شرعية النظام بين المعارضة والموالاة - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 4:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


شرعية النظام بين المعارضة والموالاة

نشر فى : السبت 7 مايو 2016 - 9:55 م | آخر تحديث : السبت 7 مايو 2016 - 9:55 م
كالعادة أدخل فى نقاش ساخن من وقت لآخر مع بعض الأصدقاء حول أداء رئيس الجمهورية بشكل خاص والنظام الحاكم بشكل عام، فى كل مرة يأخذ النقاش عادة نفس المنحى، نبدأ بالتعبير عن عدم الرضا عن أحوال البلد ثم نختلف حول من يجب أن يتحمل المسئولية السياسية عن هذه الأوضاع. موقفى لا يتغير، رئيس الجمهورية هو المسئول بصفته رأس السلطة التنفيذية ورأس الدولة المصرية، بينما يحاول الأصدقاء إقناعى أن الرئيس يحاول لكن الضغوط صعبة والحمل ثقيل والمؤامرات لا تنتهى، موجهين اللوم فيما وصلنا إليه إلى جماعة الإخوان المسلمين أو إلى الثورة والنشطاء أو حتى إلى مبارك! أُسَوِّق حججى ويُسَوِّقُون حججهم، يؤيدنى البعض ويُعارضنى البعض الآخر، ثم ننتهى من حيث بدأنا، أحوال البلد لا ترضى أحدا وربنا يُصلِح الحال!

هذه المرة كان النقاش مع أحد هؤلاء الأصدقاء، ولكن نبرته مختلفة قليلا، مازال يدافع عن الرئيس ولكنه أصبح أقل حدة فى توجيه اللوم إلى الإخوان أو النشطاء، مكَثِّفا من نقده لمؤامرات الداخل والخارج! الجديد حقا أنه أصبح يوجه أصابع الاتهام إلى بعض أطراف النظام الحاكم متهما إياها بأنها تريد الإيقاع بالرئيس بدفعه لمواجهات مع فئات شعبية عديدة آخرهم الصحفيون!

أواصل رفضى لهذه الحجة ويواصل إصراره، فأقطع الحديث بحسم: هل تحميل رئيس الجمهورية المسئولية عما يجرى جرم فى حقه أو فى حق النظام أو الدولة؟

نظام الحكم الحالى وأعنى به تحديدا رئيس الجمهورية وقادة المؤسسات الهامة فى الدولة (الجيش، الداخلية، الخارجية، العدل) فضلا عن قادة بعض المؤسسات المعلوماتية الحاليين أو السابقين، بالإضافة إلى مجموعات مختلفة من المثقفين والإعلاميين والأكاديميين والاقتصاديين والفنانين ورجال الدين وعلمائه المتمحورين حول الرئيس ونظام حكمه، لديهم جميعا حساسية مُفرِطة للغاية من قضية «شرعية النظام»، وعلى الرغم من أن قضية الشرعية حسمت من زمن باعتراف كل الهيئات الدولية والدول الكبرى بنظام الحكم المصرى وخصوصا بعد انتخاب السيسى قبل عامين تقريبا ــ فإن هذه الحساسية مازالت موجودة وظاهرة فى تصريحات وسياسات هذه المؤسسات وهؤلاء الرجال والنساء، وتفسيرى الوحيد للهجمات الشرسة على الحقوقيين والنشطاء والسياسيين والفنانين والكتاب المعارضين أنها تُعَبِّر بدرجة أو بأخرى عن هذه الحساسية، فأى حركة أو نشاط لهذه المجموعات حتى لو كانت مجرد مقالة أو تدوينة أو مشاركة فى مؤتمر دولى أو إقليمى يتم اعتبارها تهديدا للشرعية وانتقاصا من «الاعتراف» بالنظام!

***

الحقيقة أن تحميل المسئولية للرئيس أو لنظام الحكم هو فى حد ذاته أحد أوجه الاعتراف بالشرعية! فالمسئول الذى لا يتحمل المسئولية السياسية عن أفعاله وسياساته يكون منصبه شرفيا! هذه إحدى معضلات نظام الحكم الحالى، نظام لا يطيق المعارضة على الرغم من أن المعارضة هى أحد مكونات الشرعية! فالنظام السياسى الذى ليس به معارضة إما لأنه يقمعها وإما لأنه لا يعترف بها ليس نظاما سياسيا من الأساس! النظم حينما تسكِت معارضتها فهى فى نفس الوقت تنزع عن نفسها الشرعية من حيث لا تدرى!

***

فى تقديرى يفتقد نظام الحكم فى مصر تَفهُّم خمس حقائق سياسية مهمة:

الحقيقة الأولى هى أنه لا نظام بعد فى مصر! ليس صحيحا أن نظام مبارك مستمر! الحقيقة أن الهياكل المتآكلة والسياسات الخاطئة لدولة مبارك، والتى هى ليست سوى نسخة مُنَقَّحة من هياكل وسياسات دولة يوليو، هى التى مازالت مستمرة! مازال الأمن يطغى على السياسة، ومازال الجميع يعمل «بتوجيهات السيد الرئيس»، ومازالت السياسات تؤمم، ومازالت الأرقام تُـحْجب! لكن الفارق أن مبارك كان لديه نظاما سياسيا فيه ــ بالإضافة إلى ما سبق ــ حزب سياسى غير ديمقراطى ولكنه كان قادرا على موازنة المعادلات الأمنية وعلى الحشد والتأييد وعلى بناء خطاب سياسى يتظاهر بالرشادة داخليا وخارجيا، كما كانت هناك معارضة، صحيح كانت مقيدة لكنها كانت موجودة! مبارك كانت لديه «قواعد للعبة السياسية»، أما الآن، فلا حزب ولا خطاب رشيد أو حتى يحاول التظاهر بالرشادة، ولا معارضة مقبولة لا شكلية ولا مقيدة، ولا أى قواعد ثابتة للعبة السياسية! ليس هناك نظام سياسى بعد فى مصر، هناك هياكل متآكلة وسياسات بالية واجتهادات شخصية ومصالح متصارعة ومعارضة مقموعة وغير معترف بها وكل ذلك يدور فى إطار لعبة بلا قواعد! هذه حقيقة مؤكدة لكن يخشى كثيرون ممن يعرفونها أن يبوحوا بها، إما لأن «اللاقواعد» أو«اللانظام» هو بيئة خصبة لتحقيق مكاسبهم الشخصية وإظهار مواهبهم المتواضعة، وإما خوفا من البطش وإيثارا للسلامة أو حتى كحيلة نفسية لعدم الاعتراف بالواقع الأليم! ربما لدينا نظام للحكم، لكنه ليس نظاما سياسيا بكل تأكيد!

الحقيقة الثانية، أن شبكات الحكم الحالية التى تعيش فى اللانظام تفقد شرعيتها بشكل تلقائى ليس بسبب الإخوان أو المعارضين أو النشطاء، ولكن بسبب عدم الاعتراف بشرعية المعارضة والتى هى وبحسب كل النظريات السياسية التقليدية والحديثة جزء من شرعية النظام! إذا كان لديك ثلاثة أو أربعة أحزاب معارضة تتمكن فى انتخابات بها حد أدنى من النزاهة أن تحصل على ٣٠٪ من مقاعد البرلمان، إذا كان لديك مجتمع مدنى فاعل، إذا كان لديك حقوقى يسافر هنا أو هناك لينتقدك، أو حرية إعلامية حقيقة فهذا كله يصب فى شرعية نظامك لا العكس!

***

الحقيقة الثالثة، أن هيبة الدولة وسيادتها لا تتحقق فقط «باحتكار أدوات العنف» ولا فى مواقف وتصريحات المسئولين العنترية، ولا بزيادة عدد الناس فى السجون، ولا بتعقب النشطاء ولا بتجييش الموالين وفى عبارة أخرى «الشرفاء» فى الشوارع والمساجد والكنائس والجامعات والأحزاب وباقى المؤسسات، ولا بزيادة مساحة «حظر النشر»، بالعكس! كل التصرفات السابقة تعكس أزمة الشرعية لنظام الحكم وتعطى فرصة لتحدى جماعات وشبكات غير «دولاتية» لمفهوم السيادة فى الدولة القومية وتشجعها على أن تمتلك هى أدوات للعنف المضاد، وهكذا ينتشر الإرهاب والعنف السياسى.. إلخ، ولكن تتحقق سيادة الدولة بأن تلتزم المؤسسات المحتكرة لحق استخدام العنف بالقانون والدستور! تتحقق بحق الناس فى محاسبة المسئول وعقابه بعد محاكمة قضائية أو محاسبة سياسية عادلة وعلنية وشفافة!

الحقيقة الرابعة وبسبب أسلوب النخبة أو الشبكة الحاكمة الحالية فى تقديم الولاء وأحيانا الانبطاح التام كشرط أساسى للتصعيد الاجتماعى والترقية السياسية، وبالإضافة لعدم وجود قواعد للعبة، فإن أهل الكفاءة حتى لو كانوا على استعداد لمساعدة النظام الحاكم، أصبحوا يهربون من المسئولية وأصبحت الغالبية العظمى ممن يُسَيّرون أمور الدولة من الموالين عديمى الكفاءة والخبرة! باستثناءات قليلة هرب الآخرون أصحاب الكفاءة (بمن فيهم المؤيدون) من مواقع المسئولية أو القيادة لأن أى صاحب عقل أو كفاءة مهما كانت محدودة يعلم جيدا أن كُلفة موالاة النظام أصبحت مساوية لكُلفة معارضته على الأجل القصير وربما أصبحت أكثر تكلفة على الأجلين المتوسط والطويل!

أما الحقيقة الخامسة والأخيرة التى لا يريد النظام الحاكم أن يعترف بها أن الله توقف عن الحديث المباشر مع البشر منذ عشرات القرون! الأحلام لا تعنى بالضرورة رسائل إلهية! قد تكون أمنيات أو رغبات فى العقل الباطن! أو حتى نتيجة لعوامل فيزيقية! الإلهام السياسى مشروع، والطموح السياسى مطلوب، والرغبة فى التميز والتفرد لحكم دولة مثل مصر أمر مغر لأى بشر! المهم أن نفهم أننا فى النهاية بشر! وأن طموحنا ورغباتنا وأحلامنا وإلهامنا السياسى ما لم يكن مبنيا على قواعد للعبة، على حسابات تتمتع بالحد الأدنى من المنطقية والرشادة، على العلم والتعلم من خبرات التاريخ، فإنها فى النهاية تكون سرابا بأثمان مؤلمة للجميع!

***

أنا أعارضك إذن فأنت موجود! أنت تقمعنى إذن فأنا موجود! أنت صاحب السلطة لا أنا، وبالتالى فمساحة معارضتى لك هى نفسها مساحة شرعيتك! ومساحة قمعك لى هى نفسها مساحة شرعيتى! هكذا يكون النظام وهكذا تكون الدولة وهكذا تكون السيادة، الموالون بانبطاح يخصمون من الشرعية ومن السيادة لا العكس، فهل سألنا بعض الفهم لهذه الحقائق البسيطة؟!
أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر