من وحي الانتخابات اللبنانية : حاضر لبنان.. مستقبل العرب - طاهر حمدي كنعان - بوابة الشروق
الأحد 26 أبريل 2026 8:55 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

من وحي الانتخابات اللبنانية : حاضر لبنان.. مستقبل العرب

نشر فى : السبت 6 يونيو 2009 - 9:03 م | آخر تحديث : السبت 6 يونيو 2009 - 9:03 م

فى هذا اليوم المفصلى فى تاريخ لبنان، الأحد 7 يونيو 2009، يذهب اللبنانيون بمئات الألوف إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد يؤسس لمرحلة جديدة من حياة هذا الوطن الصغير بحجمه وعدد سكانه، الكبير بحيوية أهله وما استقر فى جيناتهم من «شفرات» العبقرية لحضارات شرقى المتوسط التى اخترعت الأبجدية لدار السلم وأنجبت هانيبعل لدار الحرب. وتأتى هذه المرحلة بعد تصفيات جيوسياسية أكسبت شعب لبنان تحكّما أكبر فى مصيره وسيطرة على مقدراته تجعله استثناء بارزا بين الشعوب العربية التى تنيخ على كواهلها أنظمة لا تنفك «تحصّن» شعوبها ضد «مخاطر» الديمقراطية و«محاذير» الاستقلال عن التبعية لعواصم الدول القوية. وآلام العدوان الإسرائيلى التى اعتبرتها كوندليزا رايس آلام المخاض للشرق الأوسط الجديد، كانت فى الواقع آلام ولادة أول قوة ردع حقيقية للهيمنة الإسرائيلية، حطمت الخرافة التى أصابت جسم الإرادة العربية بالشلل بعد هزيمة 1967، الخرافة التى تقول للشعوب العربية: ليس لديك القدرة على محاربة دولة تمتلك مائتى رأس نووى وتلتزم أمريكا بتسليحها حتى الأسنان.

إذن فإننا لا نملك خيار الحرب، ولذلك علينا أن نختار الاستسلام ساعين إلى التقرب إلى أمريكا وخدمة مصالحها حتى تساعدنا فى تجميل شروط الاستسلام. ما فعلته المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله هو بالضبط تقديم النموذج التطبيقى «للخيار الثالث» إلى جانب «خيار الحرب» و«خيار الاستسلام» وهو «خيار الردع والاحتواء».

الانتخابات اللبنانية اليوم هى منازلة كبرى بين قوى «الخيار الثالث» الذى برهنت على وجوده وجدواه حرب الردع والاحتواء فى يوليو 2006، وقوى «الخيار الثانى» ــ الاستسلام وجنى شتى المكاسب المادية التى يضمنها التحالف الشرير بين طبقة «أغنياء الريع النفطى ومشتقاته» ومصالح الرأسمالية الأمريكية وقاعدتها الأمامية فى إسرائيل.
الناخبون اللبنانيون الذين يذهبون اليوم إلى صناديق الاقتراع، بعضهم سيقترع بوحى الولاءات العائلية والمصالح المحلية المناطقية. والبعض الآخر سيقترع بوحى «المال السياسى» الذى تغدقه بدون حساب طبقة «أغنياء الريع النفطى ومشتقاته» لتشترى أصوات الناخبين الفقراء الذين كانت هى السبب فى استدامة فقرهم وتكريس العوز الذى يدفعهم إلى بيع أصواتهم.

لكننا غير معنييّن هنا بالناخب المدفوع بباعث الولاء أو المصلحة العائلية والمناطقية، ولا بالناخب المدفوع بالحاجة إلى أن يفرج بعض همومه المعيشية بالمال السياسى. لكننا معنيون خصوصا بالناخب الذى يقف حرا ليمارس خيارا حرا فى تقرير صورة لبنان المستقبل، التى بالمناسبة ستشكل القدوة الفعالة لمستقبل العرب. هذا المواطن مدفوع بما قد تشكل لديه من «إدراك» أسهم فى تكوينه الإعلام المضلّل وتزوير الحقائق. ما يقلقنا هو مواقف شريحة من المواطنين الأنقياء السريرة والشرفاء المقصد والمحبين للوطن اللبنانى، الذين دفعتهم غريزة حب الحياة والعيش الكريم (وليس بالضرورة رغد العيش!). هؤلاء قد يترددون فى التصويت لحزب الله أو للتيار الوطنى الحر أو غيرهما من عناصر «المعارضة»، وذلك بتأثير هواجس مشروعة أهمها ما يلى:

الهاجس الأول باعثه نمط من الشعور الوطنى اللبنانى فى صيغة قصيرة النظر ترى أن القضية الفلسطينية قضية محصورة بفلسطين والفلسطينيين وأن إسرائيل لا تشكل تهديدا للبنان شريطة التزام لبنان بمقتضيات حسن الجوار، وهو موقف حاسد لمصر والأردن على ما استكانتا إليه من معاهدات مع إسرائيل حدّت من القرار السيادى فيهما وفرضت عليهما النكث بمعاهدة الدفاع العربى المشترك، ما جعل مصر تقف موقف المتفرج حين اجتاحت إسرائيل لبنان حتى بيروت أول عاصمة عربية يدنسها الغزو الصهيونى. هذا الهاجس نوع من خداع الذات حافزه إيثار الشعور الزائف بالسلامة وعمى البصيرة عن طبيعة إسرائيل ونظرتها الحقيقية إلى دول الجوار والمنطقة عامة، وعن محاولاتها الفعلية استباحة الجنوب اللبنانى وموارده المائية، وتحميل لبنان عبء توطين الفلسطينيين الذين هجرتهم إليه عام 1948. هذا الهاجس يمكن تبديده مرة وإلى الأبد بالتأمل الموضوعى فى طبيعة إسرائيل العنصرية الاستعمارية التى تفضحها مسلكيتها بل ويصرّح بها زعماؤها. يقول شمعون بيريز فى كتابه «الشرق الأوسط الجديد» الصادر بعد المعاهدة مع مصر وغداة اتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين: «لقد تغيرت المفاهيم التقليدية للدفاع الوطنى (يقصد الحرب) من الاعتماد الكبير على أنظمة الحرب والسلاح، نحو مفاهيم حديثة تعتمد على الاتفاقيات السياسية والأمنية الدولية والاقتصادية..

المقومات المادية للاستراتيجية التقليدية للحرب، أصبحت كلها غير صالحة للتصدى المجدى لخطر الصواريخ الباليستية. وحتى أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ فإنها محدودة الجدوى فضلا عن كلفتها المالية الباهظة. أما مغزى «العمق الاستراتيجى» فقد تضاءل بصورة كبيرة نتيجة حلول الاعتبارات الباليستية محل الاعتبارات الجغرافية. ليس هنالك إطلاقا إجابة عسكرية شافية على الأسلحة غير التقليدية المحملة على صواريخ باليستية. الطريقة البديلة فى التصدى لهذا الخطر هو التحالفات الثنائية والمتعددة التى تتعدى الحدود القطرية لتشمل الإقليم بكامله.. وعلى السياسة أن تمهد الطريق لإغناء الاستراتيجية العسكرية المحضة بالاستراتيجية السياسية والاقتصادية.(أى استراتيجية معاهدات السلام!)» [الشرق الأوسط الجديد، الفصل الثانى عام 1993، قارن بدروس حرب إسرائيل على لبنان فى يوليو 2006].

أما الهاجس الثانى فباعثه الطابع العقائدى الدينى الذى يغلب على الجزء الأكبر من قوى المقاومة والذى يوحى بأن هنالك أهدافا فوق قطرية وفوق لبنانية يبدى هذا الجزء من قوى المقاومة التزامه بها. إن الحركات السياسية فى كل العالم ومن جميع الأطياف قلما تحصر أهدافها بالقطر الذى تنشط فيه. ولكن إيمان هذه الحركات والتزامها بالمؤسسات الديمقراطية يقيّد بالضرورة طبيعة ونطاق النشاط الذى تجيز لنفسها القيام به فى خدمة أهدافها فوق القطرية، ويجعل النشاط المذكور محصورا بما لا يسىء للإجماع الوطنى وبما لا يضر بالمصلحة العليا للوطن والدولة. فإذا كان فى لبنان قوميون يؤمنون بوحدة الوطن العربى والمصير المشترك للأمة العربية فإن نطاق نشاطهم «العروبى» مقيّد بما يسمح به القانون الصادر عن المؤسسات الديمقراطية وشروط الإجماع الوطنى للشعب اللبنانى. وينطبق المنطق ذاته على حزب الله وإيمانه بأهداف الأمة الإسلامية حيث يجب التمييز بين حزب الله كحزب لبنانى ملتزم بمؤسسات لبنان الديمقراطية، وبين العقيدة الدينية للمواطنين المنتسبين إلى هذا الحزب والأهداف الإيمانية النظرية لتلك العقيدة. وجدير بالتنويه أن السجل السياسى والمسلكى لحزب الله يؤيد بوضوح ذلك التمييز، معززا بكلمات السيّد حسن نصر الله وخطبه المتميزة بأعلى درجات الصدقية، وتؤيده أخيرا مواد وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطنى الحرّ الموقعة فى كنيسة مار ميخائيل، ذلك الإنجاز الوطنى التاريخى الذى تقاسم الفضل فيه السيد حسن نصر الله مع العماد ميشيل عون.

وربما كانت للعماد عون الحصة الراجحة من ذلك الفضل كونه أتبعه بخوض أصعب امتحانات الوفاء بشروط ذلك «العهد» من خلال موقف التيار الوطنى الحر فى حرب تموز الذى حمى ظهر المقاومة ومكنها من حسم الانتصار على العدوان الإسرائيلى ميدانيا وسياسيا. ولقياس القيمة الجبارة لذلك الموقف يكفى أن نتخيل نتيجة حرب تموز لو كان موقف العماد ميشيل عون مماثلا لموقف القوى المتحالفة مع المشروع الأمريكى. ولعل من الإنصاف القول إن العماد عون، من خلال ذلك الموقف الوطنى المبدئى، ضحى بحظوظه فى قيادة ما يسمى جماعة 14 آذار وبالتالى فى رئاسته للجمهورية، ولكنه بالتأكيد كرس حقه فى أن نسميه «السيد لبنان» لأنه صاحب الفضل الأكبر فى المحافظة على وحدة لبنان واستقلاله ضد احتمالات كانت شبه أكيدة أن تتحول حرب تموز إلى حرب أهلية تمزق لبنان شر ممزق. ربما يجيب البعض أن الجنرال ضحى بمجد صغير تافه لأنه، بدافع الأنانية الشخصية، ما زال يطمح إلى مجد أكبر وأفخم. لا بأس، فهذا النوع من الطموح هو فى صميم الكبرياء الإنسانى كما وصفه شاعر النفس البشرية أبو الطيب المتنبى:

أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه، حريصا عليها، مستهاما بها، صبّا....

فحب الجبان النفس أورده التقى، وحب الشجاع النفس أورده الحربا. 
 

طاهر حمدي كنعان  مفكر عربي، نائب رئيس وزراء الأردن الأسبق.
التعليقات