البحث عن نجاتي صدقي - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 9:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

البحث عن نجاتي صدقي

نشر فى : السبت 12 يناير 2019 - 10:55 م | آخر تحديث : السبت 12 يناير 2019 - 10:55 م

استمرت رحلة البحث ما بين عامي 2004 و2007، بعد هذه الفترة اتضحت الرؤية لدى المخرجة التسجيلية، أمل رمسيس، حول رحلة المتطوعين العرب الذين حاربوا إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية (1939-1936)، خاصة سيرة المناضل الفلسطيني اليساري، نجاتي صدقي الذي يدور حولها فيلمها الجديد "تأتون من بعيد". قبل أكثر من شهرين حصل هذا العمل على جائزة التانيت الفضي في أيام قرطاج السينمائية، بعد أن نضجت الطبخة على مهل، إذ استغرقت المخرجة وكاتبة السيناريو أكثر من عشر سنوات لكي يرى فيلمها النور.
تتحدث هنا عن أحد الأبطال المنسيين سواء في العالم العربي أو الغربي، فعادة ما يتكلم الإسبان عن فتح العرب للأندلس أو خروجهم منها، وعن الجنود المغاربة الذين أتوا من بلادهم المحتلة وأيدوا الفاشية المتمثلة في فرانكو، دون ذكر أي تفاصيل عن محاربة حوالي ألف متطوع عربي مع قوات الجمهوريين وقتها، وكان من بينهم خمسمائة جزائري والباقي من بلدان مختلفة منها سورية وفلسطين وتونس، على الأغلب ينتمون للحزب الشيوعي والحركة القومية الجزائرية. نتابع أولاده الثلاثة في الفيلم، خاصة هند ودولت، أما سعيد الذي يعيش منذ سنوات في البرازيل فنتعرف عليه قرب النهاية، ويشترك هو الآخر في لعبة الذكريات، فمن بداية الفيلم ونحن نرسم من خلال الصور القديمة مسيرة هذه العائلة وحياتها في الشتات. نفهم كيف تسبب نضال الأب، الكاتب والمترجم المقدسي، وزوجته الأوكرانية- لوتكا- إلى جانب النكبة، في تفكك أواصر هذه الأسرة. لظروف ملاحقة الأمن للأب والأم ومهامهما السياسية كبرت ابنتهما الأولى دولت أو "دوليا" في دار أيتام في موسكو، وكبر الاثنان الأصغر في المشرق دون أن يعرفا أختهما ولا يتحدثان لغتها. كبرت "دوليا" وهي لا تعرف سوى الاسم الحركي لأبوها، وهو سعدي، ونشأت بطريقة وعقلية مختلفتين عن عائلتها.
***
رحلة الذكريات التي نشاهدها من خلال شريط أمل رمسيس، متنقلين معها من بلد إلى آخر، تجعلنا نغوص أكثر في تفاصيل الحرب الأهلية الإسبانية فنعيد اكتشافها، مع طرح العديد من الأسئلة التي تتعلق بالهوية الفلسطينية والأبطال المنسيين في تاريخ كل أمة وأحلام وقيم بعض مناضلي اليسار الذين حلموا وعاشوا وراء حلمهم، ومن بينهم أهل المخرجة نفسهم.
نرتحل إلى زمن هتلر وموسوليني وستالين وفرانكو، إلى نهاية الثلاثينات حين تبادرت فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، مع تحديد منطقة دولية حول القدس، وكذا إلى فترة الثورة الفلسطينية الكبرى التي دارت بين السنوات 1939 و 1933. نلاحظ كيف تداخلت المسارات: الحزب الشيوعي أرسل المناضل اليساري الفلسطيني- محمد نجاتي صدقي- إلى إسبانيا لكي يقنع الجنود المغاربة بعدم مساندة الفاشية. كان يكتب المنشورات ويتحدث إليهم في الميكروفون بالعربية، وهو الصحفي المحترف ومذيع الراديو الذي اشتغل بعدة صحف وإذاعات. كان مؤمنا بأنه يحارب من أجل الحرية أينما وجدت، في دمشق، في مدريد، في القدس، في قرطبة، في القاهرة أو في تطوان... المسألة واحدة، والهدف واحد.
تنقل وتنقلنا معه من خلال الصور، من مدريد إلى برشلونة إلى باريس إلى بيروت إلى القدس أو حيفا ويافا، من روسيا إلى اليونان أو البرازيل. حياة أسرة فلسطينية كتب عليها الشتات، ولا زالت هي الأخرى تبحث عن جذورها ويسعى أفرادها إلى أن يدفنوا أو يحمل رمادهم إلى حيث ولدوا.
***
مات نجاتي صدقي في أثينا في العام 1979، كانت بعض أجزاء من مذكراته قد نشرت في بعض المجلات والصحف، ثم قامت مؤسسة الدراسات الفلسطينية بنشرها كاملة سنة 2001، من إعداد وتقديم حنا أبو حنا، فوقفنا على العديد من تفاصيل الحياة السياسة لتلك الفترة، خاصة حين يروي نجاتي صدقي كيف انضم للحركة الشيوعية على يد بعض المفكرين الروس اليهود وكيف سافر لدراسة الاقتصاد السياسي في موسكو في العشرينات، ثم كيف انخرط في عملية تعريب الحزب الشيوعي في فلسطين وكيف أصدر جريدة "الشرق العربي" في باريس بتكليف من الحزب، وكيف كلف بعدها بالذهاب إلى إسبانيا، إلى ما غير ذلك. نسعى لمعرفة المزيد عن هذه الشخصية التي يكتنفها الغموض، نقف على إسهاماته في مجالات الترجمة والنقد والأبداع الأدبي، فنجد أن دار المعارف المصرية قد نشرت عددا من كتبه من ضمنها "بوشكين أمير شعراء روسيا" (1945)، و"تشيكوف" (1947)، و"مكسيم جوركي" (1956)، وقصص: "الأخوات الحزينات" (1953) و"الشيوعي المليونير" (1962).
بعد مشاهدة الفيلم نتابع مع أمل رمسيس رحلة البحث عن نجاتي صدقي وعن أبطال آخرين مجهولين "يأتون من بعيد" ليغيروا شيئا فينا أو في عالمهم الذين حلموا به. حوالي ثمانين دقيقة من البحث والشغف، تقودنا لمزيد من البحث والشغف.

التعليقات