الثقافة والمثقفون العرب فى الانتفاضات العربية - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 1:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

الثقافة والمثقفون العرب فى الانتفاضات العربية

نشر فى : الإثنين 9 أبريل 2018 - 9:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 9 أبريل 2018 - 9:08 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب «خالد غزال»، يتناول فيه دور المثقف فى التغيير، والتحولات الفكرية التى شهدها العالم والتى عملت على تغيير نظرتنا إلى المثقف ودوره، والثمن الذى دفعته الانتفاضات العربية ولا تزال تدفعه نتيجة افتقاد المجتمعات العربية إلى نهضة فكرية وثقافية، سواء قبل أم بعد اندلاعها. وافتقاد مجتمعاتنا العربية إلى حركة تنوير تُسهِم فى تعيين الشعارات السياسية والفكرية، على غرار ما عرفته أوروبا فى القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر وهى الحركة التى ألهمت الثورتَين الأمريكية والفرنسية.
يبدأ الكاتب حديثه عن أن الانتفاضات العربية أعادت النقاش وبقوة حول دَور المثقف فى التغيير وإسهامه فى التحولات الاجتماعية والسياسية. ودَفعت النقاشاتُ بالأمورِ صعودا نحو تعيين دَور المثقف، مستعيدة مفاهيمَ تنتمى إلى مرحلة من الصعود القومى والاجتماعى، وخصوصا فى مراحل صعود الفكر الاشتراكى، حيث كان يُنسب إلى المثقف «دَورٌ رسولىٌ» فى قيادة المجتمع والأمة، أو فى إطلاق صفة «المثقف العضوى» المُلتصِق دوما بقضايا الشعب والجماهير والمعبِر عن مصالحها وهواجسها.
التحولات الفكرية التى شهدها العالَم على مدى العقود الماضية، وخصوصا ما أنتجته الثورة التكنولوجية على الصعيد المَعرفى، كلها عوامل قلَّصت من تلك المفاهيم حول المثقف ودَوره، ولاسيما بعد انهيار المُعسكر الاشتراكى ومُراجَعة مقولاته الفكرية والأيديولوجية، بما فيها تلك المتعلقة بالثقافة والمثقفين.
فى مُواجَهة المُطالَبة باستعادة المثقف لدَوره الرسولى، عَلَت أصواتٌ تشدِد على فهْمٍ للمثقف ينفى عنه أن يكون مُرشدا سياسيا واجتماعيا، وأن يكون للثقافة والمثقفين عالَمهم الخاص، بحجة أنه ليس من الضرورة أن يكونوا مُناضلين حزبيين أو مُنخرطين فى مَيادين المُشكلات الشعبية أو حتى الوطنية والقومية. فإذا كانت هذه النظرة لا تخلو من وجاهة، وإذا كان من المستحيل العودة إلى منطق المثقف – المُناضل، إلا أن المسئولية، فى حدودٍ ما، تُطاول المثقفين، سواء فى موقعهم ضمن المجتمع أم فى تعبيراتهم عن قضاياه. ولعل الانتفاضات العربية التى انطلقت منذ سنوات سلطت الضوء على واقع الثقافة العربية بتياراتها المتعددة وعلى الدَور الذى يُمكن للمثقف القيام به، بعيدا عن الرسولية وعن الانكفاء.
ليس من المُبالغة القول إن اندلاع الانتفاضات العربية، وبصرف النَظر عن المسار الذى اتخذته لاحقا، شكَل العنصرَ المفجِر لبنى المجتمعات العربية على المستويات المُختلفة، ومناسبة لكى تُخرِج هذه المجتمعات كل ما فى جوفها من «موبقات»، ومنها ما يتصل بالثقافة والمثقفين. فى هذا المجال يُمكن قراءة التيارات الفكرية والثقافية التى طاولتها الانتفاضات وموقع المثقفين فى كل تيار؛ والمقصود بذلك التيارات الإسلامية، والقومية العربية، والاشتراكية.
***
ويضيف الكاتب أن التيارات الإسلامية ليست مستجدة على المجتمعات العربية، بل هى متجذرة فيها أكثر من أى فكر أو تيار آخر. صحيح أن التيار الإسلامى ليس واحدا، بل يتوزَع على تيارات متعددة ومُتناقِضة، إلا أن ما يوحِدها يقع فى خانة الهدف الأساس وهو الوصول إلى السلطة وإقامة دولة دينية وتطبيق الشريعة الإسلامية فيها. وعند اندلاع الانتفاضات، وجدت التيارات الإسلامية فرصتها الثمينة لتحقيق هذا الهدف، فتبنَتها ورفعت شعارات بعيدة عن أهدافها الأصلية فى الخلافة واحتكار السلطة. فمناخ الانتفاضات حين بدأت لم يكُن يتخذ لنفسه طابعا دينيا، بل على العكس كان مطلب الدولة الديمقراطية والدولة المدنية هُما العُنصرَين الطاغيَين، والشعارَين المُردَدَين على ألسنة الجماهير. انطلقت أصواتُ قياداتٍ من هذه التيارات تُعلن التزامها إقامة الدولة المدنية، وخصوصا على ألسنة قيادات من الإخوان المُسلمين الذين يُعتبرون آباء التيارات الإسلامية. لكن، ما إن توطَدت مَواقع بعض هذه التيارات، ولاحَ لبعضها إمكان استلام السلطة، بل إن بعضها تبوأها، حتى تكشَف الحقيقى فى خطاب هذه التيارات ومثقفيها، أى احتكار السلطة واعتبار الديمقراطية وسيلة للحصول عليها، ولتحقيق الأهداف الأصلية فى إقامة دولة دينية.
التيار الثانى هو مجمل التيارات القومية العربية، التى يتسم موقفها بالارتباك والضياع فى فَهْم الأسباب التى أدَت إلى الانتفاضات، ولماذا سلكت الطريق الذى منعها من تحقيق أهدافها فى الديمقراطية والدولة المدنية. غلب على هذه التيارات اعتماد منطق الأنظمة العربية التى رأت فى الانتفاضات مؤامرة أمريكية إسرائيلية هدفها تفتيت المنطقة العربية. أساءت هذه التيارات ومثقفوها إلى الانتفاضات، عندما غاب عنهم أنها لم تكُن نتيجة مؤامرة خارجية، بل تعبيرا عن انفجارٍ ناجمٍ عن احتقانٍ عميق سببته أنظمة الاستبداد العربى، والديكتاتورية المسلَطة على رِقاب الشعوب. واذا كانت حجتهم، ومعهم رهط طويل من المثقفين، أن الانتفاضات تحوَلت إلى حروب أهلية ومذهبية، وهَيمنت عليها التيارات الدينية، فلأنهم لم يفقهوا أن هذه الانتفاضات وقعت فى داخل بنى اجتماعية مخلَعة، طائفية وعشائرية، لم يتحقَق اندماجها الاجتماعى على أساس مَصالح المجموعات، بل بفعل تسليط أكثريات أو أقليات، مسيَجة بحُكمٍ استبدادى. فما إن اهتز هذا الحُكم حتى انطلقت هذه الانتفاضات واتَخذت المَسار الذى اتخذته، بحيث يُمكن الكلام على الفوضى التى رافقتها، وعلى تدخلات خارجية بعد اندلاعها وليس قبل ذلك. بمعنى أن هذه التدخلات الخارجية هى إحدى النتائج وليست السبب المفجِر للانتفاضات. ما يمكن قوله كذلك إن السمة الغالِبة على مثقفى هذه التيارات كان الجهل بمكونات المجتمعات العربية وتناقضاتها. لا يُغفَر لهؤلاء التحاقهم بالأنظمة بحجة مُكافحة الإرهاب. فالإرهاب هو صنيعة هذه الأنظمة نفسها، عبر طريقة الحُكم قبل الانتفاضات، ثم عبر استحضار الإرهابيين من أجل قمع الانتفاضات وتحويلها إلى حركات إرهابية.
ويضيف الكاتب أن مثقفو التيارات الاشتراكية يتقاطعوا مع مثقفى التيارات القومية فى نظرتهم إلى الانتفاضات والموقف منها. قبل الانتفاضات كانت الحركة الاشتراكية العربية ومثقفوها، وخصوصا الأحزاب الشيوعية، تعيش خارج التاريخ والعصر بعدما افتقدت دعم الاتحاد السوفيتى وما كان يمليه عليها من إرشادات نظرية. وبدلا من أن يشكِل انهيار المُعسكر الاشتراكى حافزا لهذه الأحزاب ولمثقفيها لإعادة قراءة تجربتها وتجديد بَرنامجها السياسى ونقْد المُمارسة السياسية والفكرية والثقافية للمرحلة السابقة برمتها، انكفأ هؤلاء داخل أُطرهم الحزبية، وظلوا أسرى الحقيقة المُطلقة التى يمتلكونها، والتى ألهمتهم إياها الماركسية اللينينية. كان يُمكن لاندلاعِ الانتفاضات أن يكون مُناسبة لهذه المُراجعة والتجديد فى الفكر والمُمارسة. لكن شيئا لم يحصل.
المُثير والمؤلِم فى موقف هذه الاحزاب ومثقفيها أنهم كانوا ضحايا أنظمة الاستبداد العربى، فإذا بمعظمهم يعاود الالتحاق بهذه الأنظمة بحجة التصدى للإرهاب التكفيرى. تبدو مسئولية هذه التيارات ومثقفيها كبيرة جدا. فالأصل فى قيامها هو التغيير السياسى والاجتماعى لمصلحة الطبقات الشعبية، كما أن الأصل فيها أنها حركات مُعارِضة للأنظمة الديكتاتورية. لذا سيظل تحول هذه الأحزاب وتياراتها لتصبح جزءا من هذه الأنظمة غير واضح وغير مفهوم.
***
إذا كانت تلك حال التيارات السياسية ومثقفيها فى الانتفاضات، يصبح سؤال: أى موقع يجب أن يكون فيه المثقف العربى فى هذه المرحلة الصاخبة من انفجار المجتمعات العربية والفوضى الأهلية التى تقيم فيها، سؤالا حيويا. ومن البديهى القول إنه ليس من مَهام المثقف التنطح لقيادة هذه الانتفاضات، وإن كان من المفيد أن يكون مُنخرطا فيها. لكن مسئولية المثقف تقع فى ميدان وعيه لأسباب قيام الانتفاضات ولتحولها إلى حروب أهلية ساخنة والعوامل التى جعلت التنظيمات الارهابية تسيطر على مسارها.
فى هذا المجال، يُمكن للمثقفين، وخصوصا المُهتمين منهم بالشؤون السياسية والاجتماعية، الخوض فى فهْم تركيب المجتمعات العربية والبنى التى تشكلها، وكيفية قيام الكيانات العربية والتناقضات التى تحملها، بل والألغام التى زرعها الاستعمار عندما أسهَم فى إنشاء الكيانات العربية بعد الحرب العالمية الأولى. وبإمكانهم كذلك دراسة الأنظمة وتكونها ولماذا انحكمت المجتمعات العربية بمثل هذه الديكتاتوريات، ولماذا استعصت الديمقراطية فيها؟ فمثل هذه الابحاث تُسهِم فى بلْورة بَرنامج سياسى يُمكن للأحزاب والحركات التغييرية الإفادة منه.
ختاما، يُمكن القول إن الانتفاضات العربية دفعت، ولا تزال، ثمن افتقاد المجتمعات العربية إلى نهضة فكرية وثقافية، سواء قبل أم بعد اندلاعها. ولَم تعرف مجتمعاتنا حركة تنوير تُسهِم فى تعيين الشعارات السياسية والفكرية، على غرار ما عرفته أوروبا فى القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، وهى الحركة التى ألهمت الثورتَين الأميركية والفرنسية. بل إن ما تعانيه مجتمعاتنا كان ولا يزال مزيدا من الجهل، والانشداد إلى الماضى، ورفض الخروج من قمقمه، والإصرار على تحكيم الأموات بالأحياء.

النص الأصلى

التعليقات