لن يكون تمرير قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين أقصى ما يسعى إليه التيار اليميني الإسرائيلي المتطرف، بل على العكس فإن هذا الحدث المحوري سوف يكون دافعًا لإعادة إحياء مجموعة من الأفكار الأكثر تشددًا وهوسًا ضد الشعب الفلسطيني، خاصة إذا استمرت الإدانات والمناشدات الأممية والأوروبية والعربية على حالها من دون فاعلية تُذكر، ولا أدوات جديدة لمواجهة هذه النسخة المختلفة من الكيان الصهيوني.
نعم هذه إسرائيل مغايرة لكل ما سبق، لجميع الأنظمة والحكومات التي تعاقبت عليها، وحتى المزاج الشعبي ذاته تغيّر بوضوح، ونلمس الأثر في صناديق الاقتراع والمعالجات الإعلامية والأحكام القضائية، خاصة بعد "طوفان الأقصى" وفي خضم الحرب مع إيران وحزب الله والحوثيين.
دعنا من التفنيد الموضوعي لقانون إعدام الأسرى (وهو ليس قانونًا منفصلًا بل تعديلًا على قانون العقوبات) وما يعتريه من انحراف تشريعي واضح باستهداف مجموعة سكانية وعرقية معينة بعقوبة مشددة لا بديل لها، وافتئات على سلطة القاضي في تفريد العقوبة، وإخلال بالمعايير الدولية للحكم بعقوبة الإعدام والسماح بأن يصدر بأغلبية الأعضاء وليس بالإجماع، واستثناء تلك العقوبة تحديدًا من فرص العفو، ومخالفات أخرى يصعب إحصاؤها في سطور معدودة للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة والقواعد الحاكمة لحالات الاحتلال.
دعنا من كل ذلك ولنتأمل في السياق السياسي وما يعكسه من تحول في بنية إسرائيل خلال عشر سنوات فقط.
عام 2015 طرح حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيجدور ليبرمان نسخة مبكرة من مشروع "إعدام الأسرى" أخف وطأة بكثير من النسخة الحالية التي أُقرت بالفعل لأنه كان يقترح تمكين المحاكم من الحكم بالإعدام، لا إلزامها بأن تقضي به كعقوبة وحيدة، لكنه سقط سريعًا من القراءة الأولى بمعارضة 94 نائبًا، حتى أن بنيامين نتنياهو نفسه وجّه بالتصويت ضده "لتطلبه مزيدًا من الدراسة".
وفي عام 2018 أعاد الحزب طرح المشروع بتعديل واحد يخفف شرط الإجماع المطلوب للحكم بالإعدام، ويطبق الأغلبية البسيطة، وذلك بالنسبة للمحاكم العسكرية المختصة بالمتهمين الفلسطينيين من الضفة الغربية، ووافق الكنيست في القراءة الأولى، لكنه جُمّد في اللجان وتجاوزته الأحداث.
وفي مارس 2023 دعمت أحزاب اليمين مشروعًا لفرض عقوبة الإعدام على "مرتكبي جرائم الإرهاب" لكنه واجه اعتراضات قانونية وسياسية واسعة، أسفرت عن إرجائه وتعديل بعض نصوصه، ليقترب تدريجيًا إلى الصياغة الحالية التي ظهرت العام الماضي على أكتاف حملة دعائية كبرى يقودها المهووس إيتمار بنغفير، وزير الأمن القومي ورئيس حزب "القوة اليهودية"، ليسلك طريق النجاح أخيرًا بدعم 62 نائبًا مقابل 48 وامتناع نائب واحد.
يشير هذا المسار الزمني إلى سقوط أربعة اعتبارات –أو بالأحرى عقبات- رئيسية كانت تتضافر دائمًا لإفشال المقترح:
1- تلاشت اعتراضات المؤسسات الأمنية التي كانت تحذر من زيادة عمليات المقاومة حال تمرير القانون وتأثيره السلبي على صفقات تبادل الأسرى.
2- أهمل الائتلاف الحكومي المخاوف القانونية والدستورية –ربما- على ضوء التماهي الملحوظ مؤخرًا في أحكام المحكمة العليا مع السياسات العنصرية والإبادية، كما حدث في حكم رفض الالتماسات الحقوقية للسماح بدخول المساعدات إلى غزة بالمخالفة لقرارات محكمة العدل الدولية والذي استند إلى نصوص دينية "للحفاظ على الدولة اليهودية من الشرور".
3- ضعف الضغوط الدولية لإنفاذ قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وفتاوى "العدل الدولية" وقرارات "الجنائية الدولية" وضمان الدعم المطلق من أمريكا، في مقابل جمود العمل العربي والإسلامي ومحدودية فاعليته، وهو ما ينطبق أيضًا على دول أوروبا إلّأ قليلًا وبصورة فردية.
4- الدعم الواسع في الشارع الإسرائيلي للسياسات اليمينية، وتراجع تأثير اليسار والجماعات الحقوقية، تبعًا لتنامي الشعور بالخطر الأمني وفي الوقت نفسه عدم القلق من انهيار الأوضاع الاقتصادية جراء تعدد المهام العسكرية، بسبب الدعم الأمريكي المتزايد.
إن تلاشي تلك العقبات مع تمرير قانون الإعدام يمنح المتطرفين فرصة ذهبية لإنجاح مشروعاتهم الأخرى لتخريب القدس الإسلامية المسيحية وتوسيع المستوطنات وربطها ببعض، والاحتلال الرسمي لأجزاء جديدة من الضفة الغربية، ودعم المستوطنين، والتضييق على الأسرى.
ولا يمكن التصدي لهم إلّا برد فعل مزلزل من مصر والدول التي مازالت على عهد اهتمامها بالقضية الفلسطينية بالتوازي مع التحرك الجماعي النشط على الصعيد الدولي. إذ أن الإبقاء على التعاون الاقتصادي وفتح المجال لاستئناف الاتفاقيات الإبراهيمية في الظرف الإقليمي الحالي لهما نتيجة واحدة فقط هي وصول نتنياهو إلى ما يكرره في خطاباته: إسرائيل محورًأ وحيدًا للمنطقة ومحركًا حصريًا لها.