صفقة الغاز مع إسرائيل: مناقشة هادئة - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 28 فبراير 2020 8:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


صفقة الغاز مع إسرائيل: مناقشة هادئة

نشر فى : الأحد 4 مارس 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 4 مارس 2018 - 9:35 م

أشد ما نحتاجه فى هذا الظرف الدقيق الذى تمر به مصر هو مناقشة هادئة لأوضاعنا الداخلية والخارجية على حد سواء، مناقشة مفتوحة لجميع وجهات النظر، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بتحول أساسى فى سياسة مصر تجاه إسرائيل، من السلام البارد إلى السلام الدافئ، وهو تحول تصاعد مع اللقاءات على مستوى القمة بين قادة البلدين، وترجمته صفقة الغاز الطبيعى التى ستستورد مصر بموجبها كميات منه بقيمة 15 بليون دولار على مدى عشر سنوات. فما الذى يبرر هذا التحول من السلام البارد إلى السلام الدافئ فى الوقت الذى تستعد فيه الحكومة الأمريكية لافتتاح سفارتها فى القدس بعد شهور، ويسعى رئيس الوزراء الإسرائيلى للحصول على اعتراف الحكومة الأمريكية بالمستوطنات الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية باعتبارها تقع قانونا تحت السيادة الإسرائيلية كجزء من إقليمها.

وقد كان للسلام البارد منطلقاته التى قبلها الشعب المصرى بل وحكوماته المتعاقبة منذ توقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية فى 1979 على مضض. التنازلات التى قدمها السادات فى هذه المعاهدة كانت الثمن الذى دفعته مصر لاستعادة أراضيها التى ظلت إسرائيل تحتلها منذ سنة 1967 بما فى ذلك الحد الأدنى الرسمى من التطبيع، أما ما يتجاوز ذلك بالتحول إلى السلام الدافئ أو المضى قدما على طريق التطبيع الاقتصادى والثقافى فكان الأمل يحدو كثيرين من المصريين أن تدفع إسرائيل فى مقابله ما يجعل المصريين يقبلونها دولة مثل دول أخرى لا تحقق سلامها على حساب إهدار الحقوق المشروعة للآخرين، وذلك بتخليها عن احتلال الأراضى العربية التى سيطرت عليها فى يونيو 1967، وخصوصا كامل الضفة الغربية بما فى ذلك القدس ومرتفعات الجولان السورية، ورفع حصارها لقطاع غزة.

• الثمن السياسى للصفقة:

والبدء بالجانب السياسى هو مقصود للرد على هؤلاء الذين يشيعون أن تلك مجرد اتفاق اقتصادى بين عدد من رجال الأعمال المصريين وشركة إسرائيلية، وأن الاقتصاد له منطقه المستقل عن الاعتبارات السياسية. وقد يجوز ذلك فى الحديث بين رجال أعمال ينحون الاعتبارات السياسية جانبا طالما أن ما يتفقون عليه يحقق لهم أرباحا، ولكن هذا الاتفاق هو بين حكومتين تتستران وراء شركتين تابعتين لكل منهما. والدليل على ذلك أنه فى الحالة المصرية تحديدا بعض أصحاب شركة دولفينوس لا علاقة لهم أصلا بنشاط النفط أو الغاز، وإنما برزوا فى مجالات أخرى بعيدة عنه، ويستبعد أن يكونوا قد فكروا فى إبرام مثل هذه الصفقة دون تنسيق مع أجهزة الدولة المصرية منذ البداية، إن لم تكن أجهزة الدولة هى التى بادرت وطرحت عليهم فكرة تكوين هذه الشركة ولهذا الهدف، كما كان حال الشركة التى أسسها حسين سالم لأغراض مماثلة . هذا اتفاق سياسى وفى مجال له أهمية استراتيجية لأن الغاز مصدر طاقة يستخدم فى الصناعة كما يستخدم فى الاستهلاك. وقضايا الطاقة هى قضايا استراتيجية فى المحل الأول لضرورتها فى السلام كما فى الحرب. هذا الاتفاق يحول علاقة مصر بإسرائيل إلى علاقة اعتماد حيوى ولمدة عشر سنوات قادمة حتى يتاح لمصر أن تحقق اكتفاءها الذاتى من الغاز الطبيعى. طبعا إنتاج حقول الغاز الطبيعى المصرى كبير ويمكن نظريا أن يلبى حاجاتنا، ولكن إذا ما أدخلنا فى الحساب نصيب الشريك الأجنبى المتمثل فى الشركات الإيطالية والبريطانية والروسية التى تستخرج الغاز من هذه الحقول، وهو لا يقل عن النصف من الإنتاج، فإن فترة الحاجة لواردات غاز طبيعى ستطول. فماذا كسبت مصر من تحولها من مصدر للغاز إلى إسرائيل وهو موقف أقوى، إلى الموقف الأضعف بتحولها إلى مستورد من إسرائيل. فى الموقف الأول نحن نتحكم جزئيا فى قدرة إسرائيل على سد احتياجاتها، وفى الموقف الثانى إسرائيل تتحكم فى سد احتياجات صناعاتنا واستهلاكنا المنزلى.

كسبت إسرائيل سياسيا بالتحول إلى السلام الدافئ وهو ما تتطلع إليه. وكافأتها حكومتنا على استمرار سياساتها الاستيطانية، وتجاهلها لحقوق الفلسطينيين ومطالبات المجتمع الدولى بالتوقف عن تغيير الطابع الديموجرافى والحضارى للقدس الشريف، وأظهرنا للعالم كله أن إدانتنا للقرار الأمريكى بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل فى الأمم المتحدة لا يجول دون أن نقدم لرئيس الوزراء الإسرائيلى والمتهم بالفساد هدية فى صورة هذا الاتفاق الذى صرح هو بأن يوم توقيعه هو عيد فى إسرائيل.

فليقل لنا هؤلاء الكتاب الذين انبروا دفاعا عن هذه الاتفاقية على صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزيون ماذا كسبت مصر سياسيا سوى التآكل فى مصداقية أى سياسة عربية لحكومتها، والمزيد من توتر العلاقات مع السلطة الفلسطينية التى تجد نفسها فى مواجهة منعزلة مع إسرائيل التى تنمو شبكة مصالحها مع مصر مما يمكن أن يكون له أثره على صلابة موقفها فى أى اتصالات مع إسرائيل تخص الفلسطينيين، وما هى الحجة السياسية التى يمكن أن تطرحها حكومتنا على الرأى العام الذى كان مأخوذا بإعلان قرب وصول مصر إلى تحقيق الاكتفاء الذاتى عند افتتاح إنتاج حقل ظهر؟

• البعد الاقتصادى للاتفاق:

كما هو الحال فى الشق السياسى للاتفاق، وهو مكسب صاف لإسرائيل، فهو نفس الأمر بالنسبة للشق الاقتصادى. الاتفاق يحل مشكلة عويصة بالنسبة لإسرائيل. هى تحولت من مستورد للغاز الطبيعى إلى الاكتفاء الذاتى منه. ولكن إنتاجها يفيض عن حاجتها، ولا تستطيع تصديره بحالته الغازية إلا إلى بلاد مجاورة، ولا تستطيع تصديره لدول أخرى إلا إذا كان هناك أنبوب بحرى ينقله، أو أتمت تسييله ليصدر سائلا. وهذان الاحتمالان ليسا قائمين. لا يوجد خط الأنابيب البحرى المطلوب فى الوقت الحاضر، وإرساؤه تحت مياه المتوسط إلى موانئ الاستيراد يكلف أموالا طائلة ولا بد أن يمر من خلال المياه الإقليمية أو المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من قبرص واليونان، وهما بدورهما يعومان فوق بحيرة من الغاز الطبيعى، ولابد من الاتفاق معهما على نحو يحقق مصلحة مشتركة لهما وليس فقط لإسرائيل. كيف تخرج إسرائيل من هذه الورطة. هنا تتقدم دولتان عربيتان للإنقاذ. مصر من خلال شركة القطاع الخاص ، والأردن. ربما لم تكن هناك بدائل أخرى أمام الأردن. ولكن مصر كانت أمامها بدائل، لأنه بشهادة الدوريات المتخصصة طلبت مصر إرجاء أو إلغاء تلقيها لشحنات كبيرة من الغاز الطبيعى كانت قد فاتحت بشأنها الشركات الموردة. وهكذا لم تعدم مصر البديل فى تغطية احتياجاتها من الغاز الطبيعى المسيل، ولكن الحكومة المصرية فضلت البديل الإسرائيلى.

وقد طرح المدافعون عن الاتفاق أن مصر ستكسب رسوم استخدام أنبوب الغاز الذى كان ينقل سابقا الغاز المصرى إلى كل من إسرائيل والأردن، ولكن فى الاتجاه المضاد. كما ستكسب مقابل تسييله فى معملى التسييل فى كل من دمياط وإدكو. ولكن رسوم المرور هذه هزيلة للغاية لا تتجاوز كحد أقصى 10% من قيمة الغاز المستورد من إسرائيل، أى ما لا يزيد عن 150 مليون دولار، أو أقل من 3% من دخلنا من قناة السويس، وليس من المعروف من الذى سيدفع رسوم النقل أو التسييل إذا كان الغاز سيستخدم سواء فى سد احتياجات السوق المحلى أو التصدير. مرة أخرى لا تتوفر نصوص الاتفاق الموقع مع شركة دولفينوس . والأرجح أن يتحمله الطرف المستورد والذى سيحمله غالبا على المستهلك المصرى الصناعى أو المنزلى، أو المصدر فى الحالات القليلة التى سيصدر فيها.

كما يقال دفاعا عن هذا الاتفاق أن إسرائيل ستتنازل بموجبه عن الغرامة التى حملتها محكمة تحكيم دولية على مصر بسبب إلغائها تصدير الغاز لإسرائيل من جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد ثورة يناير وتكرار تدمير أنبوب الغاز فى سيناء الذى ينقله إلى إسرائيل. ولكن الصحافة الإسرائيلية ذاتها أنكرت ذلك مشددة على أنه لا علاقة بين الأمرين.

تحول مصر إلى مركز إقليمى لتداول الغاز هو فكرة طموحة وممتازة، ولكن تحقيقها يقتضى إرساء أنابيب غاز بحرية من الدول الأخرى المنتجة للغاز الطبيعى فى شرق المتوسط وخصوصا قبرص واليونان، وهو مشروع ذو تكلفة عالية ليس من المعروف ما إذا كان البلدان يتحملانها، ولا يبدو أن المفاوضات بشأنه قد بدأت بالفعل مع شركات دولية، كما يقتضى تذليل العقبات التى قد تضعها تركيا فى طريقه، وتكاد تركيا تكون الدولة الوحيدة فى شرق المتوسط التى لا يصل إليها حقل الغاز الطبيعى الهائل فى أعماق هذا البحر. وقد تمر بها خطوط أنابيب منافسة. كما تجب دراسة تسويق الغاز المسيل فى أوروبا، وخصوصا فى مواجهة أنبوب الغاز الروسى، وهو المصدر الأساسى لتوفير الغاز الطبيعى فى عدد من دول شرق ووسط أوروبا. أما استفادة إسرائيل من سوق الغاز الطبيعى فى مصر أو إمكانات التسييل فيها، فهو أمر له ثمن سياسى واقتصادى. ولا يجب أن نكون أقل براعة من الإسرائيليين فى اقتضاء هذا الثمن.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات