الخميس 27 يونيو 2019 1:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في قرار استبعاد عمرو وردة من معسكر المنتخب بكأس أفريقيا؟

من سايكس ــ بيكو إلى صفقة القرن

نشر فى : الثلاثاء 16 أبريل 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 أبريل 2019 - 10:10 م

قبل مائة سنة وأكثر قليلا (سنة 1917) أصدر وزير خارجية بريطانيا العظمى اللورد آرثر بلفور وعده الشهير بإقامة كيان سياسى للحركة الصهيونية فى فلسطين وعلى حساب أهلها العرب، مسلمين ومسيحيين وأقلية يهودية. وكانت الحركة الصهيونية حديثة الولادة. وأول من أعلن عن قيامها تيودور هرتزل.. وأن هذا الكيان سوف يقام فى فلسطين ليكون دولة يهود العالم.
كان العرب يعيشون، بعد، فى خدر أحلام الثورة العربية الكبرى التى خططت لها بريطانيا أيضا، وكلف أمير مكة الشريف حسين بإعلان ندائها الوحدوى فى العام 1915، فى مواجهة الاحتلال العثمانى الذى كان على حافة السقوط بعد هزيمة تركيا المتحالفة مع ألمانيا فى الحرب العالمية الأولى.
وهكذا أمكن للشريكين فى تلك الحرب (بريطانيا وفرنسا) أن يتقاسما منطقة المشرق العربى: لبنان وسوريا وفلسطين والعراق.. فكان لبنان وسوريا من «نصيب» فرنسا، وفلسطين والعراق من «نصيب» بريطانيا التى «اخترعت» كيانا إضافيا (الأردن) اقتطعت أرضه من سوريا ونصبت عليه الأمير عبدالله نجل الشريف حسين، فى حين اعترضت فرنسا على الأمير فيصل الأول الذى نصب ملكا على سوريا.. وهكذا جيش الاحتلال الفرنسى تقدم من لبنان نحو دمشق، وكانت معركة ميسلون فى 24 يوليو 1920 التى لا تكافؤ فيها بين جيش منتصر فى الحرب العالمية الأولى وبين مجموعات من المتطوعين ــ بقيادة «وزير الحربية» فى دمشق البطل يوسف العظمة ممن كان ضباطهم فى الجيش التركى وانضم إليها بعض الشباب المؤمن بحق سوريا فى الاستقلال.
.. وكانت هزيمة لإبطال ميسلون، بقيادة يوسف العظمة، نتيجة عدم التكافؤ فى القوات والأسلحة، وهكذا دخلت القوات الفرنسية دمشق، وتقدم قائد الحملة الجنرال هنرى غورو من ضريح صلاح الدين الأيوبى، بطل تحرير القدس من الصليبيين، ليخاطبه بلهجة ساخرة: ها قد عدنا يا صلاح الدين!
بعد ذلك، حمل البريطانيون الأمير فيصل الذى هرب من دمشق فى اتجاه الأردن، إلى العراق فنصبوه ملكا عليها، مستفيدين من نسبه الهاشمى، وغير عابئين باعتراض أغلبية العراقيين بعنوان الشيعة على هذا الملك الذى أُسقط عليهم بدبابات الاحتلال.. وكانت ثورة العشرين فى العراق، لكن الإنجليز تواطأوا عليها وخادعوا الشيعة بالنسب الهاشمى للملك المعين فيصل ابن الشريف حسين.
***
ستثور سوريا ضد الانتداب الفرنسى فى العام (1925) الذى ابتدع فيها أربع دول، ليقسم شعبها، وسيقصف الطيران الفرنسى دمشق مستهدفا قلبها ومجلس النواب فيه.
ولسوف تستمر الانتفاضات فى سوريا ضد الانتداب وهكذا فرض الشعب السورى أن تبقى سوريا موحدة، وأن اللغة العربية الأساس فى التعليم العام، حتى فى الكليات العلمية كالطب والصيدلة فضلا عن كليات الحقوق والآداب وعلم الاجتماع.
الانقلاب الأول
فى مارس عام 1948، دبرت شركة نفط العراق البريطانية أول انقلاب عسكرى فى سوريا بقيادة ضابط مهووس بالسلطة هو حسنى الزعيم الذى أعطى نفسه رتبة الماريشال وهو من سلم زعيم الحزب السورى القومى الاجتماعى أنطون سعادة إلى السلطات اللبنانية التى تسلمته ليلا و«حاكمته» حتى الفجر فحكمت بإعدامه وتم التنفيذ، قبل شروق الشمس!
ولسوف تتوالى الانقلابات العسكرية فى سوريا حتى العام 1958 حين قصد وفد من كبار الضباط إلى الرئيس جمال عبدالناصر فى القاهرة يطالبون بإقامة الوحدة بين مصر وسوريا.. وبعد مفاوضات طويلة شارك فيها الزعماء السوريون رافعين المطلب نفسه فوافق عبدالناصر، وأعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا كفاتحة لتحقيق حلم الوحدة العربية.
كانت الأمنيات عظيمة حينها.. وافترض المواطن العربى أن دولة الوحدة التى «تحمى ولا تهدد، تصون ولا تبدد» سوف تنجح فى تحقيق الحلم الأكبر: تحرير فلسطين. غير أن هذه الدولة ــ الحلم لم تعمر طويلا ــ إذ انهارت بفعل انقلاب عسكرى فى دمشق قاده ضباط صغار.. واضطر جمال عبدالناصر إلى التسليم مكرها، بالواقع الجديد، كما سلم مرغما وبضغط ضباط آخرين والزعامات السياسية والأحزاب بإقامة دولة الوحدة.
وكانت دولة الكيان الإسرائيلى أسعد أهل الأرض بسقوط دولة الوحدة، والانقلابات العسكرية التى توالت على سوريا حتى أنهكتها.. إلى أن تسلم قيادتها الرئيس حافظ الأسد فى نوفمبر 1970، وبعد وفاة جمال عبدالناصر بشهرين تقريبا.
ها هو الكيان الصهيونى، إسرائيل، يحتفل بالذكرى الحادية والسبعين لإقامته بالقوة والتآمر الدولى والخيانة أو التخاذل العربى فوق أرض فلسطين (مع تمدد فى اتجاه تلال الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية).
.. وها هى الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تعلن «صفقة القرن» التى تعنى فى جملة ما تعنيه فرض المزيد من التفكك على الوطن العربى تثبيتا للكيان الإسرائيلى فى فلسطين جميعا، مع ضم الجولان (وربما مزارع شبعا) فى ظل غياب سوريا وانشغالها بالحرب فيها وعليها، والحرب الأمريكية على «حزب الله» فى لبنان الذى ألحق الهزيمة مرتين بالجيش الإسرائيلى الذى لا يُهزم: المرة الأولى حين أجبره على الخروج من الأرض التى احتلها فيه (وقد وصل ذات مرة، فى صيف العام 1982 إلى بيروت)، والمرة الثانية حين ألحق الهزيمة بهذا الجيش الأسطورى برا وبحرا وجوا فى حرب يوليو 2006.
ويمكن لقادة إسرائيل أن يتباهوا الآن أنهم قد هزموا العرب فأجبروهم على الصلح، اعترافا بالأمر الواقع، خصوصا وأن دولا عربية عدة قد اعترفت بكيان الاحتلال وأقامت معه علاقات علنية أو سرية (لا فرق)، وانطلق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يتباهى بأن دولا عربية أخرى قد دعته لزيارتها وسيلبى دعواتها قريبا!
كما يمكن للرئيس الأمريكى الذى تطفح تصرفاته بالغرور والخفة أن يتحدث مع رئيس الحكومة الإسرائيلية (المنتصر الآن فى انتخابات الكنيست ولو بأقلية ضئيلة) عن «صفقة القرن»، بوصفه شريكا له فيها.. وهو قد استفاد من هذه الصفة ليعلن، مرة جديدة أن الجولان هى بعض «أرض إسرائيل»، وأنها لن تتركها ابدا.
***
ما الذى تغير خلال هذا القرن (1917ــ2019) فى الوطن العربى وفى العالم؟
صحيح أن الاستعمار القديم قد سقط مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبروز القطبين: الأمريكى الإمبريالى (والذى ورث بريطانيا وفرنسا ومعهما إسبانيا والبرتغال وسائر دول الاستعمار القديم) والروسى ــ الشيوعى الذى كان يضم إلى روسيا السوفيتية دول المعسكر الاشتراكى، وهى ما خلف «الستار الحديدى» فى أوروبا، أى معظم دول شرقى أوروبا، وبعض ما خضع فى أطراف آسيا لحكم موسكو الشيوعى، أى الروسى.
لكن الصحيح أيضا أن الاتحاد السوفيتى قد تهاوى ومعه الشيوعية فى أواخر القرن الماضى، وانفصلت عنه ألمانيا الشرقية للتوحد مع ألمانيا الغربية تحت الرعاية الأمريكية، كما استعادت دول المعسكر الاشتراكى هويتها الغربية الأصلية فانفصلت تشيكيا عن سلوفانيا، وتفككت يوغسلافيا إلى دول عدة، وعادت المجر غربية، وانشقت رومانيا معها، وكذلك انشقت أوكرانيا، وإن كانت روسيا قد احتفظت بشبه جزيرة القرم التى كانت (وما تزال) مصيف القادة الروس.. (من دون أن ننسى أن هذه البلاد هى مسقط رأس ستالين الذى حكم الاتحاد السوفيتى نحو ثلاثين سنة من دون انقطاع..).
بالمقابل، مدت الولايات المتحدة المنتصرة بالشراكة مع الاتحاد السوفيتى فى الحرب العالمية الثانية، نفوذها فى اتجاه أوروبا، خصوصا وأن انخراطها فيها قد حسم الحرب فهزم هتلر ألمانيا وموسولينى إيطاليا، وحرر فرنسا بعاصمتها باريس التى زارها هتلر المنتصر فتمشى فى الشانزليزيه، بينما تمكنت الجيوش السوفيتية من تحرير موسكو وستالينغراد وسائر أنحاء روسيا وأوروبا الشرقية حتى برلين التى وصل إليها الجيشان، الأمريكى والروسى معا، فتقاسماها وجعلا برلين مدينتين: شرقية وغربية بينهما بوابة هى الحدود بين العالمين: الرأسمالى والشيوعى.
***
ذلك من التاريخ.. فماذا تعنى «صفقة القرن»، التى يروج لها الآن؟
للوهلة الأولى يتبدى وكأنها تعنى الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم، باستثناء الصين طبعا، والاتحاد الروسى، وبالشراكة مع إسرائيل فى منطقتنا العربية، التى تكون معظم دولها «محميات» أو «مستعمرات» أمريكية.
وأبرز دليل حسى أن هذا التعبير قد ورد أول مرة، على لسان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وهو يوقع لنتنياهو، وبحضوره، على حق إسرائيل فى هضبة الجولان السورية، (وربما معها تلال كفرشوبا وشبعا فى جبل الشيخ، جنوب لبنان).
من يرد على هذا التحدى الجديد الذى يكرس الهيمنة الأمريكية ــ الإسرائيلية على المنطقة العربية بداية، ثم على معظم أنحاء العالم، باستثناء الصين وجوارها وروسيا وجوارها المباشر؟!
العرب خارج الصورة مع أن بلادهم بعض تفاصيلها.. فمعظم دولهم إما غنية أكثر مما يجب وتحتاج الحماية الأمريكية، خصوصا الخزانة المذهبة فى الإمبراطورية الأمريكية.
.. أما إسرائيل باعتبارها الشريك حتى التكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية والتى تقدم نفسها كأنها الشريك المضارب مع روسيا بوتين، فهى المستفيد الثانى من هذه الصفقة التى تلغى الدول ومعها الشعوب فى العالم الثالث.
فى الختام، نحن نعيش فى مناخ جديد استولدته الانتفاضة الشعبية المجيدة ضد حكم بوتفليقة فى الجزائر، الذى اضطر فى النهاية لأن ينصاع للإرادة الشعبية فيعلن قراره بالتنحى.
... وطالما أن إرادة التغيير موجودة، والجماهير تملأ الشوارع بغضبها وإرادة التغيير، فإن صفقة القرن، كما يريدها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ومعه شريكه الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، لا يمكن أن تمر.. فالأمة ولادَّة، وهى قادرة ومؤهلة لأن تصنع غدها الأفضل.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات