من النهضة إلى سلب الإرادة المصرية.. مصر فى عهد الخديوى إسماعيل - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأربعاء 27 يناير 2021 12:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

من النهضة إلى سلب الإرادة المصرية.. مصر فى عهد الخديوى إسماعيل

نشر فى : السبت 14 نوفمبر 2020 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 16 نوفمبر 2020 - 4:11 م

بعد وفاة سعيد باشا متأثرا بمرضه وقد تخطى الأربعين بسنة واحدة، تولى الخديوى إسماعيل أكبر أبناء الأسرة العلوية سنا الحكم فى 1863. منذ اللحظة الأولى لحكمه كان من الواضح رغبة إسماعيل باشا القيام بنهضة مصرية تضاهى نهضة جده محمد على كما عقد العزم على تحويل مصر إلى قطعة أوروبية!
كان إسماعيل باشا منذ صغره منفتحا على الحضارة الأوروبية، فقد سافر إلى النمسا فى سن الرابعة عشرة للعلاج ثم مكث فيها عامين بغرض الدراسة ومن فيينا لحق بالبعثة الخامسة التى أرسلها محمد على إلى فرنسا حيث قام بدراسة الرياضيات والهندسة والطبيعة ثم عاد إلى مصر وقد كان أبوه ــ إبراهيم باشا ــ ما زال فى الحكم، فأخذ بعض الخبرات فى إدارة شئون الحكم رغم أن أخاه الأكبر الأمير أحمد رفعت كان هو من يعد مستقبلا لخلافة العرش ولكنه توفى فأصبح إسماعيل أكبر أبناء الأسرة العلوية سنا بعد وفاة سعيد باشا ومن ثم تولى الحكم فى يناير 1863.
لرغبته الشديدة فى النهضة والتحديث لإكمال ما بناه جده، فقد قرر إسماعيل باشا اتباع استراتيجية طويلة (يمكن الاطلاع على تفاصيلها كاملة فى كتاب «تاريخ مصر فى عهد الخديوى إسماعيل باشا» والصادر فى طبعته الحديثة عن مؤسسة الكلام للترجمة والنشر فى 2013) تقوم على محورين، أحدهما للسياسة الداخلية والأخرى للسياسة الخارجية.
***
فيما يخص السياسة الداخلية فكانت تتكون من خمسة محاور رئيسية:
المحور الأول هو إعادة التقسيم الإدارى لمصر إلى ثلاثة أقاليم كبرى وهى الإقليم البحرى والمتوسط والصعيد، وبدورها انقسمت هذه الأقاليم إلى 8 محافظات وهى (العاصمة، الإسكندرية، دمياط، رشيد، العريش، بورسعيد، السويس، ومساكن فى السودان) كما تشكلت مصر من 14 مديرية، منها سبع فى الوجه البحرى (الجيزة، البحيرة، القليوبية، الشرقية، المنوفية، الغربية، الدقهلية) وثلاث فى الإقليم المتوسط (الفيوم، بنى سويف، المنيا)، وخمس فى الصعيد (أسيوط، جرجا، قنا، القصير، إسنا).
وانقسمت المديريات إلى مراكز والمراكز إلى أقسام، والأقسام إلى نواح، ووضع على رأس كل ناحية عمدة وفوّض الأهالى انتخابه فى تجربة مثيرة وجديدة على المصريين!
أما المحور الثانى فقد تمثل فى تحديث السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فزاد عدد النظار (الوزراء)، كما تم زيادة المحاكم وإدخال نوع جديد من المحاكم وهو المحاكم المختلطة التى لم تكن مقيدة بقوانين الشريعة الإسلامية وفصلت فى القضايا بين الأجانب والمصريين، مما عد تمييزا ضد المصريين فى وطنهم! ولكن خطوته الأهم كانت تطوير السلطة التشريعية فأنشأ مجلس شورى النواب والذى يعد التجربة الأولى للبرلمان الحديث فى مصر والمنطقة بأثرها، حيث تكون المجلس من 75 عضوا يتم انتخابهم من العمد والمشايخ والأعيان من القاهرة والإسكندرية ودمياط، تكون عضوية المجلس لمدة ثلاث سنوات ويجتمع سنويا بين شهرى ديسمبر وفبراير. قطعا لم يكن للمجلس سلطات تشريعية حقيقية ولكنه كان بمثابة مجلس استشارة للخديوى والذى كان له فى النهاية الكلمة العليا، ولكنه وفى كل الأحوال عُد سابقة مميزة وتأسيس حديث للمفهوم النيابى فى المنطقة!
ثم تمثل المحور الثالث فى تطوير الزراعة والصناعة والنقل والمواصلات والبريد بالإضافة إلى تطوير وتحديث دار الكتب المصرية. ففى عهد إسماعيل تم إنشاء 430 جسرا منها جسر قصر النيل، كما امتدت السكة الحديد لتغطى نحو 1800 كم، أما فى البريد فقد بلغ عدد مكاتب التلغراف 150 مكتبا لتغطى أكثر من 5000 كم مربع حتى السودان!
أما المحور الرابع فقد تمثل فى الاهتمام بالنهضة العملية التعليمية والصحافة، فقام بتخصيص نظارة للمعارف (التعليم) تولاها على باشا مبارك صاحب الاقتراح بإنشاء النظارة، كما تم إنشاء المدارس الابتدائية وضم الكتاتيب للمنظومة التعليمية الرسمية، كما تم توجيه الاهتمام إلى تعليم الفتيات بدعم من رفاعة الطهطاوى. أما فى مجال الصحافة فقد تعددت المنابر الصحفية ومنها مجلة «اليعسوب» وهى أول مجلة طبية فى مصر والمنطقة وثانى جريدة فى مصر عموما بعد جريدة الوقائع، كما تم إنشاء جريدة «روضة المدارس» لتهتم بشئون التعليم، بالإضافة إلى جريدتى «وادى النيل» و«نزهة الأفكار» وهى من الجرائد الأهلية.
ثم تمثل المحور الخامس والأخير فى تطوير الجيش، فبالإضافة إلى تطوير تدريبات ومنشآت وأسلحة الجيش المصرى، فقد اهتم إسماعيل أيضا بالتعليم العسكرى وعمل على تطويره، فقام بإنشاء 6 مدارس عسكرية وهى مدارس القيادة (المشاة)، السوارى (الفرسان)، الطوبجية (المدفعية) والهندسة الحربية، ومدرسة أركان الحرب، والخطرى، والطب البيطرى.
كما قام إسماعيل باشا بإنشاء نظام جديد للبعثات العسكرية وتحديدا إلى فرنسا وإنجلترا، كما قام بإنشاء أول هيئة أركان حرب للجيش تم تشكيلها من الضباط المصريين العائدين من بعثة فرنسا وتم إيكال تطويرها والإشراف عليها إلى بعض الضباط الأمريكان.
لكن عاب سياسة إسماعيل باشا العسكرية أمران، الأول هو التوسع فى إعفاء أبناء الأعيان من الجيش مقابل دفع مبالغ نقدية، وكذلك عدم مساواته بين الضباط الأتراك والشراكسة من ناحية والضباط المصريين من ناحية أخرى، حيث كان يحصل الأتراك والشراكسة على ثلاثة أضعاف نظرائهم المصريين!
***
أما ما يخص السياسة الخارجية لإسماعيل باشا فقد تمحورت حول ثلاثة محاور كبرى، تمثل المحور الأول فى السعى نحو المزيد من الاستقلال عن الخلافة العثمانية، أما المحور الثانى فتمثل فى توسعات إسماعيل فى السودان ووادى النيل، أما المحور الثالث فقد تمثل فى علاقاته الخارجية مع كلٍ من فرنسا وبريطانيا.
أما فيما يتعلق بعلاقاته مع الباب العالى فقد قام إسماعيل بإغداق المال على الباب العالى (السلطان عبدالعزيز) وزيارته فى إسطنبول لكسب وده، قبل أن يتم التوصل معه لاتفاق هام دعّم مزيدا من الاستقلالية لمصر من العثمانيين وتمثل ذلك فى فرمان 1866:
1ــ أن يرث عصر مصر أكبر أبناء الوالى، بعد أن كان الفرمان السابق (1841) يقضى بأن تكون الولاية لأكبر أبناء الأسرة العلوية.
2ــ السماح بزيادة الجيش المصرى من 18 ألف جندى إلى 23 ألف جندى.
3ــ حصول مصر على حق سك النقود الخاصة بها.
ثم واصل إسماعيل إغداق المال والتودد إلى الباب العالى فحصل على فرمان جديد عام 1872 يمنح إسماعيل لقب الخديوى وهو أعلى من لقب الباشا ويساوى لقب السلطان! ثم كان الفرمان الأهم عام 1873 والذى نص على مجموعة من المواد أهمها؛ امتداد أملاك الخديوى لتشمل السودان، حق مصر سن القوانين الداخلية دون الرجوع إلى الباب العالى، حق مصر فى عقد المعاهدات التجارية والجمركية، حق الاقتراض دون استئذان الباب العالى، رفع أى قيد على عدد جنود الجيش، حق بناء السفن الحربية مع اشتراط الحصول على إذن من الباب العالى حال إنشاء المدرعات أو الحصول عليها.
ورغم أن العلاقة بين الباب العالى والخديوى بدت مستقرة وودية إلا أن المراجع التاريخية تذكر أن الباب العالى فى ذلك الوقت (السلطان عبدالعزيز) لم يكن يثق فى الخديوى إسماعيل وكان يعلم أن إسماعيل له أطماع ورغبات خاصة وقد تأكد هذا الشعور بعد أن تغاضى إسماعيل عن توجيه الدعوة إلى الباب العالى فى حفل افتتاح قناة السويس وهو ما أدى فى النهاية إلى انقلاب عبدالحميد الثانى على الخديوى والانضمام إلى بريطانيا وفرنسا عام 1879 لإجبار إسماعيل على التنازل عن العرش لصالح ابنه الخديوى توفيق!
فكيف كانت علاقة إسماعيل بالدول الأوروبية وكيف كان تورطه معها فى النهاية الطريق إلى سلب إرادته وإرادة مصر تمهيدا نحو احتلالها؟ هذا ما يجيب عنه المقال القادم.
ملحوظة: (للاطلاع على نصوص الفرمانات كاملة يمكن الاطلاع على كتاب إلياس الأيوبى المذكور أعلاه الصفحات من 309 إلى 385، كما يمكن الاطلاع على نصوص مختصرة للفرمانات فى القسم البحثى بموقع المقاتل الإلكترونى (Moqatel.com).
أستاذ مساعد زائر للعلاقات الدولية بجامعة دنفر.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر