فرحة مصر - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 29 مارس 2020 9:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

فرحة مصر

نشر فى : الأحد 2 أغسطس 2015 - 5:35 ص | آخر تحديث : الأحد 2 أغسطس 2015 - 5:35 ص

بعد أيام قليلة، تشهد مصر حفل افتتاح المشروع الجديد المرتبط بقناة السويس المصرية، وهو المشروع الذى شهد ومازال جدلا واسعا حول تسميته الصحيحة، وما إذا كان بالفعل عبارة عن «قناة جديدة» أم مجرد «تفريعة»، فضلا عن جدل آخر حول جدواه الاقتصادية وأثرة على الاقتصاد المصرى، ثم جدل ثالث حول حفل الافتتاح وطبيعة الحضور والإنفاق.. إلخ.

فى ظل البيئة المستقطبة التى نعيش فيها بسبب الصراعات السياسية الحادة فى البلاد، يكون من الصعب بالفعل التوصل إلى الحقائق أو حتى محاولة إيجاد بيئة عقلانية للنقاش حول الأمور الجدلية فى مصر، فنحن أمام فريقين كبيرين، فريق يرى أن «قناة السويس الجديدة» هى معجزة مصرية تلزم الاحتفاء والفخر برئيس مصر وجيشها. يدعو هذا الفريق للاحتفالات الصاخبة ويعتبر أن أى تساؤل مشروع حول المشروع هو من قبيل عدم الوطنية! مقابل فريق آخر يرى أن «التفريعة» وهم ومبالغة وقد استعان لمدة عام بما أسماه علماء جيولوجيا لإيضاح أن التربة ستنهار والمشروع سيفشل وأن مدة عام لن تكون كافية أبدا لبنائه. بين الفريقين الكبيرين قطعا هناك فرق أصغر تحاول البحث عن الحقائق بعيدا عن المبالغات والاستقطابات والابتزازات باسم الوطنية، ثم هناك أناس بالفعل فى حاجة نفسية عميقة للشعور بالنجاح والفرح والإنجاز والثقة بالذات على مستويات وطنية لتعويض مآسٍ قومية أو شخصية تعرضوا لها على مدى السنوات الماضية.

***

على المستوى الشخصى، ولكونى غير متخصص فى الجيولوجيا أو الاقتصاد، وأدعى أنى أمثل فى هذا البعض، أتمنى ما يلى:

أولا: أتمنى النجاح والتوفيق للمشروع، فالنجاح هو فى صالح الشعب قطعا، لكنى أتخوف كالعادة من أن كثيرين يخلطون بين نجاح تنظيم حفلات الافتتاح وإبهارها وبين نجاح المشروع نفسه ما بعد الانتهاء من أفراح الاحتفال وإبهاراتها وصخبها. فنجاح حفلات الافتتاح وحضور زعماء العالم وإشادة كبريات الصحف هو نجاح «الانطلاق»، أما نجاح «الاستمرار» فله حسابات أخرى.

ثانيا: أتمنى الفرحة للمصريين بالفعل، وهذه الفرحة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية تعنى أمرين، أن ينعكس هذا المشروع بشكل إيجابى على مجمل أداء الاقتصاد المصرى فى الأجلين القصير والمتوسط أولا، ثم ينعكس ذلك بدوره على حياة المواطن العادى الذى مازال يعانى شظف الحياة ويواجه تحديات اقتصادية جمة، لتوفير المتطلبات الأساسية للعيش الكريم من مأكل ومسكن وملبس وتعليم وصحة وأمن.

ثالثا: أتمنى أن تفرح مصر كلها بهذا المشروع وغيره، لكن دون استخدام هذا النجاح للمزايدة على وطنية المعارضين وابتزازهم للسير فى ركب وصلات النفاق والتمايل طربا على أنغام التزلف للحاكم وطلب رضائه واستغلال الفرص للظهور فى الصورة لدى السلطة والتقرب منها. فالمعارضة فعل سياسى أصيل، والمعارضون مهمتهم طرح التساؤلات وتفنيد الحجج والضغط بكل الطرق السلمية المتاحة على السلطة نحو فتح الباب للحرية والتعددية والشفافية.

رابعا: أتمنى أن يفرح كل المصريين فهم يستحقون ذلك بلا شك بعد سنوات من المعاناة، لكن أتمنى أن تدوم فرحتهم على الأجلين المتوسط والطويل، وهذه الاستدامة رهينة بمأسسة أدوات الرقابة والشفافية والمحاسبة، وهذه الأدوات بدورها رهينة بانفتاح البيئة السياسية والتخلى عن عملية تأميم العمل السياسى ومحاصرة الأحزاب وتفصيل قوانين الانتخابات على مقاس السلطة وجماعات المصالح الضيقة المرتبطة بها. فاستدامة العمل العام مرهونة باستمرار مراقبته ومحاسبته وتصوبيه وتجويده، لا بالغناء المستمر له ونفاق القائمين عليه.

خامسا: أتمنى أن يرتفع اسم مصر عاليا بين الدول بسبب هذا المشروع وغيره، بشرط عدم نسب كل النجاحات للرئيس وكل الإخفاقات للحكومة والشعب، لا أريد لاسم مصر أن يرتفع عالميا لأنها ألهت حاكما ووضعته فوق مصاف البشر العاديين، ولكن أريد لاسمها أن يرتفع لأنها انحازت لمصالح البشر كما الحجر. لأنها مكنت شبابها، وحررت البحث العلمى من القيود المفروضة عليه، وانحازت للحريات ولقيم القانون والدستور والعدالة التى تعامل أى مسئول مهما علا شأنه على أنه موظف عام للدولة يخدم الشعب والأمة لا العكس.

سادسا: أتمنى أن ينجح المشروع ويؤتى بثماره قريبا، لكن وبالقدر نفسه أتمنى ألا يستغل هذا النجاح لتكريس فكرة تواضع قدرات المدنيين أو عدم قدرتهم على الإنجاز. فالمدنيون المصريون فى مصر وخارجها قادرون دائما على الإنجاز متى توافرت لهم البيئة المحفزة على العمل، وهى بيئة متعلقة بمجموعة من العوامل، أهمها توافر نظم الإدارة وسيادة القانون وهى العوامل التى تختفى من مصر منذ سنوات. فهجر المدنيون المبدعون فى مختلف المجالات البلاد ليبدعوا فى غيرها أو تواروا لصالح آخرين، متواضعين فى الكفاءة والإنتاج، ولكنهم محترفو تزلف وتقرب لأصحاب القرارات، فهل نعى الفئة الأولى مرة أخرى ونعطيها الثقة والأهم النظام اللازم لإنتاجها وتميزها؟

سابعا: أتمنى أن تفرح مصر وأن تكون هذه الفرحة متوازية مع لحظة تتحرر فيها النخبة من حالة التأميم الاختيارى التى انحازت لها أخيرا. كفى كتابة للرئيس وعن الرئيس، اكتبوا للشعب وعن الشعب، اكتبوا عن التعددية، عن الديموقراطية، عن أوجه القصور كما أوجه النجاح. افتحوا برامجكم ومساحات مقالاتكم وأبواب صحفكم للمعارضين كما للمؤيدين. ادفعوا فى طريق التعددية، وقفوا أمام السلطوية ووصلات النفاق الرخيصة، وتذكروا دائما أن الأوطان تبقى بينما يذهب الحكام ويجيئون.

ثامنا: أتمنى أن يرتفع العلم المصرى خفاقا دائما، معبرا عن معادلة سياسية جديدة هى بدورها معبرة عن بناء سياسى جديد، به موازنة للعلاقة بين المدنيين والعسكريين فى دوائر صنع القرار السياسى، فى المؤسسات الأمنية، فى المشروعات الاقتصادية، فى الإدارة والحكم المحلى، التوازن مطلوب وملح بشدة بين المكونين المدنى والعسكرى، ولن تستقيم الأمور فى مصر إلا بعد الاستقرار على هذه المعادلة وهى بدورها فى حاجة إلى فهم متبادل، إلى فتح المؤسسات العسكرية للمدنيين، وإلى فتح المؤسسات التعليمية المدنية للعسكريين، إلى تفاوض، إلى حوار، إلى دفع باتجاه الثقة المتبادلة المؤسسة دستورا وقانونا، فهل من أمل لصياغة هذه المعادلة قريبا؟

تاسعا: كما سأكون سعيدا وأنا أشاهد فرحة شباب مصرى محب لوطنه، وقد ذهب إلى موقع الافتتاح للاحتفال بالمشروع الجديد، وسأكون أكثر سعادة وأنا أرى شباب قضى فى السجون شهورا تحولت إلى سنوات إما فى السجن الاحتياطى بلا تهم، أو بتهم تم بنائها على قوانين غير دستورية، وقد حصل على حريته. سأكون سعيدا وأنا أرى شبابا مختفيا قسريا وقد عاد إلى أهله، وأنا أرى جمعيات حقوق الإنسان وقد أتيح لها التحقيق النزيه والمستقل فى بلاغات التعذيب والسحل فى السجون. وستزداد سعادتى قطعا اذا وجدت الروح والنشاط قد عادا إلى الجمعيات الأهلية بمختلف أنواعها وانتهى عصر تخويفها وترويعها وتخوينها.

عاشرا: فرحة مصر، هى فرحة نجاح مشاريعها العملاقة بلا أدنى شك، ولكنها أيضا فرحة نجاح مشاريعها الصغيرة، هى فرحة نجاح مشروعات الشباب متناهية الصغر، النجاح بالأساس هو نجاح التفاصيل، قبل أن يكون نجاح الصورة الكلية. فمحاربة الفساد نجاح، والتحيز لهؤلاء الذين يعيشون فى الحياة بلا سند نجاح. استقلال العدالة نجاح، وإنفاذ القانون نجاح، الدمج السياسى للملتزمين بالقانون نجاح، وتطبيق القانون على المخالفين له دون شطط أو تحيز مسبق أيضا نجاح. محاربة الإرهاب نجاح، والتصدى للعوامل التى تخلق البيئة الحاضنة للإرهاب نجاح أيضا.

***

فرحة مصر لا يجب ولا نقبل أن تكون حقا حصريا للبعض دون الآخر، فرحة مصر إن تمت يجب أن تكون فرحة لكل المصريين، فرحة تفاصيل صغيرة وأناس عادية، لا فرحة احتفالات أسطورية ولا إعجازات سلطوية. فرحة مصر يجب أن تكون فرحة إنجازات ملموسة ومحسوسة على الأجلين المتوسط والقصير، لا مجرد فرحة مؤقتة بنجاح تنظيم أو صخب حفل افتتاح هنا أو هناك فرحة مصر لاتسجل فى موسوعات الأرقام القياسية، ولكنها تحفر فى ذاكرة الشعوب عبر الزمن. نفرح لمصر افتتاح مشروع القناة الجديد، وسنفرح أكثر حينما نجده مثمر على المدى الطويل، ثم ستكون الفرحة أعمق وأشمل حين يفرح الجميع بدولة عادلة ونخبة مستقلة ومعارضة غير مخونة ومسئولين بشر غير مقدسين خاضعين للمحاسبة كما غيرهم.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر