قـــعْدَة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الجمعة 28 يناير 2022 9:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


قـــعْدَة

نشر فى : الجمعة 3 ديسمبر 2021 - 7:50 م | آخر تحديث : الجمعة 3 ديسمبر 2021 - 7:50 م
مَرَرت خلال جَولةٍ على الأقدام في حيّ قديم، ببنايةٍ متوسطة العمر وقد قبع حارسُها أمامها، مُتربعًا على وسادةٍ سميكة، وانتظمت من حولِه قعدةٌ مكونةٌ مِن دكَّة خشبيةٍ تقليدية، ومقعدِ صالون مُتهالك مال على جانبه وتمزَّق كساؤُه، وطلَّ القطنُ ذو اللونِ البنيّ الكالحِ من زواياه وأركانه. بدا الرَّجلُ مُستريحًا في مَوْقِعه، مُستمتعًا بوضعِه، فلمّا جاء صغيرُه؛ أفسح له شبرًا بجانبه ليتجاورا، بينما المقعدُ والدكّةُ خاويان.
•••
تكشفُ الجلسةُ بعضَ تفاصيل من حياةِ صاحبِها؛ فإما ترفٌ أو شظفٌ، راحةٌ أو تعبٌ، رضاءٌ أو سُخطٌ، بالٌ رائقٌ أو خاطرٌ مَهموم. الجلوسُ في ذاته اختيار قد يخضع لعواملَ كثيرة. تذكرت وقد دلفت يومًا إلى حافلة عامة في بلد أوروبيّ أزوره للمرة الأولى، جَلست في المقعد الوحيد الخاوي، ولما صعدت امرأةٌ عجوزٌ وظلَّ الجالسون على حالهم، قُمت لها مِن مكاني؛ لكنها أبت أن تأخذه. رجوتها بإصرار، فكرَّرت رفضَها القاطع وكادت تعلن الغضبَ؛ والظنُّ أنها لم تجد في جسمِها ما يعوق الوقوفَ، ولا في نشاطِها نقصًا يجعلها تقبل عرضيَ أو تطلبُ العونَ من آخرين. كانت المُساعدة التي ظننتها مُثَمَّنةً؛ بمنزِلة إساءةٍ ترميها بالكِبَر وتُهين قدرتَها وكبرياءها.
•••
بين الجالسين في الحافِلة مَن اضطجع كأنه في بيتِه، ومَن خفضَ رأسَه يقرأ كتابًا؛ وهؤلاء مِن الأعمار كافة، ومَن انحنى ينظر مِن النافذة ويستمع إلى موسيقى تتلقاها أذنُه وتعزله عن المُحيط، ومَن فرد ظهرَه مستقيمًا كالمَسطرةِ، وعكست هيئته جدّيةَ صباحٍ مُبكِر والتزامات عملٍ مُؤسَّسيّ لا هوادة فيه.
•••
الجلسةُ في مَعاجم اللغةِ العربيةِ مُرادف "القِعدة" بكسر حرفيّ الجيم والقاف على التوالي، وبئرٌ قِعْدَةٌ أي؛ طولها كطولِ إنسانٍ في جُلوسه، أما القُعدة بضمّ القاف، فما يُتَّخذ مِن الدَّواب للركوبِ وحَمْل المتاع والزاد. القعدة في البلاغةِ أنواع، يُقال قعدةُ أُنس؛ والُمراد تلك التي يجتمع فيها المتسامرون فتأخذهم الخفَّة ويحدوهم الميل إلى الهذر والمُلاطفة، ويُقال قعدةُ رجال؛ والقصد أن قوامُها الجديةَ والصرامة، ومآلها إلى التوافُقِ على أمرٍ يَستوجِب الحسمَ والإقرار، كذلك يُقال قعدةُ عَرب؛ لوَصف مَجلس تُرَدُّ فيه المظالمُ والحقوقُ لأصحابها، أما قعدةُ الستات؛ فتشي بمحتوى مِن النمائم والأسرار، لا يصطبغ في العادة بالجدّ ولا تحوطه أماراتُ الخطورة؛ إنما فيه من الخُصوصية ما يستدعي الهمسَ وربما استوجب الاختلاء.
