ما بعد مواجهات الفجر الأمريكية الإيرانية - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 فبراير 2020 9:48 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


ما بعد مواجهات الفجر الأمريكية الإيرانية

نشر فى : الأربعاء 8 يناير 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 يناير 2020 - 8:40 م

لم يتأخر الرد الإيرانى على اغتيال الجنرال «قاسم سليمانى».
فى توقيته انطوى على مجموعة من الرموز والرسائل وفى حدوده خضع لتقدير سياسى وعسكرى يحقق مطلبه دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة مع الولايات المتحدة.
بدا اختيار التوقيت عند الفجر مقصودا حتى يكون الرد فى اللحظة نفسها التى اغتيل فيها.
وكان اختيار القاعدتين العسكريتين، اللتين جرى قصفهما بصواريخ باليستية من داخل الأراضى الإيرانية، متعمدا حيث يرجح أن تكون طائرة الاغتيال قد انطلقت من إحداهما حيث تتمركز القوات الأمريكية بالعراق.
وقد رافقت موجة القصف الصاروخى مواراته الثرى فى بلدته «كرمان» الإيرانية، كأنه انتقام يسبق الدفن.
هذه كلها حسابات تدخل برسائلها فى الثقافة الشعبية الإيرانية، التى تعنى بالرموز أكثر من أية ثقافة أخرى فى الإقليم.
يستلفت الانتباه أن الحرس الثورى، الذى يعد «سليمانى» أهم جنرالاته، هو الذى تولى الرد، وليس عبر حلفائه العراقيين، كما كانت تشير التكهنات.
فى مراسم تشييع الجنرال «سليمانى» تبدى دوره المركزى فى النظام السياسى الإيرانى بأكثر من أية توقعات سابقة.
منذ رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية «أية الله الخمينى» لم تشهد إيران جنازة شعبية، بأعدادها وقدر الحزن فيها، كما فى وداع «سليمانى».
كان ذلك تعبيرا عن نوع النظرة إليه فى عيون شعبه كـ«بطل قومى» ينسب إليه توسيع الدور الإيرانى بصورة غير مسبوقة فى معادلات الإقليم وحسابات القوة والنفوذ فيه.
رمزيته تفوق منصبه والثأر لدمه مسألة تدخل فى شرعية النظام وهيبته فى إقليمه.
تلخصت المعضلة الإيرانية فى أنها إذا لم ترد على اغتيال أهم قادتها العسكريين فإن مركزها الإقليمى سوف يتضرر بقسوة، وإذا ما صعدت بغير تحسب فقد تدخل فى متاهات ومزالق.
لم يكن السؤال ما إذا كانت هناك ضربة إيرانية أم لا؟.. بقدر ما كان: ما حجمها وما بعدها؟
بصياغة أخرى، ما حدود ما أسمته بـ«الانتقام الثقيل»؟
وفق المعطيات الحالية يصعب الانزلاق رغم التصعيد والتصعيد المضاد إلى مواجهات مفتوحة بالقرب من مصادر النفط تؤثر على الاقتصاد العالمى وتضرب فيما تبقى من استقرار بالإقليم.
لا إيران تطلب مثل هذا السيناريو رغم استعدادها المعلن للتحول إلى «فيتنام جديدة».
إثر إطلاق صواريخها أرسلت رسالة للأمم المتحدة ومجلس الأمن تعلن فيها أنها لا تريد الحرب ولكنها ستدافع عن نفسها.
كانت تلك رسالة دبلوماسية اكتسبت أهميتها من توقيتها.
ولا أمريكا بوارد التورط فى المستنقع الإيرانى، فهو يضرب مصالحها فى الإقليم، أيا كانت فوارق القوة، كما أنه يقوض تماما فرص «ترامب» فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية الخريف المقبل.
من المرجح الآن أن تتقبل إدارته الضربة الإيرانية، كدين واجب السداد، دون تصعيد كبير.
الأجواء الدولية التى استبقت الضربة الإيرانية توافقت بصيغ دبلوماسية شبه متطابقة على الدعوة إلى ضبط النفس صونا للأمن والسلم الدوليين وعدم التصعيد وتخفيف حدة التوتر فى الشرق الأوسط.
يستلفت الانتباه فى الكلام الدولى أنه حمل ضمنيا إيران الطرف المعتدى عليه مسئولية ضبط النفس فى ردات فعله دون أن يدين سياسيا أمريكا الطرف الآخر الذى نفذ عملية الاغتيال فى عاصمة دولة ثالثة.
حجم المفارقات والتناقضات فى الكلام الدولى يستعصى على الحصر.
إسرائيل تبنت الدعوة بصياغتها رغم تورطها المنهجى فى التنكيل بالقضية الفلسطينية وزعزعة أى استقرار حقيقى فى الشرق الأوسط وترحيبها الحار باغتيال «سليمانى».
تركيا أكدت على الدعوة نفسها طلبا للاستقرار رغم تأهبها للتدخل العسكرى فى ليبيا بما ينطوى عليه من انزلاق محتمل إلى حرب إقليمية فوق أراضيها.
والاتحاد الأوروبى تباين موقفه مع الإدارة الأمريكية فى تقدير العواقب والتداعيات، لم يوفر دعما سياسيا للاغتيال لكنه أضفى عليه قدرا من المشروعية الأخلاقية بربط «سليمانى» بالإرهاب.
رغم التهديدات والتهديدات المضادة بين طهران وواشنطن إلا أن كليهما تحسب للخطوة التالية توقيتها وحجمها وتداعياتها المحتملة على مصالحه ودوائر نفوذه فى الإقليم، ولكليهما حسابات واعتبارات تحكم تصرفاته.
هناك فرضيتان للأسباب التى دعت «ترامب» إلى اغتيال «سليمانى».
الأولى – أنه قرار شبه عشوائى لإدارة مرتبكة يتعرض رئيسها للمساءلة البرلمانية، التى قد تفضى إلى عزله أو إضعاف مركزه الانتخابى، أريد به تأكيد قوته واستعداده لاتخاذ إجراءات وقرارات رغم أزمته على درجة عالية من الخطورة، وهذه فرضية مرجحة نسبيا.
والثانية – أنه قرار مقصود لجر إيران إلى مواجهة شاملة تقلص أدوارها الإقليمية بقوة العدوان المسلح، وهذه فرضية شبه مستبعدة بالنظر إلى الآراء والتصورات التى يعرب عنها الرئيس الأمريكى من وقت لآخر فى نبذ فكرة الحرب مع إيران والاستعداد للتفاوض معها.
حسب ما كشفت عنه صحيفة «الواشنطن بوست» فإن نائب الرئيس «مايك بنس» ووزير الخارجية «مايك بومبيو» حرضا «ترامب» على اغتيال «سليمانى»، وكلاهما يمينى متشدد موال لإسرائيل ولا يستبعد سعيهما لتوريط أمريكا فى حرب مع إيران لمصلحة الدولة العبرية.
غير أن الصورة فى الولايات المتحدة أكثر تعقيدا، فالحزب الديمقراطى بأغلبيته فى مجلس النواب يرفض التورط فى المستنقع الإيرانى ويتأهب لإصدار تشريع يضع قيودا على دخول الرئيس فى أية مغامرات من هذا النوع، والرأى العام لا يرحب بها و«ترامب» نفسه يستنكرها، لكنه قد ينزلق إليها بهوس القوة.
من أغرب ما هو منسوب للرئيس الأمريكى دعوته عبر قنوات دبلوماسية للسلطات الإيرانية أن يكون ردها على اغتيال «سليمانى» متناسبا، فما الحجم الذى كان يتصوره لهذا الرد المتناسب؟
نقل موضوع الصدام إلى وجود القوات الأجنبية فى العراق يطرح نفسه بقوة الآن فى التجاذبات الأمريكية الإيرانية.
هناك كلام كثير عن خرق السيادة العراقية، وهذه مسألة اعتبارية بأكثر منها واقعية، حيث انهارت أية سيادة بالاحتلال الأمريكى لبغداد عام (2003).
البرلمان العراقى اتخذ قرارا بهذا الصدد والسلطات بدأت فى وضع آلية لإخراج القوات الأجنبية والرئيس الأمريكى توعد بفرض عقوبات على العراق غير مسبوقة إذا أجبرت قواته على الخروج بطريقة غير ودية.
بدا «ترامب» كمقاول وتاجر لا كرئيس دولة كبرى وهو يقول إن قواته لن تغادر حتى يدفع العراقيون التكاليف المالية للقاعدة العسكرية التى بنيت.
الكلام المتواتر عن اقتصار الدور الأمريكى على التسليح والتدريب والمشورة فيه انتهاك لحرمة المعانى، فأى دور تسليحى هو دور سياسى وأية مشورة عسكرية تدخل فى القرار السياسى.
إذا لم يكن هناك توافق وطنى يضم جميع مكونات المجتمع العراقى وقادر على تأسيس دولة جديدة تمتلك قرارها يصعب تصور خروج القوات الأجنبية فى أى مدى منظور بالنظر إلى ما يمكن أن تسببه من مشاكل وتصطنعه من أزمات.
من بين الأزمات تسليح الجيش وتدريبه للوفاء بمهامه.
من بينها العمل على تغليب الاعتبارات الطائفية بين السنة والشيعة على حساب المصالح الوطنية وتشجيع الأكراد مجددا على الانفصال عن الدولة المركزية.
ومن بينها التساؤلات التى سوف يجرى الضغط عليها حول طبيعة النظام العراقى ومن يسيطر على قراره وإذا ما كان الانسحاب العسكرى الأمريكى هو الوجه الآخر لتوسع النفوذ الإيرانى.
التوافق الوطنى هو وحده من يجنّب العراق مغبة أن تتحول أرضه إلى ساحة لتصفية الحسابات وجره إلى الاحترابات الأهلية.
فى المشاهد المأزومة سؤالان رئيسيان يطرحان بقوة وإلحاح هما: ما مصير الاتفاقية النووية بعد إعلان طهران تخفيضا جديدا فى التزاماتها؟.. وما مستقبل الحرب مع «داعش» التى قد تطل برأسها من بين خرائب أية مواجهات واسعة محتملة؟
الأوروبيون قلقون من إلغاء الاتفاقية دون أن يكون لديهم ما يقولونه للإيرانيين غير الدعوات العامة للحفاظ عليها و«ترامب» يتوعد بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووى لكنه يبدى فى نفس الوقت استعدادا للتفاوض على اتفاقية نووية جديدة.
إلى أين يمكن أن تمضى الأزمة؟.. أين تتوقف بالضبط؟.. وما الصور التى يمكن أن تأخذها بعد الضربة الإيرانية؟
هذه أكثر الأسئلة إلحاحا بعد مواجهات الفجر بين واشنطن وطهران.