رضا عبدالسلام.. والنقش على حجر الحياة - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 7:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


رضا عبدالسلام.. والنقش على حجر الحياة

نشر فى : الجمعة 2 مارس 2018 - 10:20 م | آخر تحديث : الجمعة 2 مارس 2018 - 10:20 م

أمسك القلم بفمه عوضا عن يد وكف وأصابع حجبهما القدر عنه منذ ولادته، ليخط قصة كفاح رائعة، ضغط على القلم بأسنانه كما اعتاد طوال حياته العلمية ولكن هذه المرة لينقش على الورق ملحمة إنسانية فريدة ومختلفة، كأنه ينقش الأحرف على حجر كما اعتاد أن يحفر ظروف حياته على حجر الحياة الصعب الأصم.
لم يستسلم هو وأسرته لليأس أبدا، حينما اشتد وجع الولادة على أمه وحضرت الداية وظهر المولود المنتظر إذا بالوجوم والدهشة تطبق على الجميع ولا يقطعها سوى صراخ المولود الذى بدا وجهه وسيما ولكنه دون ذراعين أو على وجه الدقة ضامر الذراعين.

توجهت نظرات المواساة للأم وكأن الداية ومساعدتها فى مهمة عزاء وليس فى فرح ولادة، صرخت الحاجة مبروكة فنهرتها الداية التى ترددت فى تسليم الطفل لأمه، ولكنها لفته لترى الأم وجهه دون يديه، ولكن الأم أدركت الفاجعة سائلة: أين يداه؟ لا توجد إلا أصابع صغيرة فى يد ضامرة، تمنت أن يكون ذلك كابوسا لا يمت للحقيقة بصلة.

دخل الأب بعد هياج غرفة الولادة فرأى الذهول والحيرة فى الوجوه فأرسل عينيه إلى المولود، ثبت الأب وصبر حينما رأى حالة ابنه الذى ضمه إلى صدره وسلمه لزوجته وقبّل جبينها وقال للجميع مطمئنا «الله الذى خلقه سيوفقه فى حياته.. لا تخافى «بكت الأم، ولهج الجميع بالحمد استلهاما لكلمات الأب وأخذوا يزرعون الأمل فى قلب الأم.

ذهب الأب إلى المسجد وبكى بكاء مرا أثناء سجوده وظل يدعو «يارب أنت خلقته بهذه الصورة وبيدك أمره فأعنه وساعده، وأعنا وساعدنا «وظل يهتف بقلبه ولسانه «يارب يارب» ودموعه تبلل سجادة صلاته.

عاد للبيت أكثر تفاؤلا، حكى لهم عن قصة طه حسين وغيره، سمعت القرية كلها بالمولود العجيب، أسموه «رضا» تعبيرا عن رضاهم عن الله وقدره مهما كان صعبا.

كانت الخرافة شائعة فى القرى وقتها عام 1964 ولكن الأب الصالح وزوجته رفضا كل الخرافات، كانت أمه تتهيب التعامل معه فى البداية ولكنها اعتادت عليه.

بدأ الأب يحكى لأسرته عن «هيلين كيلر» وغيرها ممن صنعوا ملاحم إنسانية رائعة، بدأ رضا يتحرك فى الحياة لينقش على حجرها الأصم رحلة كفاح رائعة، والآن ها هو يكتبها بقلم فى فمه على الورق ليصير كتابا يخلد كفاحه.

كلاهما كان صعبا وشاقا عليه، وكما أن كل فصل كتبه على الورق فى كتابه سبب له آلاما مبرحة فى فمه أو كتفيه، فإن كل فصل من فصول حياته تطلب جهدا خارقا.

لم يسع المذيع القرآنى اللامع ا/رضا عبدالسلام أن يكون فى مذاكرته بطل مثالى لا ينكسر أو يصور نفسه ينتقل من إنجاز إلى آخر ومن نصر إلى آخر دون عناء فظيع ودون معاناة لا تحتمل، كان واقعيا فى نقش أيامه على حجر الحياة الأصم، وواقعيا فى تسطير قصة حياته بقلم فى فمه على حجر الأوراق.

آه من الصعاب، آه أن توجد بين أطفال قريتك ويراك الأطفال دون ذراعين، كيف ستلعب معهم؟ كيف تقضى معهم ست سنوات كاملة فى الابتدائية ؟ وليس هناك شىء فى القرى مجهز للتعامل مع مثل هذا الطفل؟ وكيف سيعانى بعد الوصول إلى المدينة ليدخل المدرسة الإعدادية التى لا يعرف فيها أحدا.

كان يرفض أن يكون الطفل البركة أو من يستدر عطف الآخرين أو مصمصة شفاههم، كان يريد أن يعامله الناس كالأسوياء القادرين ذوى العزمات.

ضربه أبوه يوما لأن رجلا أطعمه بيده أمام الناس، من يومها عزم أن يقضى كل أموره بنفسه، ويعتذر عمن يريد مساعدته ويشكره أيضا، حتى يتعود أن يفعل كل أموره بنفسه يأكل ويشرب ويكتب وحده، بل ويلعب ويغلب أقرانه فى الكرة دون مساعدة، ويعتمد على نفسه ولا يركن إلى الناس إلا فيما لا حيلة له فيه.

ولهذا أصر بعد ذلك على أن يكتب وحده، وأصر أن يكون مذيع هواء ولا يكتفى بالتسجيل فى الإذاعة، ليكون أول مذيع هواء فى العالم كله دون ذراعين، ويصر على تغيير أماكن الأزرار فى أجهزة إذاعة الهواء، ليكون بعضها عند قدميه بدلا من اليدين، وقد استجاب مدير شبكة القرآن الكريم الأسبق أ/محمد المنشاوى لطلبه.

لقد رفض أ/رضا كمذيع هواء مرارا دون اختبار فكان يعتصر ألما لذلك، ولكنه أصر على تحقيق حلمه اللانهائى، واقتحم الأمر اقتحاما مما جعله يدخل على المرحوم /حلمى البلك الإعلامى الكبير، كان وقتها مذيعا فى إذاعة وسط الدلتا ولكنه لم يقنع بذلك، يريد الهواء لتنطلق ملكاته الحبيبة، يريد القمة دائما ولا يقنع بالقاع.

دخل على المرحوم البلك فى مكتبه فجأة، جلس دون استئذان، قال له: لا تسألنى حتى انتهى من كلامى، خلع جاكتته، أمسك القلم بأسنانه ثم لبس الجاكت مرة أخرى دون يدين، أمسك القلم بأطراف أصابعه ووضعه فى فمه، كتب على ورقة أمامه قال للبلك: سأعتبر هذا القلم هو الميكرفون وسعادتكم الضيف الذى سأسجل معه، وظل يتصرف بكل شىء ويحكى بانفعال قائلا: دخلت امتحان مذيع الهواء مرتين دون امتحان وتم إبعادى، أليس ذلك حراما، امتحنونى بحيادية.

نظر إليه البلك فى إعجاب ودهشة، وكان الامتحان والنجاح ليعبر طريق الاذاعة مرتين، الأولى حينما زكاه لذلك رائد الصحافة الاجتماعية عبدالوهاب مطاوع برسالة إلى العبقرى/ فهمى عمر «من يحمل هذه الرسالة يهمنى أمره» فلم يخيب رجاء صديقه ثم أصبح بعد نجاحه مذيعا عاديا، ثم عبر بعدها الأصعب والأشق وهو مذيع الهواء.

كانت مسيرة شاقة وصعبة فى بلد لا اهتمام فيه حقيقى بمثل هؤلاء الأبطال، وفى مجتمع يتكلم كلاما معسولا عن فئة يصل عددها الآن 15 مليونا حسب تقدير الأمم المتحدة، ولكنه لا يقدم لها شيئا يذكر.

ولكن الله الذى خلق هؤلاء خلق لهم الإرادة الإنسانية التى أوجدها الخالق سبحانه لتعمل عملها فتسعد وتسعد من حولها وتكون أسر ناجحة، ولعل أ/رضا نموذج لذلك فلديه ابن فى كلية الطب وابنة فى كلية الإعلام وزوجة فاضلة كريمة تعد الأم الثانية له.

تحية وسلاما للمذيع العبقرى صاحب العزمات والهمة الحديدية، صديقى الحبيب الودود رضا عبدالسلام ولأمثاله ممن حرموا نعما فحولوا البلية إلى عطية والمحنة إلى منحة.

التعليقات