** نشيد الهزيمة تعبير استخدمته كثيرًا فى أوقات سابقة، أمام إخفاقات رياضية وكروية كانت تتكرر على مستوى الأندية والمنتخبات وقد استمر النشيد سنوات.. لكنها لم تكن حالة خاصة بإعلامنا أو بمجتمعنا وحده، فالصحافة الرياضية العالمية شديدة القسوة. ففى البرازيل قالت صحيفة عن رونالدو فى مونديال 2002 «إنه رجل ميت» ثم رفعته إلى أعلى الدرجات حين رفع كأس العالم. وفى عام 1994 حين أهدر باجيو ضربة الجزاء أمام منتخب البرازيل، قالت الصحافة الإيطالية «باجيو مات واقفًا»، وكما جاء فى كتاب الزميلة نجوى مصطفى الجميل «أهداف خارج الثلاث خشبات»، كان حزن الجماهير الإيطالية كبيرًا، وهى التى كتبت، عبارة شهيرة «سيغفر الرب للجميع إلا باجيو»، وهى الجملة التى كُتبت أولًا على جدران الفاتيكان، ثم انتشرت فى كل المدن؟».
** تذكرت نشيدنا وقصة باجيو وأنا أتابع نشيد إيطاليا الحزين لعدم التأهل لكأس العالم للمرة الثالثة على التوالى. وقالت صحيفة الجارديان البريطانية فى تقرير لها عن فشل منتخب إيطاليا فى التأهل للمونديال للمرة الثالثة: «عندما خسر المنتخب الإيطالى مباراته الفاصلة أمام السويد فى نوفمبر 2017، وصفت صحيفة «لا جازيتا ديلو سبورت» ذلك بأنه «النهاية» و«كارثة». وبعد الهزيمة أمام مقدونيا الشمالية فى عام 2022، رأت صحيفة «إل كورييرى ديلو سبورت» أن البلاد تغرق فى الجحيم.
** وواصلت الجارديان: «بعد هزيمة المنتخب أمام البوسنة والهرسك خرجت الصحف الإيطالية بعنوان يقول: «الجميع إلى ديارهم»، ماذا عساهم أن يقولوا أكثر من ذلك؟ فقد أدرك الإيطاليون منذ زمن بعيد أن عام 2018 لم يكن استثناء، حيث فشل فريقهم فى بلوغ الأدوار الإقصائية من كأس العالم فى عامى 2010 و2014.
** ربما يكمن الإحباط، فى أن التطوير والتحديث و«المشروع» يأتى دائمًا متأخرًا، وقد انعكس تراجع المنتخب الوطنى الأول فى تدهور نتائج أندية الدورى الإيطالى فى المنافسات الأوروبية، عدم قدرتها على مواكبة الإيرادات التجارية للمنافسين الأوروبيين.
** بعد خيبة الأمل فى 2010 كانت هناك ضرورة لتغيير مسار الكرة الإيطالية. وفى أغسطس، أى بعد أسابيع من احتلال الأتزورى المركز الأخير فى مجموعته التى ضمت باراجواى وسلوفاكيا ونيوزيلندا، تم تعيين أريجو ساكى منسقًا لمنتخبات الشباب الوطنية، وروبرتو باجيو رئيسًا للقطاع الفنى فى الاتحاد الإيطالى. وضغط ساكى، الفائز بلقب دورى أبطال أوروبا مرتين كمدرب لميلان، والذى قاد إيطاليا أيضًا إلى نهائى كأس العالم 1994، ضغط على الأندية الإيطالية للاستثمار فى أكاديمياتها.
** وعمل باجيو، مع نحو 50 متعاونًا لإعداد وثيقة من 900 صفحة بعنوان «تجديد المستقبل»، واقترحت الوثيقة إصلاحًا لمسارات تطوير المواهب، وشمل ذلك، توحيد أساليب التدريب، وإنشاء شبكة استكشاف أكثر تنظيمًا، وقاعدة بيانات رقمية مشتركة لقياس تقدم اللاعبين. وقدّم باجيو الوثيقة فى ديسمبر 2011، ثم استقال فى يناير 2013، معربًا عن أسفه لأن المشروع كان ميتًا حرفيًا لمدة عام. وقال: «لا أحب الجلوس على الأريكة، بينما بإمكانى القيام بأشياء أخرى». كما استقال ساكى أيضًا فى عام 2014، مُعللًا ذلك بالضغط النفسى.
** كيف كانت ستختلف الأمور لو طُبقت أفكار باجيو؟ لكن أُجريت تغييرات على هيكل منتخبات الشباب الوطنية خلال هذه الفترة، وإن لم تكن بمستوى رؤية باجيو، وقد أثمرت بعض النتائج. حيث فازت إيطاليا ببطولة أوروبا تحت 19 عامًا فى عام 2023 وبطولة أوروبا تحت 17 عامًا فى عام 2024.
** ويقول تقرير الجارديان: «هناك جوانب عديدة لهذه القصة، ومن أبرزها أن معظم الفرق الإيطالية لا تزال تلعب فى ملاعب مملوكة للقطاع العام، وغالبًا ما تكون قديمة. ومع ذلك توصل ميلان وإنتر إلى اتفاق لشراء ملعب سان سيرو العام الماضى، ويعتزمان بناء ملعب جديد على نفس الأرض، واضطر فيورنتينا إلى قبول عقد إيجار طويل الأجل لملعبه بما يسمح على الاقل فى البدء فى أعمال التجديد».
** إن كرة القدم الإيطالية اليوم منهكة تمامًا، وغير قادرة على تشكيل فرق قادرة على المنافسة فى البطولات الدولية أو المحلية. وأتالانتا، الفريق الوحيد من الدورى الإيطالى الذى بلغ دور الـ16 فى دورى أبطال أوروبا هذا الموسم، مُنى بهزيمة ساحقة بنتيجة 10-2 أمام بايرن ميونخ فى مجموع المباراتين.
** إن أكثر ما يحزن فى فشل إيطاليا الأخير هو أنه لم يعد مجرد تكرار لنفس النغمة الحزينة أو تكرار لنشيد الهزيمة.