عندما نطمئن للإشارة الخضراء - محمد الهوارى - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 9:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


عندما نطمئن للإشارة الخضراء

نشر فى : السبت 6 فبراير 2021 - 7:15 م | آخر تحديث : السبت 6 فبراير 2021 - 7:15 م

أكتب هذا المقال قبل أيام من دخول امتحان الحصول على رخصة القيادة السويسرية. تسمح القوانين السويسرية للأجانب من حملة الرخصة فى موطنهم بالحصول على الرخصة السويسرية فورا إذا دامت رخصتهم الأصلية لأكثر من عشر سنوات وإذا كانت صادرة من قائمة محددة من الدول معظمها غربية طبعا. أما من كان موطنهم الأصلى من الدول الأخرى التى لم تنص عليها تلك القائمة ــ ومنها مصر ــ فيتعين عليهم خوض امتحان عملى للقيادة، فإذا اجتازوه بنجاح فإنهم يحصلون على الرخصة السويسرية فورا، أما الراسبون (وأعوذ بالله من سيرة الرسوب) فعليهم تكرار العملية كلها من البداية؛ وهى عملية طويلة ومكلفة.
تسمح القوانين السويسرية للأجانب باستخدام رخصة القيادة الدولية خلال السنة الأولى من إقامتهم. وبالفعل قمت بالقيادة عدة مرات داخل سويسرا وحتى إلى المدن الألمانية القريبة دون أية مشاكل تذكر. كانت هى المرة الأولى لى للقيادة فى أوروبا، ولكنها لم تكن المرة الأولى التى أقود فيها سيارة خارج مصر، فقد قمت بذلك عدة مرات فى مدن كثيرة فى الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما شارفت سنة السماح على الانتهاء، بدأت الاستعداد للامتحان بأن قمت بتحميل كتاب قواعد القيادة فى سويسرا باللغة الانجليزية من الانترنت وقمت بمراجعته ثم تقدمت بطلب تحديد موعد الامتحان. وبالفعل قام مكتب المرور السويسرى بتوجيه دعوة لى لدخول الامتحان؛ ومنحتنى تلك الدعوة الحق فى الاستمرار فى القيادة حتى يحل موعد الامتحان.
وبدأت رحلة التدريبات العملية مع مدرب محترف، والحقيقة أن القيادة هنا معقدة جدا وقواعدها أكثر من البلدان الأخرى وقد يكون ذلك بسبب الطبيعة الجغرافية المليئة بالجبال والتضاريس المختلفة وكذلك الجو المتقلب وتعدد وسائل المواصلات العامة التى تشارك السيارات نفس الطرق والتعامل مع كل منها له أصول وقواعد يجب اتباعها. قد تكون أهم ثلاث قواعد للقيادة هنا هى أن أمن الطريق مقدس وكذلك سلامة المشاة وأولوية المواصلات العامة فى حارتها. الأهم أن خلال التدريبات، وجدت قواعد كثيرة لم تكن لدى أى فكرة عنها، ولا يتم تطبيقها فى بلادنا، كثير منها منطقى ولكن بعد القيادة لمدة ثلاثين عاما دون الإلمام بأى منها، من الصعب التعود حتى على المنطقى منها.
تلك القواعد الصارمة تطبق على الجميع دون استثناء. فسائق الأوتوبيس وسائق الترام والقطار وحتى سائق الدراجة والمشاة لكل منهم قواعد وواضحة. خرق هذه القواعد يؤدى فى أسوأ الظروف إلى الوفاة أو السجن وفى أفضل الظروف التعرض لتوبيخ الآخرين. أظن أن أهم ملحوظاتى أثناء التدريب هى أننا عندما نقود فى مصر نحمل هم المخالفات المحتملة لبعض المستهترين من قادة السيارات وإبداعهم غير المحدود فى تعريض حياتهم وحياة الآخرين للخطر مما يمنعنا من التركيز فى التزامنا بتنفيذ قواعد المرور. فاهتمامنا بالآتى من الاتجاه العكسى متعجلا ومستعملا آلة التنبيه المزعجة يعوق التزامنا بحق المشاة فى العبور من الأماكن التى خصصها القانون لهم ومنحهم الأولوية فيها! نفكر فيمن يعبرون كوبرى مترجلين ومبدين ما يشبه الرغبة فى الانتحار ولا نركز فى السيارات القادمة من خلفنا.
قال لى مدرب القيادة «فابريزيو» بعد الدرس الثانى أن القيادة ليست عجلة قيادة أو توجيه سيارة يمينا ويسارا. فالممتحن يعلم جيدا أنك تستطيع أن تفعل ذلك. القيادة هى أن تستطيع التنقل فى أمان لك وللآخرين. هى أن تستطيع القيادة فى أى مكان فى العالم مستخدما فقط اشارات المرور المتعارف عليها دوليا. هذا ما ينظر إليه الممتحن. أغلب الذين لا ينجحون فى الامتحان العملى لا يرتكبون أخطاء كبيرة، بل قد يكون خطأ واحد صغير يراه الممتحن خطأ قاتلا. مثلا أن تتعدى حتى بصفة قصيرة جدا على الحارة المخصصة للنقل العام بدون سبب وجيه أو أن تضايق المشاة عند عبورهم من المنطقة المخصصة لهم حتى دون قصد. لذلك أرى أن الامتحان فرصة لمعرفة مدى استعدادى للقيادة الآمنة. إذا فشلت، فربما بالفعل أحتاج لإعادة تأهيل لتعلم القيادة الصحيحة.
تتلخص المعضلة عندما قام فابريزيو بعد انتهاء أحد التدريبات باستيقافى وقال لى: «يا سيدى، آنت لا تحتاج أن تنظر فى الاتجاه المعاكس عندما تكون إشارتك خضراء. ليس ذلك خطأ فى حد ذاته ولكنه يأخذ من انتباهك للطريق». فكان ردى: «عزيزى فابريزيو أنا مدرك لذلك ولكن لكى تقدر المشكلة سأحكى لك نكتة مصرية قديمة: ركب سائح سيارة أجرة فى شوارع القاهرة وانطلق السائق به ومر على إشارة حمراء ولم يتوقف بل زاد من سرعته، فقال له السائح: أيها المجنون سوف تقتلنا. رد عليه السائق ببرود: أرجوك يا خواجة لا تكلمنى هكذا أنا سائق محترف. وانطلق التاكسى مارا بإشارة حمراء تلو الأخرى دون توقف عند أى منها، والسائح يرجوه أن يتوقف ولكن السائق أخذ يكرر نفس الرد. حتى وصلا إلى إشارة خضراء توقف التاكسى عندها فجأة. هنا صاح السائح متعجبا: الآن توقفت؟؟ رد عليه السائق: توقفت لأنه ربما يمر سائق محترف آخر من الاتجاه المعاكس»!!

محمد الهوارى مدير صناديق استثمار دولية
التعليقات