الأزمة وعجز الموازنة.. من المستفيد؟ - محمود الخفيف - بوابة الشروق
الثلاثاء 18 فبراير 2020 12:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الأزمة وعجز الموازنة.. من المستفيد؟

نشر فى : الأربعاء 2 يناير 2013 - 9:20 ص | آخر تحديث : الأربعاء 2 يناير 2013 - 9:20 ص

على الرغم من خصخصة ممتلكات الشعب المصرى وبيع معظم مصانع وشركات القطاع العام، فى السنوات العشر الأخيرة، فقد زاد دين الحكومة المحلى لأكثر من ألف ألف مليون (تريليـــــون!) جنيه، ذلك بالإضافة إلى الدين الخارجى (بالعملة الصعبة) والذى سيصل لربع تريليون جنيه إذا استخدمت مصر قرض صندوق النقد الدولى، وبذلك يمثل إجمالى الديون 70% من كل ما ينتجه الشعب فى سنة كاملة. ويرجع هذا الدين إلى عجز موازنة الحكومة لهذا العام وتراكم عجز ميزانيات السنوات السابقة. وقد صرح مؤخرا رئيس الوزراء بأن عجز الموازنة للسنة الحالية والمنتهية فى يونيو 2013 سيصل إلى 168 مليار جنيه، وهذا يزيد 33 مليار جنيه عما قدرته وزارة المالية منذ ستة أشهر فقط. وتشير الأرقام إلى أن الفوائد على الدين المحلى هذا العام قد تصل لنحو 125 مليار جنيه. ولكن، من هو ممول الدين المحلى والذى يدين مصر بأكثر من تريليون جنيه؟ وإلى من يدفع الشعب المصرى الـ125 مليار جنيه فوائد سنوية على هذا الدين؟ (قيمة فوائد الدين العام تساوى عجز الموازنة تقريبا).

 

فى مقال بجريدة الشروق بتاريخ 20/11/2012 أشرت إلى أن جزءا لا يُستَهان به من عجز الموازنة راجع إلى الفساد وسوء الإدارة فى الجهاز الحكومى والقطاع العام، معنى هذا أن العائد على الشعب المصرى من هذا العجز ليس فقط ضئيلا بل إنه ذو أثر سلبى على العدالة الاجتماعية، وأشرت أيضا إلى أنه يمكن تخفيض ثلاثة أرباع العجز فى سنة واحدة عن طريق زيادة الإيرادات وترشيد الإنفاق دون تخفيضه، وبالتالى نحن لسنا فى حاجة لتمويل عجز كبير ولزيادة الدين العام. ولكن يبدو أن الحكومة مُصرة على إتباع نفس السياسات المالية والاقتصادية التى اتبعها النظام السابق، وعلى تمويل عجز - ممكن تفاديه - بنفس الطرق السابقة. ما أود ان أقوله ان الإصرار على هذا المنوال سيؤدى إلى مزيد من هدر للمال العام وزيادة الدين العام وإلى مزيد من تركيز الثروة فى أيدى حفنة قليلة من الأغنياء ومِن مَن اغتنوا من النظام السابق وبهذا سوف تبعد مصر أكثر عن هدف العدالة الاجتماعية المنشود.

 

 فى تصريح لمحافظ البنك المركزى أفاد إن عجز الموازنة وديون مصر يُمَولها القطاع المصرفى من مدخرات المصريون المودعة لدى البنوك، إى أن من تلك الودائع أقرضت البنوك الحكومة مبلغ التريليون جنيه (قيمة الدين المحلى) وفى المقابل سيأخذ القطاع المصرفى هذه السنة من الحكومة الـ125 مليار جنيه الفوائد على هذا الدين. والسؤال هو: كم ستستحوذ البنوك (الوسيط أو السمسار ان جاز التعبير) من هذه الفوائد وكم سيأخذ المدخر المصرى (المالك الأصلى وفى نفس الوقت هو الدائن والمدين)؟ والإجابة هى ان البنوك تأخذ حوالى 30% «سمسرة»، أى تأخذ من 35 إلى 40 مليار جنيه من الـ125 جنيه الفوائد، ويأخذ المصريون أصحاب المدخرات (وهم أيضا أصحاب الديون) الـ85 ــ90 مليار جنيه المتبقية! هل من المعقول أن تذهب هذه «السمسرة» (والتى تزيد على المعقول) إلى حفنة قليلة من رؤساء مجالس إدارات ومديرى البنوك (ذوى الرواتب التى يجب أن يطبق عليها الحد الأقصى للأجور)؟ أم من الأفضل أن تذهب هذه السمسرة للشعب المصرى لسد عجز موازنة حكومته أو حتى لنفس الشعب المالك الأصلى للودائع ورءوس الأموال التى يتصرف فيها رؤساء مجالس إدارات ومديرى البنوك بهدف زيادة أرباح البنوك وزيادة مكافآتهم ورواتبهم؟!

 

ولكن ما السبب لهذا الهامش الضخم والذى يستحوذ عليه حفنة قليلة من البنوك؟ السبب يرجع لما يسمى بـ«الإصلاحات» المالية والنقدية وآليات السوق التى أوصى بها صندوق النقد الدولى وطبقها النظام الساقط فى العشرين سنة الماضية، وما نتج عن ذلك من فرق كبير بين معدل الفائدة على ودائع المدخرين ومعدل الفائدة على أذونات وسندات الخزانة أو معدل الفائدة على ما تقترضه الحكومة من القطاع المصرفى. بالنسبة لمعدل الفائدة على الودائع فيحدده بشكل أساسى البنك المركزى مع هامش بسيط يحدده كل بنك بما يتناسب مع ظروفه الخاصة، ومعدل الفائدة على الودائع الآن فى حدود الـ9% أو يزيد قليلا. أما بالنسبة للفائدة على أذونات وسندات الخزانة فمن المفترض نظريا أن يحدد معدلها «السوق»، فإذا أرادت الحكومة الاقتراض تطرح كمًّا معينا من أذونات أو سندات الخزانة فى المزاد لتحديد من يُقرض الحكومة بأقل معدل فائدة. ولكن فى الواقع، وفى كثير من بلدان العالم، عادة ما يكون سوق إقراض الحكومة سوق شبه احتكارية (إن لم يكن احتكاريا)، الأمر الذى يشجع على «التواطؤ» بين العدد القليل من البنوك/الشركات التى تزايد على إقراض الحكومة، وبالأخص فى ظل ظروف الفساد مثل تلك التى كانت (ويبدو أنه لا تزال) تعيشها مصر. وإذا كان هناك «تواطؤ» بين الحفنة القليلة من البنوك التى تتنافس على إقراض الحكومة فإن هذه البنوك مجتمعة ستحاول على إبقاء معدل الفائدة على قروض الحكومة مرتفعا، حيث يتراوح معدل الفائدة على هذه القروض فى مصر الآن ما بين 12.5% و15.5%. خلاصة ما سبق أن البنوك تعطى المُودعين لديها معدل فائدة يزيد على الـ9% وفى نفس الوقت تأخذ البنوك من الحكومة معدل فائدة متوسطة 13% حين تقرض الحكومة نفس أموال المودعين، وبذلك تستحوذ البنوك وكبار موظفيها بالقانون (الذى سُن فى إطار ما يسمى بـ«الإصلاح») على نحو 4% من كل جنيه تقرضه البنوك للحكومة من مدخرات مودعيها. فإذا كان دين الحكومة المحلى، أو إجمالى ما حولته البنوك من مدخرات المصريين إلى قروض للحكومة، نحو تريليون جنيه سيكون إجمالى ما سيستحوذ عليه القطاع المصرفى فى حدود 35 مليار من أموال الشعب. فإذا استطعنا تخفيض هامش «سمسرة» البنوك من 4% إلى 1% فى السنة يمكن تخفيض الفوائد على الدين المحلى من 125 إلى ما يقل عن 100مليار جنيه، الأمر الذى يقلص من قيمة عجز الموازنة بنحو 15%، وفى نفس الوقت ستظل البنوك تحصل على أرباح من هذه العملية فى حدود 9 مليار جنيه.

 

أليس من الأفضل إذا أن يزيد كل من البنك المركزى ووزارة المالية من الرقابة على مزادات اذونات وسندات الخزانة؟ أليس من الأفضل أن نعيد النظر فى كل العملية المتبعة لتمويل عجز الموازنة وفى كل ما يسمى بـ«إصلاحات» النظام الساقط؟ بل أليس من الأفضل والأفضل أن نسد فجوات الفساد المنتشرة التى تنهش فى الإيرادات العامة فيتقلص عجز الموازنة ولا يكون هناك حاجة للاقتراض غير المسئول؟

 

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات