رياح غربية من الصحراء الليبية - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 23 يناير 2020 3:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

رياح غربية من الصحراء الليبية

نشر فى : الأحد 10 نوفمبر 2013 - 7:00 ص | آخر تحديث : الأحد 10 نوفمبر 2013 - 7:00 ص

أخبار المفقودين فى الصحراء الليبية، ومغامرات الحالمين بالعمل، وحكايات الوسطاء والمهربين والمتسللين، تأخذنا إلى عالم إبراهيم الكونى الأدبى ــ الفلسفى بما فيه من قسوة وندرة وتيه وانفتاح، وعلاقة تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية والمقدر والمكتوب... عالم حيث «عشب الليل» و «الفزاعة»، وجسد الحسناء الذى يتخفى فيه السر، كما تتخفى الأسرار فى جسد الصحراء، على حد وصف الكونى، الأديب الليبى الذى ينتمى لقبيلة الطوارق (من الأمازيغ) عندما يروى كيف تحول وطنه إلى صحراء كبرى... وهو بالفعل جزء من الصحراء الكبرى الأفريقية التى تمتد فى غرب مصر وشرق ليبيا وشمال السودان، لتغطى مساحة تصل إلى مليون ومائة ألف كيلومتر مربع. له أكثر من سبعين كتابا ويجيد تسع لغات ويعتبره البعض أحيانا أسيرا للرواية الصحراوية ولعنة اللون الأصفر... لكننا نشعر أحيانا فى ظل الأحداث الجارية أننا جميعا أسرى اللون الأصفر والتوهان والدروب الضيقة المنتشرة على حدودنا، حيث يموت العابرون كل يوم سواء للعمل فى ليبيا أو لأن هذه الأخيرة هى الطريق الأمثل للوصول إلى أوروبا من شمال أفريقيا، خاصة عندما تعجز دول المنطقة عن فرض سيطرتها على الحدود.

 

بلاغ اختطاف أكثر من 250 مصريا فى ليبيا بمنطقة البيضا فى طبرق أثناء توجههم لطرابلس، ومن قبلها فقدان حوالى ستين آخرين فى الصحراء بين البلدين يقودنا أيضا إلى عالم كاتب آخر مختلف تماما، رحل عن عالمنا فى نهاية أكتوبر الماضى عن عمر يناهز ثلاثة وثمانين عاما، وهو الفرنسى جيرار دى فيليه، الأشهر والأكثر مبيعا فى عالم الجاسوسية والتشويق. رواياته تدور فى الشرق الأوسط حيث الغموض وسحر الشرق وعملاء المخابرات والعناكب القديمة. ورغم أن البعض يزدريها أدبيا، إلا أن الكثيرين يقرأونها فى السر خاصة المحللين السياسيين والدبلوماسيين ورجال المخابرات، إذ تطلعهم على مجريات الأمور من خلال نظرة المؤلف الثاقبة ورؤيته المستقبلية، فقد تنبأ مثلا بمقتل السادات على يد الإسلاميين قبل عام من الحادث فى رواية بعنوان «مؤامرة القاهرة» سنة 1980 ( Le Complot du Caire). وبسؤاله فى إحدى المقابلات الصحفية بمجلة النيويورك تايمز عن المعلومات التى بنى عليها الأحداث، قال بعد أن هز أكتافه (على طريقة الله غالب): «الإسرائيليون كانوا يعلمون ولم يفعلوا شيئا»!

أثارت آخر رواياته «طريق دمشق» (Le chemin de Damas) ضجة كبيرة عندما صدرت فى يونيو 2012، لأنها تدور فى أجواء حرب أهلية سورية، بوجود بشار الأسد وأخيه ماهر والعديد من قاداتهم وحلفائهم. يصف الكاتب بدقة شديدة كيف يعمل هؤلاء وكيف تسير الأمور فى الداخل، شارحا ملابسات انقلاب فاشل مدعوم من الأمريكان والإسرائيليين. والأدهى أنه روى تفاصيل هجوم على مركز تابع للقيادة السورية يقع بالقرب من القصر الرئاسى، وذلك قبل شهر من وقوع حادث مماثل فى الحقيقة أودى بحياة العديد من كبار المسئولين. تذكرته تحديدا مع ما يجرى على الحدود الليبية لأنه كان قد أتى إلى مصر بعد ثورتها فى 2011، خلال تحضيره لرواية عن بنغازى نشرت فى شهر يناير من العام التالى، فقد كان غزير الإنتاج بشكل مذهل... يقضى حوالى أسبوعين فى البلد الذى اختاره مسرحا للأحداث، ثم يكتب فى ستة أسابيع أخرى، وفى السنوات الأخيرة أصبح ينشر خمسة أعمال فى السنة بدلا من أربعة فى السابق، كمن يشعر أنه لم يعد لديه متسع من الوقت.

 

رواية «مجانين بنغازى» صدرت قبل ستة أشهر تقريبا من مقتل السفير الأمريكى فى ليبيا جى كريستوفر ستيفنز، إلا أنها قدمت وصفا دقيقا لمركز قيادة السى أى إيه ببنغازى، والذى أثار لغطا بعد مصرع السفير ستيفنز. تعرض الروائى لخطر الجماعات الإسلامية على ليبيا ما بعد الثورة، لاسيما مقاتلى بنغازى، وعن جهود الاستخبارات الأمريكية لتقويضهم. كان الكاتب يعلم من أين يستقى معلوماته، وأن بعض الأطراف تسعى لنشر حقائق سرية ويرغبون فيمن يساعدهم على ذلك، خاصة أن الكثيرين يعرفون مسبقا أن كتبه ذائعة الصيت وأن أجهزة استخبارات العالم تتفحصها جيدا، وكأن العملاء وأبطال العمليات السرية يحبون أن يروا أنفسهم شخوصا فى عالم خيالى، طالما لم يذكر اسمهم. أما القارئ فيهرب مما حوله بقراءة بعض الأعمال التشويقية ليجد نفسه فى واقع أصبح أكثر غرابة من الخيال... ميلشيات وتهريب وأسلحة وتجارة بشر وعملاء وتنصت... الصحراء مليئة بالأسرار والحدود المصرية ــ الليبية يعبرها الغلابة واللاجئون، ومع كل أزمة تضيق بهم الدنيا، فيركبون الصعب.

 

المشهد الأخير الذى أرغب فى وصفه، لم يرد فى رواية للكونى أو دى فيليه، لكن من حافلة صعدت إليها بالمصادفة فى نهاية التسعينيات، كانت تقل عمالا مصريين وفلسطينيين وعراقيين، لم يعد لهم مكان فى بلادهم، انطلقوا للعيش خارج حدودهم، اخترقوا الصحراء وقبلوا بكل الشروط المفروضة عليهم... كانت الحافلة تعج بحكايات الغربة والعشق المستحيل والبعاد والحظر الجوى والبرى والسياسة البذيئة التى لعبت بمقادير البشر.

التعليقات