•••
هناك أنواع من القاعدين؛ ثمة قاعد على نار؛ يؤرقه الترقُّبُ وتغزُّ مجلسَه أشواكُ الانتظار ويبصر الناسُ مدى قلقِه وتحفُّزه، وثمَّة قاعد في حالِه؛ لا يلحظه الآخرون لهدوئه، وأحيانًا لا مبالاته،؛ لكنه ليس بالضرورة مُستسلِمًا، ربما يشاهد ويستنتج إنما يتكتَّم.
•••
تختلف القعدةُ مِن بيئة إلى أخرى؛ ثمَّة مَن يستريح إلى التربُّع أرضًا أو على مَصطبة، ومَن يفضل مقعدًا بلا مسندٍ أو ظهر، وهناك مَن يجلس القُرفصاءَ ويبديها على غيرِها مِن الأوضاع؛ يحفظ اتزانَه وليس على الأرض سوى كعبيه وباطنِ القدمين، ويظلُّ على حاله لساعات دون أن يشعر بضيقٍ أو تعب. مِن المقاعد ما يحظى بصلابةٍ تمنع الاعوجاجَ وانحناءَ الظهر، وما هو وثيرٌ لين يغوص فيه الجسمُ ويسترخي؛ وقد حملت إلينا الثقافة الأمريكية أنواعًا من المفروشات والأثاث، مُصمَّمة لتستوعب الأجسادَ؛ فتتشكل بتضاريسِ مُستخدِمها لتهدهدَه وتعطيه راحةً استثنائية. مِن المقاعد كذلك ما يقدم درجاتِ رفاهةٍ مُتصاعدة؛ ولا عجب والعالمُ في تقدُّم دائم، وأماراتُ الوفرةِ في تزايُد واطراد رغم بوادر التضخُّم والكساد، أن تقومَ مقاعدُ بعضِ السياراتِ مُرتفعة المستوى، بتدليك جسمِ صاحبها وتدليله ما تلقَّت الأمر.
•••
مِن أثر النشأة والبيئة ما قد يدفع المرءَ لاختيار قعدةً بعينها، ومن الأدبِ واللياقة ما يمنعه عن قعدةٍ أخرى؛ لا يحكُمه في هذه أو تلك مبلغُ الراحةِ الجسدية التي يستشعرها، بل يوجهُه الذوقُ العام؛ فإما قبولٌ أو استنكار. في بعض الثقافاتِ لا يستنكف الواحدُ أن يجلسَ فيما أكبر منه عمرًا ومقامًا وقوفٌ، ولا يستحي أن يضع ساقًا فوق أخرى وأن يجعل نعلَ حذائِه في وجه مَن استوى أمامه، وفي ثقافاتٍ أخرى لا يجلس مَرؤوسٌ في حضرةِ رئيسِه ما لم يأذن له، ولا رجلٌ في حضرةِ امرأةٍ ما دامت واقفة.
•••
ثمَّة فارقٌ لغويّ هائل بين القاعدِ والقعيد، الأول يؤدي فعلًا إراديًا والثاني في وَضعِ العَجْز؛ القاعد بإمكانه أن ينهضَ، والقعيد مُقيَّد في مكانه. مِن الناس مَن يُقعده المرضُ؛ وله العذر، ومَن يُقعِده فقر الإرادة وجفافُ الهمَّةِ وبوار العزْم؛ وله الرثاء ما عاش، وهناك مَن لا يُقعده هذا ولا ذاك؛ يقاوم الألمَ وقهره ويتخلى عن حلاوةِ القعدةِ والرقاد؛ فيمضي نحو هدفه بلا إبطاء.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات