موجات انتقاد لتجاوزات حرية السوق - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 8:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

موجات انتقاد لتجاوزات حرية السوق

نشر فى : الأربعاء 7 أكتوبر 2015 - 7:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 7 أكتوبر 2015 - 7:35 ص

الاقتصاد أهم من أن يترك للاقتصاديين

نشرت مجلة التعليم العالى الأمريكية «كرونيكل أوف هاير إيديوكيشن» مقالا لروبرت ب. رايخ؛ مستشار السياسة العامة بجامعة كاليفورنيا، يتحدث فيه عن العدالة فى التوزيع وكيفية إدراة الإقتصاد والتحول فى السياسات الاقتصادية الامريكية عبر العصور لتصبح فى النهاية وسيلة فى يد أصحاب المصالح. فيبدأ المقال بأن الاقتصاد هو عبارة عن قطاع عام ــ حكومى تسيطر عليه العلوم السياسيةــ وقطاع خاص ــأو سوق حر، وهو من اختصاص الاقتصاديين.

فيقول إن السوق فى كل الأحوال لا يمكن أن يترك دون قوانين تنظمه، وبالتالى يلعب الاقتصاديون دورا هاما فى وضع وتغيير تلك القوانين وفقا للأكثر إفادة للشعب والمسئولين. ولكن الوضع لا يمكن أن يسير دون وجود علماء السياسة ممن يقومون بإقناع الأفراد والشعب بأهمية تلك السياسات ومدى إفادتها لهم؛ خاصة أن التحديات الاقتصادية المركزية فى عصرنا هذا لا تتمثل فقط فى الاقتصاد والمال بقدر تمثلها فى السلطة والسياسة.

إن الهدف الأساسى للاقتصاد والسياسات العامة، يكمن فى ضرورة تحقيق «الكفاءة» و«النمو»، ولكنهم فشلوا فى تناول ثلاث قضايا حرجة:
أولها: قضية توزيع الدخل والتى قد تسوء كلما احتكر عدد قليل من الأفراد نسبة أكبر عن معظم أفراد الشعب. القضية الثانية هى اعتبار بعض الاقتصاديين، أن السياسة هى قيد على تصرفاتهم وقراراتهم الحكيمة وبالتالى مجرد أن يجدوا أفضل وسيلة لتحقيق النتائج فإنهم يسعون للتخلص من الديمقراطية الكفيلة بمحاسبة المسئولين أمام الشعب. النقطة الثالثة والأخيرة تتمثل فى توزيع السلطة وكيفية تأثيرها على القرارات المستقبلية، خاصة أن السياسات الاقتصادية تركزت فى يد ذوى المصالح العليا وأصبحت تخدم مصالح الأقوى.

تعد الثلاث قضايا السابقة متداخلة، خاصة أن قضية عدم العدالة فى التوزيع هى قضية سياسية تعكس فشل الديمقراطية وسوء الطرق الاستراتيجية فى استخدام السلطة السياسية من قبل الشركات الكبرى وأصحاب المصالح، الذين يغيرون القوانين وقواعد اللعبة لصالحهم.

***
وهنا يشير رايخ إلى أن المرشحين السياسيين سيستغلون تلك النقطة فى الانتخابات القادمة، بسبب غضب الأمريكيين من هيمنة فئة بعينها على النظام الاقتصادى السياسى فى الثلاثة عقود الأخيرة، بما لا يخدم مصالحهم، فأصبحوا يعملون الآن أكثر من ذى قبل ويبذلون مجهودات مضاعفة، إلا أن متوسط الدخل لم يرتفع، رغم أن الاقتصاد الأمريكى تضاعف حجمه مرتين عن ما كان منذ أربعة عقود. فيمكن أن يكون ذلك فى جزء منه نتيجة للتكنولوجيا والعولمة؛ إلا أنها ليست المؤثر الوحيد خاصة أن دول أخرى كألمانيا مثلا لديها نفس التحديات ومع ذلك ازداد متوسط الدخل فيها. وإذا كان الأمر سيتعلق بالعولمة والتكنولوجيا، فمن الأحرى أن يحقق شباب الجامعات أجورا أعلى لما يتمتعون به من مهارات وقدرات أعلى، ولكن هذا لم يحدث لأن حصة الطبقة الوسطى من الاقتصاد مازالت تتقلص فى مقابل تزداد حصة الطبقة الأعلى من الاقتصاد.

فالأمريكيون لا يعرفون التفاصيل ولكنهم يعرفون جيدا أن وضع السوق حاليا ليس فى صالحهم. ففى استطلاع رأى فى عام 1964 كان رأى 64% مقابل 29% يفيد بأن الحكومة تعمل لصالح الشعب بأكمله. وفى استطلاع آخر لعام 2012، أفاد 79% مقابل 19% من المصوتين بأن الحكومة تدار بواسطة أصحاب المصالح الكبرى الذين يسعون لتحقيق مصالحهم فقط». وفى استطلاع ثالث فى عام 2014 أشار الأفراد بنسب كبيرة أن أعضاء الكونجرس مستعدون لبيع أصواتهم وبعضهم قد فعل ذلك، وإنهم لم يعودوا يهتمون بمصالح ناخبيهم أو آرائهم، وهو ما لم يحدث من قبل فى التاريخ الأمريكى. فبالنسبة لهم تعد تلك الشركات الكبرى سيئة ولم تأتى عليهم بالنفع حتى وإن كانت تحقق أرباحا، وتلك هى النقطة التى يركز عليها المرشحون الجمهوريون.

***

ويرى رايخ، أن علماء السياسة يركزون على الجوانب الخاطئة كعلاقة المال بالأصوات، فالسلطة أعمق من ذلك وتظهر بوضوح فى الأجندات السياسية، فلم تعد هناك عدالة فى التوزيع وأصحاب المصالح لم يعدوا يتركون مثل تلك القضايا لتناقش بشكل مفتوح. وإذا تم النظر جيدا سيتضح أن تلك العمليات إنما يسيطر عليها المحامون والخبراء الاقتصاديون بشكل غير مباشر، ويتم الدفع لهم مقابل خبراتهم.

وبالتالى يختتم الكاتب المقال موضحا رأيه بضرورة عدم ترك الاقتصاد للاقتصاديين وحدهم، موضحا أن آدم سميث لم يطلق على نفسه اقتصادى، لأن فى عهده كان مجاله يهتم بـ«الفلسفة الأخلاقية» أى بما هو أفضل للمجتمع، والآن فى القرن الحادى والعشرين أصبحت الولايات المتحدة تعيش عهدا تتفشى فيه عدم العدالة فى التوزيع وديمقراطية أقل كفاءة وسلطة سياسة مركزة بالطبقات العليا.

ليس هناك ما يدعى «سوق حر»  

نشر موقع سالون مقالا لستيفن روزنفيلد؛ يتناول فيه عرض الأفكار الرئيسية لكتاب «إنقاذ الرأسمالية: من أجل العديدين وليس القلة» لروبرت ب. رايخ؛ مستشار السياسة العامة بجامعة كاليفورنيا.

فيركز روزنفيلد بالأساس على سؤاله الأساسى الذى يدور حول إمكانية تعديل توزيع ثروة الاقتصاد الأمريكى، إذا تمكنت الطبقة السياسية والطبقة العاملة من استيعاب فكرة أن هيمنة الشركات الاحتكارية اليوم هى التى قضت على الفرص والأجور والدخول وثقة الجمهور المستقبلية.

يتساءل رايخ فى كتابه عن «ما يمكن فعله لإعادة تشكيل السوق حتى لا يشعر الامريكيون بأنهم يستنفذون كل ما لديهم بمجرد الإنفاق على الأساسيات الضرورية؟ فهذا السؤال هو موضوع كتاب روبرت رايخ الجديد والذى يطرح فيه طرقا للإصلاح».

يقول روزنفيلد، إن «رايخ يحاول فى كتابه تغيير الطريقة والأسلوب الذى يفكر ويتحدث به الأمريكيون عن الاقتصاد. فشركات كبرى مثل «أبل» تعزز تحكمها فى اختيارات المستهلكين، بل وتستفيد أيضا من السلطة والقوة السياسية وتلاعب الحكومة حتى تحصل على مصالحها وتتمكن من الهيمنة على السوق، فى حين تلعب أدوارا أخرى وتستخدم أدوات الضغط لكى تمنع أى إجراءات قد تعرقل مصالحها.

فرايخ يحاول أن يستخدم لغة الأعمال فى العالم ويشير إلى أنه لا توجد مثل تلك الأعمال أو السوق المستقلة تماما عن الحكومة ولا فكرة أن «السوق يعرف أكثر». لأن هذا يعنى أنه مهما كان حجم عدم العدالة وعدم الأمان الذى يولده السوق، فعلى الحكومة أن تبقى محايدة. فالطبقات الحاكمة والحكومة قد أوجدوا قوانين اللعبة الاقتصادية، وتلك الأطر إنما تؤثر على رفاهية الأمة والحياة اليومية أكثر من برامج الحكومة نفسها. وأستشهد بأمثلة حول كيفية مساهمة الأغنياء فى الحملات الانتخابية للمرشحين وسعيهم بعد الانتخابات، للضغط من أجل إبقاء النظام ليس حرا وليس تعسفيا بل يكون نظاما يخدم مصالحهم على حساب مصالح الأغلبية. فرايخ وفقا لروزنفيلد يحاول كسر القوالب المعروفة عن الرأسمالية لتوضيح كيف أنشىء الاقتصاد الأمريكى ومتى يجب أن يتغير، وذلك بتوضيح معنى الملكية الخاصة، وأى درجة من الهيمنة مسموح بها، وغيرها من السياسات.

***

يشير روزنفيلد لعدد من النقاط التى وضعها رايخ من أجل إصلاح الوضع كأن تتخذ الحكومة الخطوات اللازمة لإعادة كتابة قوانين الاقتصاد مرة أخرى ويكون لديها فى ذلك عدة مفاتيح أساسية: «كيف يمول المرشحون حملاتهم الانتخابية، كيف يتم تنظيم الاحتكارات وكيف يمكنها تفكيكها فى ظل سياسات مكافحة الاحتكارات الاتحادية، وما هى المزايا الشرعية التى يمكن أن تمنح للشركات. كما حاول رايخ توضيح فكرة أن المصلحين الشعبيين لم يكونوا يكافحون الرأسمالية بل سعوا لمكافحة الارستقراطية لتطبيق الرأسمالية من اجل تحسين حياة الأفراد العاديين بدلا من تحسين حياة النخب وحدها».

فمكافحة الاحتكار الاتحادى يساعد أصحاب المشروعات الصغيرة على الدخول فى المنافسة، كما أن زيادة القوة التفاوضية للموظفين فى القطاعات المختلفة، سيواجه فكرة انخفاض النقابات العمالية، وبالتالى لن يستمر الجناح التنفيذى للمشروعات يحصل على أجور وأرباح أعلى من الموظفين. والمزايا التى تمنحها الحكومة للكيانات المندمجة يجب أن تكون لتلك التى تشارك موظفيها الأرباح بل والتى تهتم بصالح المجتمع والبيئة وتأخذهم فى الاعتبار. وتحقيق ذلك سيتطلب معركة ضخمة.

***

فتوزيع الدخل والثروة وعدم تركيز السلطة، سيساعد فى ظهور سلطة وقوة تعويضية ودعمها سيكون أكثر إفادة من ناحية السرعة فى تحقيق النمو الاقتصادى يتشاركه الكثيرون وسيكون أكثر أمنا فى مجتمع يشعر أفراده أن صوتهم مسموع. فهذا الإصلاح الاقتصادى وتحقيق التوازن سيتحقق بوضع قوانين اقتصادية جديدة.

ويختتم الكاتب المقال بتلخيص أهم النقاط كاستخدام رايخ لكلمة «الاحتكاريين»، ورفضه لمصطلح «السوق الحر»، حيث إن السوق من صنع الإنسان، وبالتالى يسير وفق القوانين التى وضعها، ولكن السؤال يكمن فى من الذى يحدد ويضع تلك الأطر والقوانين وما الهدف منها. وبالتالى فالتحدى القادم ليس تحديا اقتصاديا ولا تكنولوجيا، وإنما تحدٍ للديمقراطية، يدور ليس حول حجم الحكومة ولكن حول من تخدم الحكومة.

 

 

التعليقات