نشرت جريدة الرياض السعودية مقالا للكاتب زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ، يوضح فيه أن الحرب ليست صراعًا بين طرفين بقدر ما هى استنزاف للموارد التى يعتمد عليها الذكاء الاصطناعى، إذ يتحول الذكاء الاصطناعى من أداة لتعزيز القوة العسكرية إلى ضحية للظروف المادية التى تخلقها الحرب نفسها، وتحديدًا أزمة الطاقة.. نعرض من المقال ما يلى:
مع قدرة الذكاء الاصطناعى على تعزيز حملة اغتيال القيادات، وقدرته على مواجهة هذه الحملة بشبكة لا مركزية تقلل من أهمية دورها فى إدارة العمليات، فقد ترك الذكاء الاصطناعى ظهره مكشوفًا أمام أزمة الطاقة التى تسببت بها الحرب. العدو ليس الطرف الآخر فى الصراع، إنما العدو الحقيقى هو الحرب نفسها.
المفارقة ليست فى ساحة المعركة هذه المرة. بل فى الأسس المادية التى يقوم عليها الذكاء الاصطناعى. مع كونه شفرات مصدرية تعمل فى الخفاء، فإنها عنصر طاقة مضغوط تسخر له بنية تحتية ضخمة لتشغيله. فوراء كل نموذج توجد بنية معقدة من مراكز البيانات وأنظمة التبريد وسلاسل توريد أشباه الموصلات، كلها تعتمد على طاقة وفيرة بأسعار معقولة.
هكذا تكونت فى هذه الحرب تغذية راجعة تدور حلقتها بسرعة. الصراع الذى يعطل أسواق النفط والغاز لا يرفع أسعار الوقود فحسب؛ بل يرفع تكلفة الحرب نفسها. فى الولايات المتحدة، بدأت مشاريع توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعى مواجهة تحديات التكاليف المرتفعة للطاقة. فقد حذر عدد من شركات المرافق من أن مراكز البيانات الجديدة قد تتأخر بسبب قيود سعة الشبكة، فى حين تعدل الشركات الكبرى مثل مايكروسوفت وجوجل وتيرة توسعها جغرافيا استجابة لتغيرات تكاليف الطاقة وتوفرها.
هذه ليست انعكاسات مبالغًا فيها، لكنها إشارات مبكرة لزعزعة هيكلية حيث يواجه الذكاء الاصطناعى تحديات فى مواصلة نموه بناء على الحدود المادية لأنظمة الطاقة.
نتيجة لذلك، يمكن للذكاء الاصطناعى أن ينتج الظروف التى تحد من قدرته على شحذ الصراع بسبب شح مصادر الطاقة والانكماش الاقتصادى. ما يبدو أول الأمر ميزة تقنية، يتحول إلى صراع داخلى بين القدرة والتكلفة.
من المرجح أن يعيد هذا التوتر تشكيل مسار الذكاء الاصطناعى نفسه. لأكثر من عقد من الزمان، كان النموذج يدفع بالحجم سعيًا وراء نماذج أكبر، والمزيد من البيانات، والمزيد من الحوسبة. ولكن عندما تصبح الطاقة مكلفة ومتذبذبة، يبدأ هذا النموذج فى التصدع. نتيجة لذلك، يمكن أن يتحول الابتكار نحو أنظمة أكثر كفاءة، نماذج أصغر وبنى محسنة ترشد فى استهلاك الطاقة.
لا يبدو الذكاء الاصطناعى بهذا المعنى معاملا يضاعف القوة الحربية ببساطة. لكن أصبح نظامًا له حدوده الذاتية التى تتأثر بالظروف المادية ذاتها التى يعطلها الصراع. هذه الظروف المادية ليست محدودة فى منطقة معينة إنما لها طابع شبكى عالمى يمكن أن تؤدى إلى سلسلة من التفاعلات التى تؤدى فى النهاية إلى تقييد أدوات الحرب وربما الحد من توسعها.
ما حدث اليوم فى حرب إيران، أن الذكاء الاصطناعى لعب دورًا فى تعطيل مصادر الطاقة التى توفر له قدرة على ممارسة عملياته الأساسية وتدعم المشاريع التى تضمن له نموه مستقبلا. أصبح الذكاء الاصطناعى مثل الوحش الذى كبر فجأة حتى أصبح يعض شبكة أطرافه الطويلة.