عن الفساد ومواجعه - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 25 سبتمبر 2021 4:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

عن الفساد ومواجعه

نشر فى : الأحد 3 أبريل 2016 - 9:45 م | آخر تحديث : الأحد 3 أبريل 2016 - 9:45 م
تثير الإطاحة بالمستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات على خلفية اتهامه بنشر بيانات مبالغ فيها عن حجم الفساد فى مصر أدلى بها لصحيفة يومية، قضايا عديدة منها ما هو المقصود بالفساد؟ وما هى مظاهره؟ وكيف يمكن مكافحته؟ وما هى شروط النجاح فى ذلك؟ وما هى الشروط التى يتعين توافرها فى الأجهزة الحكومية المسئولة عن كشفه واقتراح علاج أسبابه؟

وبداية لابد من الاعتراف بأن الفساد قضية معقدة وخلافية، وأنه ليس هناك قول فصل لا فى تحديد أسبابه ولا فى قياسه، ومن ثم فكل حديث عنه هو مجرد اجتهاد يحمل وجهة نظر محددة، وقد تكون، بل من المؤكد، أن تكون هناك وجهة نظر أخرى، والنقاش حوله يشغل الأكاديميين، ولكن دعوة أجهزة الدولة إلى أن تفصل فى النقاش الذى يدور حوله هو تحميل لها بما هى ليست بالضرورة مؤهلة له، وخصوصا إذا كانت الهيئة الحكومية المدعوة للقول النهائى فى هذا الموضوع هى نفس الهيئة التى توجه الاتهام بالفساد.

خذ مثلا أنواع الفساد، هناك الفساد السياسى مثل تزوير الانتخابات، وهناك الفساد الأخلاقى، وهو البعد عن معايير الأخلاق الحميدة التى يقبلها المجتمع، وهناك الفساد الإدارى مثل المجاملة فى الترقيات وفى التعيين داخل الجهاز الحكومى إرضاء لأصحاب النفوذ أو مجاملة للأقارب، وهناك الفساد المالى، مثل الانخراط فى ممارسات الاختلاس من المال العام أو قبول الرشوة، وهناك الفساد الصغير الذى ينشر بين صغار الموظفين، ورقة العشرين جنيها التى يتم دسها للحصول على شهادة حكومية هى حق مؤكد لمن يطلبها، وهناك الفساد الكبير مثل تلقى كبار الموظفين عمولات سخية لتسهيل تمرير صفقة مع واحدة من كبريات الشركات. والواقع أن أخطر أنواع الفساد هى تلك التى يصعب توقيع العقاب على من ينخرط فيها.
هل عوقب أحد على جريمة تزوير الانتخابات، وهى من أكثر صور الفساد شيوعا فى مصر؟ ولنذكر أنه رغم توافر الدلائل على تزوير الانتخابات فى مصر طوال عهد مبارك مثلا، إلا أنه لم يوجه له هذا الاتهام بعد ثورة يناير، لأنه من الصعب العثور على وثيقة رسمية تحمل أوامر منه بتزييف الانتخابات، كما أن عقوبة تزوير الانتخابات هى جد هزيلة فى القوانين المعمول بها فى مصر، وفيما يتعلق بالفساد الكبير، فمن الملاحظ أنه يسهل على من برعوا فيه أن يجدوا لهم مخرجا إذا ما تم الكشف عما قاموا به، إما لأن القانون يسكت عن مثل هذه الممارسات، أو لأنهم يجدون من المحامين من يستغلون ثغرات القانون لتبرئتهم، وهكذا كان حال الفساد الكبير الذى انخرط فيه كبار قادة نظام مبارك، فقد انتهت معظم محاكماتهم إلى تبرئتهم، وتفتق ذهن وزير العدل السابق عن الاكتفاء بالصلح معهم والعفو عنهم إذا ما دفعوا مبلغا من المال، وهم من البراعة بحيث يخفون معظم مصادر ثروتهم ليتظاهروا أمام المحاكم بأن الدولة قد حصلت منهم على جل ثروتهم، فلا يبقى منها سوى ما يكفيهم ضرورات الحياة، وهو ما قد يستدر شفقة السذج من المواطنين.

***

طبعا لا أريد بهذا الطرح أن أدعو للتخلى عن مكافحة الفساد، ولا حتى لدعوتكم لتصديق بعض الخبراء فى هذا الموضوع الذين اكتشفوا أن بعض الفساد ضرورى أو هو مصاحب للتنمية، ففى مواجهة التعقيدات البيروقراطية، قد لا يكون هناك مفر أمام بعض الشركات سوى دفع «إكراميات» لكبار الموظفين أو صغارهم فقط لتسهيل أمورهم والتى تتفق تماما مع القانون، ولكن فى مواجهة تعنت بعض كبار الموظفين أو صغارهم، فلا يكون أمامهم سوى «الدفع» تسهيلا لنشاطهم وتذليلا لعقبات مصطنعة يفتعلها هؤلاء الموظفون. ولذلك فإن معدلات الفساد التى تكشف عنها تقارير منظمة الشفافية الدولية هى جد مرتفعة فى بعض الدول التى عرفت فى السنوات الأخيرة معدلات نمو مرتفعة مثل الصين والهند والبرازيل. قد تكون هذه الحجة مفهومة فى هذه الدول، ولكنها بكل تأكيد لا تنطبق على مصر، فالفساد فى مصر اقترن بمعدلات نمو منخفضة لم تصل إطلاقا إلى ما عرفته هذه الدول، كما أنه لم يرتبط بالضرورة بتسهيل الأعمال، ولكن بنهب المال العام، واستغلال الوظيفة لتكوين الثروات.

لا داعى مؤقتا لهذا التوسع فى تعريف الفساد، ولنقتصر على الفساد المالى الذى ينخرط فيه الموظفون العموميون أو من يشغلون مناصب عامة. القاعدة العامة هى أن أخطر أنواع الفساد هى تلك التى لا تقع تحت طائلة العقاب، ولا يجرمها القانون. ولتحكموا أنتم بأنفسكم أعزائى القراء. فلنقل إن الفساد المالى هو إهدار المال العام إما لتحقيق كسب خاص أو إنفاقه فيما ليس ضروريا للوطن وليس بالتأكيد أولوية عالية له. هذا الفساد المالى يمكن أن ينجم عن استغلال المنصب العام للحصول على نفع خاص، وكما ذكرت هذه هى صورة الفساد التى تقفز فورا إلى الأذهان. استخدام أحمد عز نفوذه كزعيم للأغلبية فى مجلس الشعب لتعديل قانون مكافحة الاحتكار الذى كان مجلس الشعب قد وافق عليه بالفعل هو استخدام لمنصب عام تحقيقا لمصلحة خاصة، وتضخم ثروة حبيب العادلى بلا سند قانونى أثناء توليه منصب وزير الداخلية هو يندرج فى هذه الفئة. ولكن إلى جانب الفساد المالى الفردى هناك أيضا الفساد المالى المؤسسى، عندما تستغل إحدى مؤسسات الدولة وضعها المتميز فى جهاز الدولة للحصول لها أو لأفرادها على امتيازات خاصة لمجرد انتمائهم لهذه المؤسسة فذلك هو أيضا فساد مالى، وهناك أيضا فساد السياسات عندما توجه موارد هائلة لتنفيذ مشروعات ليست ضرورية، لم تخضع للدراسة، ولم تكن موضوعا لنقاش عام، وخصوصا عندما لا يكون سبب انتهاج هذه السياسات هو الحفاظ على عمالة أو الخضوع لضغوط من جانب بعض العاملين الذين يجدون التحول إلى وظائف أخرى نقلة لا يريدون التكيف معها. لقد انتقد المستشار هشام جنينة الامتيازات غير المبررة التى تحظى بها بعض مؤسسات الدولة مثل الشرطة والقضاء. وها نحن نرى مجلس النواب يسير على نفس المنوال رافضا اقتراح مجلس الدولة بإسقاط بند فى لائحته يطالب بإدراجها رقما واحدا فى ميزانية الدولة وإخضاعها لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات. وكمثل للسياسات التى تهدر المال العام الإبقاء على مشروعات خاسرة فى القطاع العام دون إعادة تأهيلها، أو الإبقاء على العمالة الضخمة والخسائر الهائلة التى تتحملها ميزانية الدولة سواء فى مبنى ماسبيرو أو فى معظم الصحف القومية. لو كانت كل سياسات ومشروعات حكومتنا تخضع للنقاش العام وتجرى بلورتها بعد مقارنتها بالبدائل الأخرى وبأولويات الوطن لتجنبنا هذا الهدر فى المال العام فى وقت تعانى فيه ميزانية الدولة من عجز يصل بحسب الحساب الرسمى لأكثر من 11% من الناتج المحلى الإجمالى. لو كانت سياساتنا فى جميع المجالات تفى بشروط الحكم الرشيد من التزام بحكم القانون، ومن رشادة فى صنع القرار، وشفافية، ومساءلة ومشاركة شعبية لأمكن توجيه الجانب الأكبر من مواردنا لدفع تنمية طاقاتنا الإنتاجية والنهوض بالتعليم والصحة، وهما من أولويات التنمية الإنسانية.

***

لعل هذا التحليل يبين لكم كم هو صعب قياس الفساد، وكم هو سهل الإمساك بأكثر صوره وضوحا، ولكنها ليست بالضرورة أشدها خطورة. كما أن هذا التحليل يبين أيضا صعوبة أن يضطلع جهاز حكومى واحد بمكافحته. وإذا كان من المستحيل القضاء المبرم على الفساد فإن شروط مكافحته تشمل أولا أوضاع النظام السياسى بما يتيحه من شفافية من خلال احترام حقوق التعبير والبحث العلمى وإتاحة ما يتوافر من معلومات عن الفساد للمواطنين ولمراكز الأبحاث. ولعلكم تعرفون أن تقارير جهاز المحاسبات وكذلك تقارير هيئة الرقابة الإدارية لا تتاح إلا لرئيس الدولة ورئيس الوزراء وربما لرئيس مجلس النواب، ولكنها خارج هذه الدائرة الضيقة نادرا ما تتاح لا لمراكز الأبحاث ولا للرأى العام، وأتحدث هنا عن تجربة شخصية.
الشروط الأخرى للنجاح فى مقاومة الفساد تشمل ضرورة المساءلة الحازمة للمتورطين فيه بجميع صوره. كما أن ضمان استقلال الأجهزة الحكومية المنوط بها مكافحة الفساد هو أمر أساسى. ولذلك فربما كان إصدار الرئيس السيسى قانونا يتيح له عزل رؤساء هذه الهيئات بمثابة سيف مصلت من رئيس السلطة التنفيذية على هذه الأجهزة. وتؤكد الإطاحة بهشام جنينة أن هذا السيف قد يسقط على رأس أى منهم فى أى لحظة دون أن يعرف السند القانونى لسقوطه.
مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات