الشاعر أمين حداد، والشاعر والسينمائي أحمد حداد، وأمينة جاهين والموسيقار ماجد سليمان، وتهاني زكريا أحمد، والكاتب الصحفي سيد محمود،والفنانة ميرفت الجاسري والإعلامية منى الشايب، والدكتورة فاطمة كشك أستاذة علم المصريات، والكاتبة منى رضوان،وهيثم إبراهيم مغني وعضو فرقة الورشة، إلى جانب نخبة من الكُتّاب والمثقفين.