مواجهة «فيروس كورونا» وتصاعد دور الحكومات - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الإثنين 28 سبتمبر 2020 2:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


مواجهة «فيروس كورونا» وتصاعد دور الحكومات

نشر فى : الأحد 5 أبريل 2020 - 10:40 م | آخر تحديث : الأحد 5 أبريل 2020 - 10:40 م

لم تقتصر تداعيات كارثة «فيروس كورونا»، التى تتزايد أخطارها على البشر كل يوم عما سبقه على المستوى العالمى على آثارها الصحية والطبية، بالرغم من الإجماع على جلل تلك التأثيرات على حياة البشر على صعيد كوكب الأرض بأسره وعلى صحتهم وسلامتهم البدنية، والنفسية أيضا، بل إنها فتحت الباب للحديث عن تطورات كثيرة وتغييرات كبرى فى مسار الإنسانية الآن وفى القادم من الأيام، بما يشكل تحولات نوعية وربما تكون غير مسبوقة، بل ربما كانت تلك التغيرات خارج الحسابات والتقديرات لدى المفكرين الباحثين والمحللين قبل اندلاع أزمة «فيروس كورونا» الأخيرة، وبدأ فى الفترة الأخيرة الحديث بشكل متزايد عن تلك النتائج والتداعيات والتأثيرات غير الطبية وغير الصحية.
وسوف أتناول فى هذا المقال واحدا من هذه التداعيات، التى هى بالتأكيد جاءت ضد المد الجارى منذ ثلاثة عقود أو أكثر فى النظام الدولى، كما أنها بالتأكيد أيضا جاءت ضد رغبة أطراف عديدة ومتنوعة ذات تأثير كبير فى النظام الدولى، وكذلك ضد توجهات عقائدية وأيديولوجية غلبت بدرجة كبيرة على المشهد العالمى على مدار العقود القليلة الماضية. وأعنى هنا ما أدت إليه الحاجة لمواجهة كارثة «فيروس كورونا» من تصاعد مفاجئ فى دور الدول والحكومات، وأهمية هذا الدور، ربما بشكل غير مسبوق على مدار العقود الثلاثة الماضية منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر السوفيتى فى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين.
وقد حدث هذا التصاعد حتى فى أكثر الدول والأنظمة ضراوة فى الدفاع عن دور الفرد ودور القطاع الخاص والمبادرة الشخصية، وشملت دولا تحكمها حكومات يمينية شديدة العداء، بحكم انتمائها الأيديولوجى والعقائدى، لدور الدولة والحكومة، وللتدخل بأى وجه من الوجوه أو صورة من الصور فى حرية السوق والداعية بقوة، بل والمتبنية على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية، لترك جميع الأمور الحياتية والمجتمعية للشعوب، وليس فقط تسيير الاقتصاد والتجارة، بشكل تام فى تلك الأيدى غير المرئية، بحسب وجهة نظر هؤلاء، لآليات العرض والطلب، والتى تصحح نفسها باستمرار وتعمل بشكل تلقائى على إصلاح أى خلل قد يحدث أو تقصير قد يتم، مرة أخرى بحسب هؤلاء أيضا.
وتحدث تلك التحولات غير المتوقعة على الإطلاق قبل انطلاق محاولة مواجهة «فيروس كورونا» والسعى للتغلب عليه، بعد عقود طويلة، وعلى أقل تقدير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، كنا نشاهد فيها البلدان الغربية ومؤسساتها الفكرية والثقافية وأدواتها الإعلامية، على تنوعها، تدعو بلدان الجنوب المستقلة حديثا فى معظمها فى تلك الأثناء، إلى تبنى منطق السوق الحرة ونبذ أفكار التخطيط والقطاع العام ومركزية القرار وما إليها من مفاهيم ارتبطت فى معظمها بأشكال مختلفة وتنويعات متعددة من الفكر اليسارى، خاصة الاشتراكى، آنذاك، بل ووصل الحال فى حالات كثيرة يعرفها الجميع إلى ممارسة الضغوط على بلدان العالم الثالث ومحاولة التدخل، بصور مختلفة، فى شئونها الداخلية، بل وأحيانا التدخل العسكرى المباشر أو عبر تدبير انقلابات عسكرية من الخارج، لدفع تلك الدول لتغيير مسارها وتحويل دفة نظمها الاقتصادية والاجتماعية إلى ما يتماثل مع توجهات البلدان الغربية، كذلك كان للمؤسسات الاقتصادية الرأسمالية العملاقة، سواء الوطنية أو عبر الوطنية، نصيب لا بأس به أيضا فى الكثير من تلك الحالات والأمثلة.
ولم يكن تبدل الأحوال على هذا النحو ناتجا عن تغير عقائدى أو أيديولوجى، بل هو مرتبط بالضرورات التى بالنسبة لحكومات البلدان الغربية، خاصة اليمينية منها، وهى الغالبة فى هذا الوقت، تبيح المحظورات لها أيديولوجيا، بل وتوجبها، بل نذهب إلى مدى أبعد ونقول تحتمها. فقد أوجد تحدى «فيروس كورونا» وما خلفه من آثار متسارعة الخطى ولا يملك أحد التحكم فيها أو حتى التنبؤ بها حالة متفاقمة من تعرض المواطنين للإصابة بالمرض اللعين، الذى فاقت نسبة الوفيات بين المرضى به حتى الآن نسبة الخمسة فى المائة، وبدأت الحكومات فى بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية تتعرض لانتقادات حادة من الصحافة ووسائل الإعلام، التقليدى وغير التقليدى، بها، بل ومن داخل قاعات البرلمانات ومن عدد متزايد من القوى السياسية، بدأت باليسار، ولكنها سرعان ما امتدت إلى قوى الوسط، بل وبعض قوى اليمين، تتهم الحكومات بالتخاذل عن، بل وبالتفريط فى، أداء واجبها، المفترض أنه الأساسى، وهو حماية صحة، بل وحياة ووجود، المواطنين فى تلك البلدان.
وكان أحد العوامل المعززة لتلك الضغوط الداخلية هو ما تحقق فى الصين الشعبية، حيث سخر الكثير من السياسيين والمفكرين والكتاب اليمينيين فى الغرب فى البداية من الإجراءات التى اتخذتها الصين لمواجهة تحدى هذا الفيروس اللعين، واتهموا حكومة بيجين بعدم احترام الحقوق الفردية للإنسان وبعدم احترام خصوصية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وذلك عندما قامت الصين منذ وقت مبكر نسبيا باتخاذ تدابير تقييدية لحركة البشر، وصلت إلى حد عزل بعض المدن والقرى. إلا أنه بمرور الوقت تكشف للجميع أن الإجراءات التى اتخذتها السلطات الصينية حققت مردودا إيجابيا على الأرض من حيث احتواء المرض والحيلولة دون انتشار الفيروس وعلاج أعداد كبيرة من المصابين واقتصار الحالات الجديدة فى الصين الآن على العشرات يوميا، معظمهم من العائدين من الخارج، بينما كانت بالآلاف من قبل.
ووسط الاتهامات بالتأخر فى رد الفعل والتعامل مع الخطر ومع تعاظم انتشار الفيروس القاتل فى البلدان الغربية، وجدت الحكومات الغربية نفسها، وبعد تردد من جانب بعضها وتعالى غير مبرر إزاء هذا التحدى من جانب البعض الآخر، مضطرة للجوء إلى إجراءات لا تختلف كثيرا على الصعيد النوعى عن تلك التى اتبعتها الصين الشعبية، على أمل اللحاق بالأمر وتدارك ما فات، وصلت فى عدد من البلدان الغربية إلى تطلب لحصول المواطن على تصريح مسبق من السلطات المختصة للخروج من المنزل وإلا تعرض للغرامة، ثم الغرامة المغلظة إذا ما تكرر انتهاك تلك التعليمات وخرقها، فى بعض البلدان وللسجن والغرامة فى بلدان أخرى.
بل وتدخلت الحكومات الغربية لوقف جميع أوجه الحياة، وليس النشاط الاقتصادى العام والخاص فقط، باستثناء محلات بيع الطعام والشراب والصيدليات والمصارف ومكاتب البريد والمستشفيات والمراكز الطبية، وهى قرارات أدركت بالتأكيد تلك الحكومات نتائجها الاقتصادية والاجتماعية الضارة، ولكنها أدركت قبل ذلك أولوية الحفاظ على حياة وصحة مواطنيها. ومن ضمن تلك النتائج ما سيترتب على توقف النشاط الاقتصادى من ارتفاع فى معدلات البطالة، وبالتالى أعلنت الحكومات الغربية الكبرى عن حزم من الدعم الاقتصادى والاجتماعى بمبالغ لم يكن أحد يتخيل أن تصرفها تلك الحكومات على سبل الإنفاق العام قبل الأحداث الأخيرة، بهدف الحيلولة دون تسريح المؤسسات الاقتصادية للعمالة الموجودة لديه وكذلك الحيلولة دون إفلاس، ومن ثم إغلاق، تلك المؤسسات لأبوابها.
وهكذا رأينا نتيجة غير متوقعة، وغير مخططة بالتأكيد، للحاجة لمواجهة تحدى «فيروس كورونا» ونتائجه ليست فقط على الصعيد الصحى والطبى، بل على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وهو التحول المفاجئ نحو تعاظم دور الحكومات، حتى فى دول تتولى السلطة فيها حكومات يمينية وتحكمها توجهات عقائدية يمينية.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات