كيف تتعامل الدولة مع السمنة وفرط الوزن - محمد القرماني - بوابة الشروق
الأربعاء 16 أكتوبر 2019 10:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

كيف تتعامل الدولة مع السمنة وفرط الوزن

نشر فى : الجمعة 12 يوليه 2019 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 12 يوليه 2019 - 9:50 م

منذ عدة أشهر أظهرت نتائج حملة ١٠٠ مليون صحة أن نسبة كبيرة ممن خضعوا للكشف عن فيروس سى وغيرها من الفحوصات يعانون من فرط الوزن والسمنة وهو ما لاقى حينها استغراب قطاع من الرأى العام على اعتبار أنه كيف لدولة يعانى ثلث شعبها تقريبا من الفقر أن تنتشر فيها هذا النسبة المرتفعة للغاية من السمنة. فى البداية ينبغى الإشارة إلى أن ما كشفت عنه الحملة حقيقى، فوفقا لدراسة أجراها عدد من الباحثين عام ٢٠١٧ ومنشورة بدورية New England Journal of Medicine فإن ٣٥٪ من البالغين فى مصر يعانون من السمنة وهى واحدة من أعلى النسب العالمية.. كما قدرت منظمة الأغذية والزراعة بأن ٣١٪ تقريبا من البالغين فى مصر يعانون من السمنة وذلك عام ٢٠١٦. من ناحية أخرى لا يوجد تعارض بين انتشار الفقر وارتفاع معدل السمنة وفرط الوزن بل على العكس قد يكون هناك علاقة طردية بين الظاهرتين.. ذلك أن السمنة ليست كما يظن البعض مؤشرا على الثراء أو الإكثار فى تناول الطعام بل هى ببساطة حالة صحية تنتج إما عن أسباب وراثية أو استهلاك سعرات حرارية أكثر مما يحتاجه جسم الإنسان حيث يعتبر الشخص مصابا بالسمنة إذا زادت كتلة جسمه (BMI) عن ٣٠ وهو ما يتم احتسابه بقسمة الوزن بالكيلوجرام على مربع الطول بالمتر، أما إذا كانت كتلة الوزن بين ٢٥ و٣٠ فيعانى الشخص من فرط الوزن. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ارتفاع معدل السمنة فى الدول النامية يرجع بالأساس إلى الإفراط فى تناول أطعمة ومشروبات تحتوى على كمية كبيرة من الدهون والسكر وهى عادة رخيصة الثمن ومنخفضة القيمة الغذائية مع عدم ممارسة نشاط بدنى يساعد فى حرق السعرات الحرارية الزائدة.
وفى حين نترك للأطباء والمتخصصين فى علم التغذية مهمة التعريف بأسس التغذية السليمة والتخلص من السمنة، نطرح فى هذا المقال بعض الأفكار والسياسات العامة التى من الممكن أن تتبناها الدولة لمواجهة السمنة كأحد تحديات الصحة العامة والتى يترتب عليها مخاطر صحية عديدة.
فى سبيل تحقيق المصلحة العامة تلجأ الحكومات لمكافأة وتشجيع الأنشطة الاقتصادية التى يترتب عليها منفعة عامة وذلك عن طريق إعطاء حوافز وضمانات لصناعات معينة بغرض تحفيزها على التوسع فى أنشطتها مما يرتب نفعا عاما للمجتمع، وفى نفس الوقت تضع قيود وضوابط وتفرض الضرائب على الأنشطة التى تسبب أضرارا للمجتمع بغرض الحد من أنشطتها. هذا المبدأ يمكن تطبيقه لتحفيز المواطنين على تناول الأطعمة والمشروبات مرتفعة القيمة الغذائية عن طريق تقديم تسهيلات وحوافز وإعفاءات ضريبية للمطاعم والشركات المنتجة للمواد الغذائية ذات القيمة الغذائية العالية بحيث تنخفض أسعارها ويزيد الطلب عليها فى حين تضع مزيد من الضوابط وتفرض ضرائب ورسوم على المنتجات التى تتسبب فى زيادة الوزن وتساهم فى السمنة بحيث ترتفع أسعارها ويقل الإقبال عليها. هذه الضريبة ليست فكرة مبتكرة، حيث لجأت إليها العديد من الدول فيما يعرف بضريبة الخطيئة sin tax وتفرضها العديد من الدول على السلع التى تسبب ضررا لمستهلكيها والمجتمع ككل مثل السجائر والخمور والحلوى والوجبات السريعة وقد أكدت العديد من الدراسات أنه مع تطبيق هذه النوعية من الضرائب على المشروبات الغازية المعروفة بـ soda tax انخفضت مبيعاتها لصالح مشروبات أخرى صحية كالعصائر الطبيعية والألبان.

***

ونظرا للأهمية الكبيرة للتوعية فى مكافحة السمنة، فإن أحد السياسات الهامة المتبعة فى كثير من الدول هى إلزام شركات الصناعات الغذائية والمطاعم وعلى الأخص التى تقدم الوجبات السريعة بالإفصاح عن عدد السعرات الحرارية للأطعمة والوجبات التى تقدمها بحيث يكون المستهلك على وعى ودراية بما يستهلكه وبالتالى يستطيع حساب عدد السعرات الحرارية التى يتناولها ليصبح قادرا على ضبط استهلاكه. وقد أكدت العديد من الدراسات على أن هذه السياسة لم تساهم فحسب فى الحد من تناول الأطعمة مرتفعة السعرات بل شجعت المطاعم أيضا على تخفيض محتوى الطاقة بوجباتها لتجنب انخفاض مبيعاتها. وفى ذات الإطار تركز سياسات مكافحة السمنة على محدودى الدخل ومستحقى الدعم باعتبارهم الفئات الأكثر عرضة لتناول الوجبات والمأكولات الأرخص سعرا وأقل قيمة غذائية ويتم استهدافهم عن طريق برامج التوعية بشأن أسس التغذية السليمة والتعريف ببدائل المأكولات مرتفعة السعرات والتدريب على كيفية إعداد الوجبات الصحية ذات العناصر الغذائية المتوازنة بأقل تكلفة. ويمكن الوصول للفئة المستهدفة فى منافذ سلع التموين والمخابز أو مكاتب استخراج بطاقات التموين والمواصلات العامة والمصالح والجهات الحكومية بشكل عام والتى تحوى عدد لا بأس به من محدودى الدخل.
وحيث أن الشركات تستخدم قوتها الدعائية والتسويقية وتستعين بالمشاهير للترويج لمنتجاتها فى سبيل إغراء المستهلكين، فبإمكان جهاز حماية المستهلك أن يساهم بفاعلية فى مواجهة انتشار السمنة وفرط الوزن عن طريق الرقابة على المحتوى الإعلانى لشركات المنتجات الغذائية للتأكد من عدم خداع أو تضليل المستهلكين بشأن القيمة الغذائية أو فوائد تناول المنتجات التى تقدمها. فضلا عن ذلك فإن واحدة من الجهات الرئيسية التى يمكنها أن تلعب دورا كبيرا فى مواجهة انتشار السمنة وغيرها من أمراض التغذية وبالتحديد بين الأطفال هى وزارة التربية والتعليم من خلال الرقابة والتحكم فى نوعية المنتجات التى تبيعها الأكشاك المدرسية للطلاب والتى يكون معظمها من الحلوى والمشروبات الغازية وبحسب علمى لا خلاف طبى على أن هذه المنتجات ضررها أكثر من نفعها. من الناحية الأخرى فإن ارتفاع معدلات السمنة وفرط الوزن كما سلف الذكر ترجع إلى قلة النشاط البدنى وفى حالة مصر فمن المعروف صعوبة ممارسة الرياضة بشكل منتظم بسبب ارتفاع رسوم اشتراكات الأندية الرياضية وسوء حالة مراكز الشباب.. وعليه فإنه من الضرورى أن تولى الدولة أولوية لإتاحة الفرصة لمختلف فئات المجتمع لممارسة الرياضة عن طريق الاهتمام بمراكز الشباب القائمة والدخول فى شراكات مع القطاع الخاص لإنشاء ساحات رياضية وصالات جمانزيوم وإتاحتها للمواطنين بأسعار مدعمة مع النظر فى اعتبار التربية الرياضية مادة إجبارية بالمدارس وعودة النشاط الرياضى للجامعات.

محمد القرماني اقتصادى وزميل جامعة واشنطن للسياسات العامة
التعليقات