عبدالستار أبو الغلابة - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 5 مارس 2021 10:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

عبدالستار أبو الغلابة

نشر فى : السبت 16 يوليه 2016 - 9:35 م | آخر تحديث : السبت 16 يوليه 2016 - 9:35 م
عندما تقرأ سيرة الرجل، تستغرب أن العالم لا يزال يتسع للقديسين. صحيح أن راعى الفقراء عبدالستار إيدهى ينتمى لجيل مختلف، فقد وافته المنية ثالث أيام عيد الفطر عن عمر يناهز الثامنة والثمانين، لكن وجوده فى حد ذاته كان ملهما، يعطى أملا أنه من وقت لآخر ربما يجود الزمان بمثله، ربما تتكرر المعجزة، فيعيش بيننا من هو قادر على أن يحمل فى قلبه حتى آخر نفس حلم الشاب الذى سعى دوما لإنقاذ البشرية. نشعر بذلك عند رؤية محبة الناس، كبيرهم وصغيرهم، عظيمهم وأبسطهم، وهم يتدافعون بالآلاف لمجرد لمس التابوت المغطى بالأزهار الوردية، خلال الجنازة التى أقيمت فى اليوم التالى للوفاة باستاد مدينة كراتشى فى باكستان.

تقدم تفاصيل حياته، التى سجلها من خلال كتاب للسيرة الذاتية عام 1996، رواية مختلفة لتاريخ باكستان منذ إعلان استقلاله عن الهند وتأسيس الدولة على يد المحامى والسياسى، محمد على جناح، سنة 1947. حلم هذا الأخير فى تكوين دولة تتسع للجميع لم يتحقق للأسف بسبب نخب سياسية لا تهتم سوى بمصالحها الضيقة، وقد فهم هذا على الفور عبدالستار إيدهى رغم صغر سنه عندما أتى إلى باكستان من ولاية غوجارات الهندية حيث ولد سنة 1928. وصل إيدهى إلى باكستان مع بداية تأسيس الدولة والانفصال عن الهند، ورأى الشوارع تعج بالموتى واللاجئين.

منذ ذلك الحين اعتاد على تغسيل الموتى، الذين لا أهل لهم، والتبرع بدفنهم، وعلى مساعدة اللاجئين ضحايا العصور والفرق المختلفة، ففى الآونة الأخيرة مثلا كان الدور على النازحين هربا من طالبان والقاعدة على الحدود مع أفغانستان أو هؤلاء الذين فروا من هجمات الجيش الباكستانى والتحالف الدولى، أما فى وقت سابق فقد مد يد العون لمن أتوا مثله قادمين من الهند «البريطانية»، دون تفرقة بين أبناء طائفته المسلمة وبين الآخرين.

***

كان يعرف الملا عمر كما يعرف معظم قادة المجموعات المتناحرة، ويحاول أن يقنعهم أن ما يفعلونه لا يمثل الإسلام الذى يفهمه ويطبقه لخير البشرية، إلا أنهم كانوا يكتفون بالاستماع. وهو يكتفى بأن يردد أنه «مؤمن ومتدين علمانى» وأن الدين لا يجب أن يستغل للوصول إلى السلطة أو المال، لا فتاوى، لا سياسة، لا طمع. وبالتالى إيدهى الذى كان يجمع نحو 4 ملايين يورو سنويا، فى هيئة تبرعات من جميع أنحاء العالم، كان لا يقبل بمساعدات الدول أو بهبات الأغنياء التى قد تخرج مشروعه عن مساره الإنسانى البحت، كان فقط يكتفى بتبرعات الناس العاديين الذين يثقون فى شخصه.

وفى أحد الأفلام التسجيلية التى خصصتها له قناة آرتيه قال إنه لا يملك سوى طقمين من الملابس، واحد يرتديه والآخر فى الغسيل، إلا أنه يملك 1500 سيارة إسعاف مجهزة ويدير هو وعائلته أكثر من 300 مركز للرعاية الصحية وتنظيم الأسرة وخدمة الطوارئ فى جميع أنحاء باكستان، هذا بالإضافة إلى دور الأيتام واللقطاء ودور رعاية المسنين والمرضى النفسيين والمدمنين. الأطفال اللقطاء كانت نقطة خلاف أخرى بينه وبين رجال الدين أو الأكثر محافظة وتشددا، لكن نظرا لاحترام الرجل، لم تفسد للود قضية، حتى عندما وضعت زوجته ــ بلقيس ــ أسرة بيضاء للأطفال فى سائر أنحاء البلاد، حتى تترك فيها الأمهات أولادهن فى حال عدم رغبتهن فى الاحتفاظ بهم سواء لأنهم أبناء سفاح أو لأسباب أخرى، بدلا من وضعهم فى أكياس بلاستيك أو فى صناديق القمامة كما دأبن. بعدها توفر بلقيس وابنتها أسرا بديلة لهؤلاء الأطفال الذين تجاوز عددهم عشرين ألفا.

***

بلحيته البيضاء الطويلة وغطاء رأسه التقليدى، كان يستمع للقرآن من خلال جهاز راديو صغير لا يفارق مكتبه، وفى الخلفية صورة لمحمد على جناح، وإلى جواره حقيبة صغيرة للسفر فى أى وقت، فقد كان دائم التجوال حتى أنه لم يحضر حفل زفاف ابنته من كثرة المشاغل، كما ورد فى مذكراته.
أدوية السكر وتقوية الذاكرة، ثم أدوية الفشل الكلوى، ظروف السن والمرض لم تمنعه جميعها من ترتيب كل شىء على أكمل وجه، حتى خلافة ابنه له وتوزيع المهام ما بين أولاده الأربعة وزوجته التى كان يصفها قائلا: «صنعت منى رجلا أفضل».

هى بالفعل فهمت طبيعة زوجها الزاهد ورافقته منذ الستينيات، بعد أن عملت معه كممرضة فى أول مستوصف أنشأه فى بداية الخمسينيات. قبلت ما رفضته أخريات، ولم تر فى تصرفه دربا من الجنون عندما وقف فى الشارع يشحذ من المارة النقود اللازمة لتكوين أول مستوصف وشراء أول شاحنة قديمة لتحويلها إلى عربة إسعاف. فهمت أيضا أنه عندما تغيب الدولة أو تفشل فى الوفاء ببعض واجباتها هنالك الكثير الذى يقع على عاتقهم، دون أن يتخذ الأمر شكلا من أشكال العمل الخيرى الجديد الذى ينغمس فيه أحيانا بعض الأغنياء ورجال الأعمال، خاصة فى المجتمعات التى يختل فيها توزيع الثروات أو تطبق فيها النيوليبرالية.

لا مجال مع هذه العائلة المحترمة لشبهة التربح من العمل الخيرى أو إخفاء أهداف دفينة لتغيير المجتمع على نحو معين أو استخدام رعاية الفقراء لتحسين صورة أفراد محددين وتسويقهم كرجال للبر والتقوى وهم لا يسددون الضرائب المفروضة عليهم. شعر الناس على اختلافهم بصدق نوايا إيدهى وأسرته، لذا سمحوا دوما لسيارات الإسعاف المملوكة لهم أن تدخل إلى أماكن الاشتباكات. كانوا يوقفون القتال الدائر بين الشرطة والمشاغبين أو بين أى فريقين متناحرين حتى يتمكن المسعفون من أداء مهمتهم، فقط لأنهم يلبسون السترة الصفراء التى تحمل شارة مؤسسة إيدهى الخيرية.
التعليقات