لعنة ريجينى.. صناعة مصرية - أشرف البربرى - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 2:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

لعنة ريجينى.. صناعة مصرية

نشر فى : الأربعاء 6 أبريل 2016 - 10:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 6 أبريل 2016 - 10:00 م
مهما كانت الحقيقة سواء كانت «الكاملة» أو«المريحة» فى جريمة قتل وتعذيب الشاب الإيطالى جوليو ريجينى، فإن الرسالة التى يجب أن تصل إلى كل من يهمه الأمر فى بلادنا هى أن مصداقية مؤسسات الدولة المصرية لدى صناع القرار فى الدول الأخرى بما فى ذلك الدول الصديقة أو الحليفة ليست على ما يرام. فمنذ اللحظة الأولى أصرت إيطاليا على المشاركة وليس مجرد المساعدة فى تحقيقات الحادث، وهو ما يعنى أن «الأصدقاء الإيطاليين» لا يثقون تماما فى نزاهة وشفافية وربما فى كفاءة ما يمكن أن تقوم به السلطات المصرية من تحقيقات فى هذه الجريمة.

وعندما تطالب مصر بتسليم مطلوبين هاربين فى الخارج، فإنها تواجه تراخيا دوليا فى التجاوب مع هذه المطالب، سواء كانت متعلقة بمتهمين فى جرائم فساد وسرقة للمال العام من رموز نظام حسنى مبارك أو متهمين فى جرائم إرهاب وعنف من بقايا نظام حكم جماعة الإخوان. إذن فمؤسسات الدولة بفشلها فى الوصول إلى الحقيقة وبإهدار مصداقيتها وسمعتها هى من صنعت أزمة ريجينى التى تكاد تتحول إلى لعنة نسعى إلى الفرار منها بكل السبل.

مصداقية المؤسسات والثقة فيها لا تبنيها التصريحات الإعلامية ولا الشعارات البراقة التى يتم إنتاجها وترويجها «للاستهلاك المحلى»، فلا يكفى أن تقول دولة «بورينجا العظمى» إن لديها «قضاء شامخا» لكى يعترف العالم بنزاهة قضائها ويحترمه. ولا يكفى أن تقول إن لديها «سجونا لا يريد السجناء الخروج منها بسبب الرفاهية التى يعيشون فيها» لكى يقتنع العالم باحترامها لحقوق الإنسان، ولا يكفى أن تقول إنه لا يوجد «تعذيب ممنهج» فى أقسام شرطتها لكى يصدقها الآخرون.

فالمؤكد أن العالم يسمع هذه التصريحات ويقرأ هذه الشعارات ثم ينظر إلى الواقع فيجد مؤسسات أقل ما تعانى منه هو نقص كفاءة العاملين فيها بسبب غلبة الوساطة والمحسوبية والتوريث على قواعد التعيين فيها، ثم يجد غياب المحاسبة للعاملين فى هذه المؤسسات الذين يعتبرون أنفسهم «أسياد الناس» بما يعنى استمرار الأخطاء والتجاوزات ويقطع الطريق على أى أمل فى رفع كفاءتهم.

بالطبع هناك من يقول إن «مصر ليست بورينجا العظمى»، وأنا أقول إنه لا ينبغى أن تكون مصر كذلك، ولكن لكى لا تكون مصر بورينجا علينا أن نتعامل مع ملف إصلاح مؤسسات الدولة بالجدية التى تستحقها وأن يكون الهدف الأساسى لهذا الإصلاح هو ضمان حصول المواطن المصرى على حقه فى وجود مؤسسات ذات كفاءة ونزاهة واستقلالية، وليس مجرد مغازلة الرأى العام فى الخارج.

فقد عشنا سنوات وسنوات نصدر خطابا خارجيا يتحدث عن الإصلاح واحترام القانون والحقوق، ونمارس فى الداخل كل ما يتعارض مع هذا الخطاب، فلم تكن النتيجة سوى فقدان مؤسسات الدولة للقدرة على العمل بكفاءة من ناحية، وفقدان مصداقيتها فى الخارج من ناحية أخرى.

وأخيرا عندما يقول أستاذ علوم سياسية بارز مدافعا عن الحكومة المصرية فى قضية ريجينى: «إنه لا يوجد أى جهاز مصرى أو مؤسسة مصرية لها تاريخ فى تعذيب الأجانب»، قبل أن يضيف أن «هناك تاريخ من تعذيب المصريين بس ده زيتنا فى دقيقنا»، فلنا أن نتصور حجم الكارثة التى تعيشها مصر ولنا أن نتصور كيف يمكن أن ينظر إلينا العالم بعد أن يقرأ هذا الدفاع عن السلطة.


أشرف البربرى
التعليقات