شهدت قاعة المؤتمرات بلازا (1) انعقاد الجلسة الثانية من مؤتمر «شعر العامية وقضاياه وتطوره»، بعنوان «آفاق شعر العامية»، وذلك ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بمشاركة الشعراء السعيد المصري، وصادق شرشر، وسمير الأمير، ومصطفى الجارحي، وأدار الجلسة الشاعر والناقد يسري حسان.
وفي مستهل الجلسة، أكد يسري حسان أن هذه الندوة تُعد من أبرز الفعاليات التي شهدها المعرض، نظرًا لاجتماع عدد كبير من شعراء العامية المصرية في لقاء واحد، وهو ما لم يحدث منذ قرابة عشرين عامًا.
وأوضح أن المؤتمر يطرح رؤى جديدة حول تطور الشعر بعيدًا عن ثنائية الصراع بين الفصحى والعامية، مشددًا على أن النشر لا يعكس صراع أجيال، بل يمثل امتدادًا لتجارب إبداعية متميزة مثل مجدي الجابري وعصام الأمير، رغم تراجع ملامح هذا التمايز في المشهد الشعري الراهن.
من جانبه، أشار الشاعر السعيد المصري إلى أن شعر العامية يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية، يأتي النشر في مقدمتها، موضحًا أن شعراء العامية مروا بتحولات فنية متعاقبة بدأت بالشعر الغنائي، ثم قصيدة التفعيلة، وصولًا إلى قصيدة النثر، مع ظهور تجارب جمعت بين التفعيلة والنثر.
وأضاف أن بعض الشعراء اتجهوا إلى كتابة الفصحى أو الرواية، فيما هجر آخرون شعر العامية، مثل سمير الفيل، ولفت إلى معاناة النشر في هذا المجال، إذ لم تصدر سلسلة العامية المصرية سوى ديوانين فقط، مقابل ثلاثة دواوين عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ونحو 35 ديوانًا عبر النشر الإقليمي، مؤكدًا أن ملتقى شعراء العامية برئاسة سعيد شحاتة أسهم في إحداث حراك ملحوظ.
بدوره، أوضح الشاعر سمير الأمير أن تناول أزمات شعر العامية غالبًا ما يرتبط بمفاهيم غير دقيقة، مشيرًا إلى أن الزجل كان يُنظر إليه بوصفه امتدادًا للعامية، وأن ديوان «أحرار وراء القضبان» لا يمثل البداية الحقيقية لشعر العامية، إذ تعود جذوره إلى شعر العامة وابن عروس.
وأكد أن القصيدة العامية استفادت كثيرًا من تجربة فؤاد حداد، وأن الإبداع الحقيقي يتجلى في التفاعل مع «نص الحياة»، كما أشار إلى أهمية كتابات بديع خيري في فهم عمق ثورة 1919، وإسهامات عبد الله النديم الذي نظر إلى الشعر باعتباره «ملاسنة»، محذرًا من خطورة صدور بعض الأعمال المصرية تحت مسمى «الشعر النبطي» خارج مصر، لما يمثله ذلك من تهديد للنص العامي المصري.
من جهته، أكد الشاعر صادق شرشر أن بيرم التونسي يُعد المؤسس الحقيقي لقصيدة العامية المصرية، تلاه فؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي، ثم سيد حجاب، وصولًا إلى جيل السبعينيات الذي ابتعد نسبيًا عن العامية، قبل أن يشهد هذا الشعر انفجارًا جديدًا في الثمانينيات بين تيارات السيريالية والواقعية.
وأوضح أن هذا الجيل استهلك كثيرًا من الطاقات الجمالية للشعرية العامية، معتبرًا أن قصيدة النثر جاءت كثورة على قصيدة التفعيلة، وقدمت نصًا مقروءًا بعيدًا عن الخطابة والشفاهة، لافتًا إلى أن المقارنة بين القصيدة الشفاهية وقصيدة النثر تميل لصالح الأخيرة، بوصفها نتاج تحولات كبرى أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي، واعتمادها على الصورة الكلية للنص.
وفي ختام الجلسة، أشار الشاعر مصطفى الجارحي إلى أن مصطلح «قصائد بالعربية المصرية» صكه الناقد الدكتور صلاح الراوي، موضحًا أنه ناقش هذا المفهوم مع الشاعر سيد حجاب الذي أكد أنه يكتب بالعربية المصرية.
وأضاف أن غالبية من يتناولون أزمات شعر العامية هم من المسؤولين والموظفين الثقافيين الذين لم يقدموا إسهامًا حقيقيًا، موضحًا أن هذه المبادرة الخاصة بشعر العامية جاءت بعد 35 عامًا من أول وقفة نظمها الدكتور سمير سرحان لمناقشة تجربة جيل السبعينيات والثمانينيات.
واختتم الجارحي بالتأكيد على أن قصيدة العامية لا تحتاج إلى من يدافع عنها، بقدر ما تحتاج إلى جيل نقدي مؤمن بجمالياتها وقادر على فرز تجاربها وتقييمها.