قال الناقد الدكتور محمد بدوي إن نجيب محفوظ تجاوز التيارات التقليدية في الثقافة المصرية، ولم يكتف بتجديد مضمون الرواية، وإنما أحدث تحولًا في شكلها الفني، مشيرًا إلى أن الأجيال الأدبية المختلفة، حتى تلك التي اختلفت مع مشروعه، ظلت تجد فيه أحد أهم مصادر الإلهام والتأثير.
وأضاف بدوي أن محفوظ امتلك مجموعة استثنائية من الأدوات والمواهب، فكان روائيًا ومثقفًا ومفكرًا، وظل متمسكًا بقلمه ورؤيته، حتى في المراحل التي تعرض فيها للاتهام والهجوم، مؤكدًا أن هذا الإصرار منح الأدب وظيفة تتجاوز كتابة المديح أو تسجيل الأحداث، ليصبح وسيلة للتعبير عن إشكاليات الوجود الإنساني من خلال المجتمع.
وأوضح أن محفوظ جعل من الحارة المصرية مسرحًا كونيًا، وحول عالمها الرمزي إلى فضاء قادر على طرح الأسئلة التي شغلت العالم الحديث، وهو ما يضعه، في رأيه، ضمن القلة من الكتاب الذين استطاعوا أن يمنحوا أدبهم هذا الامتداد الإنساني الواسع.
وأشار إلى أن نجيب محفوظ نال الاعتراف العالمي الذي يستحقه، وصولًا إلى جائزة نوبل، دون أن يسعى إليها أو تتولى الدولة المصرية ترشيحه لها، مؤكدًا أن المفاجأة الكبرى كانت في وصول الجائزة إليه تقديرًا لعبقريته القائمة على العمل الجاد والمثابرة والتفرد.
ولفت بدوي إلى أن دور نجيب محفوظ في تطوير اللغة العربية لم يحظ بالقدر الكافي من الدراسة، معتبرًا أنه أسهم في تحويل العربية الفصحى إلى لغة حية قادرة على التعبير عن تفاصيل الحياة اليومية، من خلال المزج بين الفصحى والعامية، وإنزال الفصحى من مستواها التقليدي إلى لغة الناس وأفكارهم ومشاعرهم.
وقال إن محفوظ أسهم في خلق بلاغة جديدة للرواية العربية، وجعل اللغة الواقعية الحية أداة للتعبير عن تفاصيل لم تكن الرواية تتناولها من قبل، مؤكدًا أن إخلاصه لفن الرواية أسهم في انتقالها من هامش الفنون التقليدية إلى موقع الصدارة، حتى أصبحت الرواية «ديوان العرب»، لأنها صارت قادرة على التعبير عن مجمل ما يعيشه الإنسان العربي.
وأكد بدوي أن التعامل مع نجيب محفوظ بوصفه «مواطنًا صالحًا» فقط ينتقص من قيمته الحقيقية، فهو، بحسب وصفه، «كاتب كبير وفنان كبير ومفكر كبير»، استطاع أن يقول عن نفسه وبلاده والعالم ما يضعه في مصاف كبار الكتاب في العالم.
واستشهد بدوي بما قاله أحد النقاد في ستينيات القرن الماضي، من أنه لو كان في ألمانيا كاتب بحجم نجيب محفوظ، لحرص الألمان على تقديمه إلى العالم، معتبرًا أن الاعتراف العالمي بعبقريته جاء لاحقًا ليؤكد أن مشروعه لم يكن قائمًا على الموهبة وحدها، وإنما على العمل الجاد والمنظم والتفرد الكامل.
وأضاف أن محفوظ كان نموذجًا للكاتب الذي يمتلك قدرة كبيرة على تنظيم وقته، فوسط انشغالاته ولقاءاته وأحاديثه ونشاطاته المختلفة، كان يفاجئ الجميع بعمل أدبي جديد، وهو ما يعكس حجم الطاقة والالتزام اللذين كرّسهما لمشروعه الإبداعي.
واعتبر بدوي أن نجيب محفوظ كان تمثيلًا حقيقيًا لمصر الحديثة، بأحلامها وطموحاتها وتحولاتها، مؤكدًا أن مصر في حاجة إلى استعادة هذا المعنى، باعتبار محفوظ أحد الأصوات الأساسية التي عبرت عن وجدانها.
ودعا إلى أن تتجاوز كتب محفوظ دائرة عشاق الأدب إلى المواطن العادي، وأن تتوسع قراءتها في المدارس، مشيرًا إلى أن السينما لعبت دورًا مهمًا في ترسيخ شخصياته في الذاكرة الشعبية، بعدما حولتها إلى شخصيات حية يعرفها الجمهور، مثل السيد أحمد عبد الجواد ورشدي وغيرهما.
واختتم بدوي بالتأكيد على أن نجيب محفوظ أصبح جزءًا من النسيج الوطني والإنساني لمصر، وأن شخصياته وأعماله تجاوزت حدود الأدب لتدخل في الذاكرة الجمعية للمصريين، وهو ما يفسر استمرار حضوره وتأثيره بعد مرور عقود على رحيله.