استحالة التفكير بالثورة كأن «حزب الله» غير موجود - صحافة عربية - بوابة الشروق
الأربعاء 1 أبريل 2020 2:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

استحالة التفكير بالثورة كأن «حزب الله» غير موجود

نشر فى : الثلاثاء 10 مارس 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 10 مارس 2020 - 9:35 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتب «حازم صاغية»، وجاء فيه ما يلى:
موجة ثالثة من الثورة. مع هذا لا تزال المشكلة الأم هى نفسها: وضع طائفة كبرى، بالقسر والقوة، خارج الثورة. الاعتصامات التى شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت وُصفت بالخجولة والضعيفة، مع أن الوضع الاجتماعى لسكان الضاحية يفترض اعتصامات صريحة وقوية.
نتائج كثيرة تترتب على ذلك وتندرج فى القدرة المتواصلة على خنق الاجتماعى والطبقى. حتى قرار كالقرار الأخير بحق المصارف، وكائنا ما كان الرأى فيه، لم يستطع تقديم نفسه كقرار مطلبي. لقد أعيد تدويره سياسيا، أى بالمعنى اللبناني، طائفيا. القرار ما لبث أن أُلغى.
مرة بعد مرة نجدد إذا استحالة التفكير بالثورة اللبنانية كما لو أن «حزب الله» تفصيل عارض، أو كأنه غير موجود. فهو حين ينجح فى وضع إحدى كبرى الطوائف خارج الثورة، فهذا يعنى نجاحه فى إحباط خطتها، أى تأليف الكتلة العابرة للطوائف التى تطرح نفسها مشروعا بديلا للسلطة، أو حتى، وفى هذه الغضون، طرفا قويا ونقديا فى السلطة نفسها. ذاك أنه مع «17 أكتوبر» بدأت عملية قضم لأطراف الطوائف، كما ظهر طرح تتعرف فيه الذات الوطنية إلى نفسها من خارج السردية الطائفية. الثورة لم تطرح «إلغاء» الطائفية مما لا يفكر فيه عاقل، ولا طرحت إلغاء الألوان الطائفية الخاصة بالجماعات لأنها باقتراح كهذا تعلن ميلا صَهريا واستبداديا. مطالبها أقل جذرية وأشد تواضعا بكثير.
لقد كان واضحا، مع نشوب الثورة، أن الطائفية ونظامها مأزومان فى الاقتصاد والخدمات وفى إدارة العملية السياسية وتشكيل أنصبتها. هذا ما سهل الانفجار فى «17 أكتوبر». إلا أن «حزب الله» بقى، كطرف طائفى (ودينى) غير مأزوم، يتباهى بالصواريخ ويقاتل فى إدلب ويتهدد ويتوعد، فيما اقتصاده الحزبى ذو مصدر إيرانى قليل التأثر بمجريات الاقتصاد اللبناني. حسن نصر الله صارحنا بهذه الحقيقة منذ الأيام الأولى للثورة.
أهم من ذلك أن الحزب الطرفُ المسلح الوحيد فى التركيبة الحاكمة. فإذا عجز الجيش، لسبب داخلى أو خارجى، عن ممارسة القمع، تقدم هو لأداء الوظيفة. وهو حزب يخوض حروبا على جبهتين، ولا يمكن ألا يفكر بوضع سياسى واقتصادى فى الداخل ملائم لحربيه، أو على الأقل متكيف معهما. فى المقابل، من العبث الرهان على انشقاق داخل الحزب تبعا لمقدمات اجتماعية، أو لتضارب فى التمثيل الطبقى. احتمالات التعبير عن احتمال كهذا ممنوعة، وتكلف دما.
هكذا بات ممكنا الحديث عن طائفيتين، واحدة ناعمة نعمتها هزائمها، وجعلتها قابلة للمساومة، وإلا فللرضوخ، وقابلة أيضا لانشقاق بعضها عنها، وطائفية خشنة ومسلحة تتباهى بانتصاراتها، أو ما يتراءى لها أنها انتصارات، وترى أن لبنان لا يتسع لثورتين. إنها وحدها الثورة. هذا ما بدا واضحا منذ 2015. حين بدا التجرؤ على رموز الطائفية الناعمة، بمن فيهم ممثلو العونيين، ممكنا، بينما التجرؤ نفسه محرم على رموز الطائفية الخشنة.
بالنتيجة أُحبط الوعد الثورى بتأليف الكتلة الجديدة العابرة للطوائف، وبات أمره منوطا بمهمة تاريخية مديدة. لكنْ ما مضمون هذه المهمة ما دام مرور الزمن ليس حياديا ولا يعنى بذاته الكثير؟
إنه، فضلا عن نشر وعى أرفع بوحدة مصالح اللبنانيين، ومداومة التحريض ضد إفقارهم والتشهير بمصارفهم، انتظار أن يضعف «حزب الله» والدفع، فى الحدود المتاحة، باتجاه هذه الغاية الجليلة.
الأمر ليس «حقدا أعمى» على الحزب. إنه نابع من تحديد موقعه بوصفه الحامى الأخير لحكم اللصوص (الكليبتوقراطية) تبعا لنجاح تكيفه معه. صحيح أن العقوبات الأمريكية أطلقت بعض التوتر بينهما، إلا أن قنبلة ليلية واحدة على مصرف مغلق كانت كافية لاستعادة معظم الثقة المتبادلة. الأمور انتظمت بعد ذاك وإن بقليل من التشنج الذى قد يعترى أى علاقة بين حليفين.
لنلاحظ مثلا أن الحزب يَحول دون خطط التخدير الاقتصادى التى تتوسل العلاقات التقليدية للبنان فى إقليمه وفى العالم، ومَن لا يحتمل التخدير هل يحتمل العلاجات الأكثر جذرية؟ هكذا يُترك رئيس الحكومة البائس حسان دياب يعلن «عجز الدولة عن حماية مواطنيها».
والحال أن انتظار ضعف الحزب والدفع فى هذا الاتجاه يُقحمان عنصرا آخر لا يحظى، لدى تحليل الوضع اللبناني، بكبير اهتمام: إنه توازنات القوى فى الخارج. ففى ظل قوة إيران (ونظام بشار الأسد) يستحيل أن تنجح ثورة فى لبنان، بل يستحيل أن تتحقق إنجازات كبرى فى مواجهة حكم اللصوص. قد يظهر شغب متفرق وعنف طائش ردا على الإفقار. قد تتعالى أصوات شجاعة تقدم المزيد من البراهين على فضائحية السلطة. وعلى صعوبة ذلك، قد تقدم الأخيرة بعض فتات المصارف لمسروقيها. لكن هذا شىء والتغيير شىء آخر. حالة العراق قد لا تختلف كثيرا.
هنا، لا بأس بأن نستعيد أوروبا الوسطى والشرقية قليلا: فى 1953 انتفضت ألمانيا الشرقية سابقا. فى 1956 انتفضت هنغاريا. فى 1968 انتفضت تشيكوسلوفاكيا السابقة. فى 1980 ــ 1981 انتفضت بولندا. لكن الثورات كلها لم تنتصر ولم تتغير تلك البلدان إلا بسقوط الاتحاد السوفيتى نفسه فى أواخر ذاك العقد.

التعليقات