قصة مدينتين رفضتا حكم التنظيمات المتطرفة وأسقطته - جورج فهمي - بوابة الشروق
السبت 25 سبتمبر 2021 3:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

قصة مدينتين رفضتا حكم التنظيمات المتطرفة وأسقطته

نشر فى : الأحد 16 مايو 2021 - 7:10 م | آخر تحديث : الأحد 16 مايو 2021 - 7:10 م

اختارت التنظيمات الجهادية أن تغيّر استراتيجيتها فى أعقاب موجة الربيع العربى فى العام 2011، لتتحول من تنظيمات تسعى إلى تنفيذ عمليات إرهابية بغرض إلحاق أكبر قدر من الضرر بالقوى الغربية وحلفائها المحليين، إلى حركات شعبية محلية تقدّم نفسها بديلا عن مؤسسات الدولة العربية التى ازدادت هشاشة بعد العام 2011.

فى كتاب «إدارة التوحش.. أخطر مرحلة ستمر بها الأمة»، الذى صار أحد أهم المراجع الفكرية لفهم استراتيجية تنظيمَى القاعدة والدولة الإسلامية (داعش) فى المرحلة ما بعد الربيع العربى، يقدم الكاتب المجهول توصيفا لما أسماه مرحلة التوحش، وهى الحالة من الفوضى التى ستدبّ فى أوصال دولة ما أو منطقة بعينها، إذا ما زالت عنها قبضة السلطات الحاكمة. ولذا وجب على القاعدة ــ التى ستحل محل السلطات الحاكمة تمهيدا لإقامة الدولة الإسلامية ــ حسن إدارة التوحش إلى أن تستقر الأمور. وبإدارة التوحش يعنى الكاتب إدارة حاجيات الناس من توفير الطعام والعلاج، وحفظ الأمن والقضاء بين الناس. 

لقد شهدت المرحلة التالية للعام 2011 عددا من تجارب الحكم لتنظيمات السلفية الجهادية، كان أبرزها الخلافة التى أقامها تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من العراق وسوريا. كذلك سعى تنظيم القاعدة هو الآخر إلى إقامة إمارات له فى اليمن، كما كانت الحال فى تجربتَى التنظيم لحكم أبين والمكلا فى جنوب اليمن. 

وعلى الرغم من التوصيف الدقيق للحالة التى مرّت بها الكثير من الدول العربية فى أعقاب انتفاضات 2011، من ضعفٍ للدولة وتراجعٍ لقدرتها على بسط سيطرتها على كامل أراضيها، وعلى الرغم من بعض النجاحات التى حققتها استراتيجية إدارة التوحش فى بناء سلطة مستقرة لها استمرت لسنوات عدة قبل أن تتحرك القوى الدولية والمحلية لمواجهتها، كما هى الحال مع دولة الخلافة فى العراق وسوريا، شهدت حالاتٌ أخرى مقاومة المجتمعات المحلية لتلك التنظيمات المتطرفة حتى نجحت فى إبعادها عن مناطقها. فى هذا الإطار، تشكل حالة مدينتى المكلا فى جنوب اليمن، وبنقردان على الحدود الليبية ــ التونسية، نموذجا لرفض المجتمعات المحلية التنظيمات المتطرفة وخطابها. 

***

استطاع مقاتلو القاعدة الاستيلاء بسهولة على مدينة المكلا فى أبريل 2015، بعد انسحاب القوات العسكرية التى كانت تتمركز فيها. اختار التنظيم ألا يدفع بمشروعه الدينى بقوة السلاح بعد احتلاله المدينة، واختار عوضا عن ذلك تقديم نفسه لمجتمع المكلا على أنه قادر على تقديم بديل أفضل لتوفير حياة كريمة للسكان المحليين، من خلال تقديم الخدمات، ووضع آليات لحلّ النزاعات. إلا أن العديد من سكان المكلا رفض حكم تنظيم القاعدة، الذى دام حوالى العام، من أبريل 2015 حتى أبريل 2016. فالمدينة شهدت خلال تلك الفترة عددا من التظاهرات والاحتجاجات ضد التنظيم التى تطالب عناصره بالرحيل، رافعةً شعارات مُعارِضة مثل «يا مواطن صح النوم.. لا قاعدة بعد اليوم». وقد استمر الغضب تجاه وجود القاعدة، ومع الدعوة إلى إنشاء قوات النخبة الحضرمية من أبناء محافظة حضرموت، تطوّع الآلاف للانضمام إلى تلك القوات، التى نجحت فى تحرير المدينة بعد عام من سيطرة القاعدة عليها. 

وكذلك الحال فى مدينة بنقردان التونسية، التى تقع فى أقصى الجنوب الشرقى على الحدود التونسية الليبية. رأى تنظيم الدولة الإسلامية فى السيطرة على بنقردان هدفا يسهل بلوغُه نتيجة التهميش الاقتصادى والاجتماعى الذى يعانى منه أغلب سكان المدينة، والعلاقة المتوترة التى تربطهم بالدولة التونسية. فحاول عناصر داعش القادمون من ليبيا احتلال بنقردان فى 7 مارس 2016. وسعى المهاجمون فى البداية إلى كسب دعم جزءٍ من السكان المحليين، بتحريضهم على التمرد على سلطة الدولة التونسية أثناء محاولتهم بسط السيطرة العسكرية على المدينة. بيد أن السكان رفضوا بغالبيتهم محاولة تنظيم الدولة السيطرة على مدينتهم. ومع وصول القوات الأمنية التونسية إلى المدينة، انضم الأهالى إلى القوات الأمنية فى الحال، ورفضوا إيواء العناصر المسلحة، بل صاروا يساعدون عناصر الأمن بإرشادهم إلى أماكن المسلحين داخل المنازل أو فى مزارع الزيتون الممتدة على نواحى المدينة.

***

ومع أن العوامل بدت مُهيَّئةً لاستقبال حكم التنظيمات المتطرفة فى كل من المكلا وبنقردان، سواء بسبب التهميش الاقتصادى والاجتماعى، أم بسبب غياب دور الدولة، إلا أن التجربتين انتهتا بالفشل لسببَين رئيسَين: الأول هو البناء الاجتماعى لتلك المناطق الجغرافية، حيث أدّت التركيبة القبلية فى المكلا وبنقردان دورا محوريا فى مقاومة حكم التنظيمات السلفية الجهادية. ففى المكلا، كما هى الحال فى اليمن بشكل عام، تعود الأولوية دوما إلى الانتماءات المحلية، ولذا لم يقبل العديد من أهالى المكلا أن يتحكّم بمدينتهم أشخاص من خارجها. وفى بنقردان أيضا كان للتركيبة السكانية والقبلية للمدينة دور هام فى تشكيل موقف الأهالى الرافض لهجوم داعش. فمعظم سكان بنقردان ينتمون إلى النسيج القبلى نفسه، أى قبيلة ورغمة الأمازيغية الأصل، وتحديدا الفرع العشائرى التوازين. لقد رفض هذا النسيج القبلى أن يُحكَمَ من تنظيمٍ ليس تونسيا، حتى وإن كان بعض أعضائه من أبناء المدينة. 

أما السبب الثانى، فهو فشل التنظيمات الجهادية فى تقديم نفسها بدلا عن مؤسسات الدولة الوطنية. شكّل ضعف الدولة وتخلّيها عن مسئولياتها فى تقديم الخدمات العامة، وحفظ الأمن، وحلّ النزاعات، أحد العوامل التى دفعت بعض سكان المكلا إلى الترحيب بتنظيم القاعدة فى بداية الأمر. كذلك ظنّ تنظيم الدولة أن حالة التهميش التى تعيشها مدينة بنقردان الحدودية ستدفع أهلها إلى الترحيب بدخوله إليها. لكن سرعان ما تراجعت قدرة التنظيم فى المكلا على القيام بمهام مؤسسات الدولة، ما دفع سكان المدينة إلى التراجع عن دعمه. وفى مدينة بنقردان، أكّد العديد من السكان الذين طالما اشتكوا من غياب الدولة عن مدينتهم، أن الهدف من شكواهم هو أن تعود الدولة التونسية إلى بنقردان، لا أن يستبدلوها بدولة أكثر سوءا، فى إشارةٍ إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

لكن صحيح أن مشروعَى القاعدة وتنظيم الدولة فشلا فى «إدارة التوحش»، لا تزال حالة التوحش نفسها مستمرة، ولا يزال مطلب عودة الدولة ملحّا فى كل من المكلا وبنقردان. لذا على مؤسسات الدولة الوطنية وداعميها من قوى دولية وإقليمية أن تسعى إلى ملء هذا الفراغ قبل أن تحاول تلك التنظيمات المتطرفة إعادة الكرّة، بعد أن تكون قد استفادت من دروس فشلها السابق. فالسبيل الوحيد للقضاء على مشروع تلك الجماعات المتطرفة هو قيام الدولة الوطنية فى اليمن وتونس، بالعمل على إنهاء حالة «التوحش» تلك من خلال عودة مؤسسات الدولة إلى القيام بدورها، وخاصة فى مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتلك المناطق. أما فى حال استمرّ الفراغ، فقد تظلّ تلك المناطق عرضةً لمحاولات جديدة لملئه.

جورج فهمي باحث بمركز مسارات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا
التعليقات